الجمعة، فبراير 8

خدعوك فقالوا الإسلام السياسي

ألاحظ مؤخراً أن بعض الموحّدين (ولا أقول مسلمين، بل موحدين) يتحدثون عما يُسَمَّى بالإسلام السياسي أو السياسة في الإسلام وكأنها أفكار أجنبية أو دخيلة على الإسلام. كيف وصل بعض العرب إلى هذا الفِكر؟ حقيقة لا أفهم.

دعونا نحلل الأمر لغوياً ببساطة، وقبل حتى أن نتحدث عن الإسلام أو ما يقوله الله في القرآن: ما هي السياسة أصلاً؟ السياسة هي مجال العمل الذي يحتوي على منظومة أو مجموعة من السياسات المحلية والدولية. سياسات جمع كلمة سياسة واحدة؛ والسياسة الواحدة بدورها هي منهاج العمل المحلي أو الدولي في قضية ما. فما هو منهاج العمل؟ منهاج العمل هو مجموعة من القواعد التي تنظم كيفية العمل، وقد يكون المنهاج في شركة كبرى أو دولة. عندما يكون في دولة، فطبيعي أن تكون على الأقل بعض هذه ’القواعد‘ ببساطة قوانين، إما محلية أو دولية. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل في الإسلام ’قوانين‘ محلية ودولية واجتماعية وعسكرية واقتصادية أم لا؟ هل في الإسلام سياسات اقتصادية أم لا؟

الإجابة لمن يفقه الألف من كوز الذرة في الإسلام هي بالتأكيد نعم، في الإسلام يوجد قوانين وسياسات، وهي بكليتها معروفة باسم الشريعة الإسلامية (أو الدستور الإسلامي). فمثلاً مجموعة القوانين المتعلقة بالمعاملات المالية والربا وتحديد بالضبط ما هو الربا اسمها سياسات اقتصادية إسلامية، أو بالإنجليزية:
Islamic economic policies

فإن كان في الإسلام قواعد وقوانين، تجتمع لتكون سياسات، والسياسات بدورها تجتمع لتكون سياسة الدولة، أفليس إذن الإسلام نظام شامل متكامل ويحتوي على سياسة الدولة المسلمة أو الشعب المسلم؟ ألا يوجد سياسة في الإسلام إذن؟

فما الذي يقصده البعض عندما يختبئون خلف المصطلح العجيب ’الإسلام السياسي‘ ليسخروا منه أو يرفضوه؟ وهل عندما يرفضوه، هم يرفضوا أشخاص مثل مُرسِي وأحزاب مثل الحرية والعدالة، أم أنهم عندما تطرقوا إلى ما يسمونه بالإسلام السياسي، هم في الحقيقة يرفضون كليّة وشمولية الإسلام، ويريدون أن يكون الإسلام فقط شعائر وهز رؤوس ولوي ألسنة بقرآن لا يفقهون فيه شيئاً؟ هل يرفضون سياسة وسياسيين، أم هم في الحقيقة يريدون دفس الإسلام دفساً في ركن مظلم على سجادة تضرع في محراب عبادة، لا يخرج منه أبداً؟

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، فبراير 5

السباب والحياء والنساء

قرأت تعليقاً عن الشتيمة؛ افتكرت تربيتي، وافتكرت حال بلادنا كان إزاي في التسعينات، وافتكرت اللي بأسمعه عن حال بلدي تجاه الشتيمة والسباب العلني إنهارده، وافتكرت المخلوق الواطي سُوسْتَه والثقافة الواطية بتاعته والتخدير والدغدغة العقلية تجاه السبّ العلني اللي بيقوم بيه. فتأملت في الأمر.

أنا مباشتمش بألفاظ نابية في أي مكان أو صفحة عامة، ولا أسمح لأي شخص بنشر الألفاظ النابية على صفحتي؛ هذا مع العلم بأني على أتم الاستعداد بأن أترك شتيمة موجهه لي شخصياً إذا لم تكن لفظاً قذراً تماماً، يعني لو واحد كتب ’كلب حقير واطي‘، ممكن أسيبها لو معاها كلام تاني، لكن ما أسيبش لفظ قذر أبداً. والسبب الرئيسي هوه وجود البنات والنساء. حقيقي، مقدرش أزعم إن امتناعي عن الشتيمة راجع لمبادئ أو كده، خالص...أنا ممكن أشتم بأوطى الألفاظ، أخلاقي للأسف تسمحلي وبأشتم مع صحابي الولاد—على الأقل إنهارده، وبأؤكد للأسف لإن ده شيء لا يدعو للفخر أبداً ولا شطارة أو شجاعة مثلاً والعياذ بالله؛ ده ضعف وتنفيس للغضب مثير للشفقة. لكن ما يمنعني عن نطق أو كتابة الألفاظ القذرة في أي مكان أو صفحة عامة هو احتمال أن تسمع أو تقرأ السباب فتاة. أنا عارف إن فيه بنات بتشتم، لكن ده مش معناها إن كلهم كده؛ واحتراماً للبنات اللي ممكن يسوئها جداً قراءة أو سماع الشتيمة أو الفحش، أمتنع. وفي الامتناع خير وتحضر ليّا، غصبٍ عن أخلاقي اللي تسمحلي، فالحمد لله إن ربنا خلق بنات محترمة ولسه موجودين رغم أنف المخلوقات العِرّة من الجنسين.

فلكل ذكر وأنثى بيشتموا بفحش في الصفحات والأماكن العامة وفاكرين إن الناس كلها زيهم أقولهم: لأه، فُوقُوا، لسّه فيه بنات حيائها ينخدش من الفحش والألفاظ القذرة وقد تتأذى بشدة كمان، ولسّه فيه رجالة تمتنع عن الألفاظ دي عشان بنت واحدة بس زي دي، حتى لو وسط عشر إناث وجوههم ملوثة بقبح ما تقبلوه من ألفاظ حولهم بدون الإعراض عنها بوجوههم. إحنا رجّاله، مش لازم تكون وشوشنا جميلة علاطول، لكن البنت...إزاي يفضل وشّها جميل وهيه موجهاه كل يوم في اتجاه ألفاظ قذرة من غير ما تدوّر وشها وتسيب المكان اللي فيه ألفاظ قذرة؟ ما ينفعش. حتحتاج طبقات من الفاونديشن عشان تغطي القذارة اللي بتتراكم على وشها اللي مبقاش فيه حياء، وتلوث بقذارة الموجات الصوتية النابية.

يا ريت كل بنت بتسمح لنفسها تقول ألفاظ نابية أو تقعد مع ناس بترمي في وشّها ألفاظ فاحشة تفتكر إن حتى الشاب اللي كان بيلعب بديله وهوّه صغير مع الداعرات، لما بيفكر يتجوز، بيحاول على الأقل إنه يبتعد عن الوجوه الداعرة، فيبحث عن وجه فيه بعض الحياء؛ هوّه بيعمل كده بفطرته، لإنه عايز زوجة يثق فيها؛ سواء ربنا وفقه يلاقيها بعد اللي عملُه أم لا، دي حاجة ترجع لله بقه. وتراكم الألفاظ القذرة في وش أي بنت لا يمكن أن يترك أي حياء على الوش ده. والوش اللي من غير حياء حيحتاج فاونديشن كثير قوي عشان يخبّي القذارة التي سممت الحياء. أنا عارف إن ذكور كثير  بقه يبدو عليهم إنهم لا يروا ولا حتى يهتموا بالحياء، ولكن أؤكد لكم أن الكثير منهم عندما يبحثون عن شريكة حياة، بفطرتهم البحتة يبحثون عن الحياء في وجوه من يقابلونهن من نساء. فالسؤال: هل من حياء تبقّى في وجهكِ أم أن الفُحش قد قتله قتلا؟ ووالله إن الحياء ليس طأطأة الرأس وحمار الخدود، بل هو هالة ساحرة يراها الرجل في وجه وعين المرأة المرفوعة الرأس؛ فإن كان رجلاً نبيلاً، ألقت في قلبه الاحترام، حتى جعلته هو يطأطئ عينه للحظة.

—ياسين رُكَّه

غسيل المخ: ما هي إيَّتُك؟

هل غسيل المخ فقط من التليفزيون؟ هل غسيل المخ فقط للأغبياء؟

يبدو أن هناك توجه فكري يتم الترويج له وتبنّيه ببطء من قبل الكثير من الناس هذه الأيام، بأن غسيل المخ فقط من التليفزيون، وأن ’الأذكياء‘ آمنون من غسيل المخ. والمفارقة المضحكة هنا هي أن هذه الفكرة في حد ذاتها غسيل مخ! بعض الناس تُغسل أمخاخهم بها.

من حيث أقف اليوم متأملاً، يمكنني بسهولة أن أخبرك أنّ لا أحد آمن من غسيل المخ، لأن هناك وسائط مكرسة وقنوات إدّعائية لكل طبقة في المجتمع ولكل نوع من الناس. غسيل المخ ليس فقط تخدير الأغبياء ليزدادوا غباءً؛ بل هو أيضاً إشغالك بالتفاهات وبالأفكار والأنشطة الهدّامة، لا البنّاءة؛ هو إبهار وإقناع الذكي كي يصبح متعصباً. ما هو التعصب؟ التعصب هو الاستمرار في الصراع على الرغم من أن الحرب انتهت بالفعل، الصراع بعد الحرب. أي أن التعصب هو الصراع من أجل الصراع، بأسباب ضعيفة إلى منعدمة أصلاً لتبرير الصراع. هل الأذكياء أو المتعلّمون آمنون من غسيل المخ في هذا السبيل؟ أبداً؛ بل إن الأذكياء والمتعلمين هم بالتحديد الشريحة المستهدفة من فطيرة المجتمع في سبيل هذا النوع من البقاء أو أسلوب الحياة.

’الإيّات‘ وسائط شائعة جداً لهذا النوع من التجنيد؛ لو معي الإيّة المناسبة لك، يمكنني أن أجنّدك كبَيْدق متعصب في سبيل قضيتي المزعومة. الإيّات تتضمن الليبرالية، والليبرتاريالية (التحررية)، والرأسمالية، والاشتراكية، والإنسانية الإحسانية، والإنسانية التحضرية، وهلم جرا، بلا آخر، حرفياً بلا نهاية، ولكن الإيّة المفضلة للنخبة، وأكثر الإيّات شعبية عند الناس، وأكثرها تأثيراً وأيسرها تكيّفاً هي…الحريّة.

إن كنت تؤمن بأي [إيّة] بحماس وعاطفة، فقد تؤمن بها على نحو أعمى أيضاً؛ إن كنت تناضل وتصارع من أجل أي إيّة، فقد تم غسيل مخك بالفعل منذ زمن بعيد. والأهم من ذلك، تعلّقك وصراعك من أجل إيّة يعني أن مبادئك تتغير وتتأقلم باستمرار لتتماشى مع الإية الأرضية، التي هي من صنع الإنسان، والتي يتم مراجعتها وتغييرها باستمرار لتتلائم مع أجندة أو برنامج الصانع من أهل النخبة. ناهيك عن المبادئ المعلّقة التي لم يتم الفصل فيها في أي إيّة، مثل الإجهاض وعقوبة الموت وقضايا الأجناس. فعندك إيّة مثل الحريّة، كانت بالأمس تعني حرية الأبيض ليستعبد الأسود وحرية المرأة لتظهر شعرها، وأصبحت اليوم حرية أصحاب البنوك ليستعبدوا الشعوب وحرية المرأة لتظهر كل جسمها فيما عدى الصدر والعضو التناسلي، والله أعلم كيف سيغير النخبة معنى الحرية غداً.

ما هو المخرج؟ ابحث عن ثابت، بدلاً من البحث عن المتغير بلا نهاية. اطلب فكراً أقامه وجود أعلى، بدلاً من فكر أسسه إنسان مثلك، بالتأكيد عرضة للخطأ، ربما متحيّز، وجلياً قصير العمر. التمس طريقك العائد إلى مصدرك، الصمد الثابت، الآخر الوارث، الخبير الباطن، الواحد الأحد. واهدي غيرك باللين إلى طرقهم العائدة إلى الصمد، حاول أن تنقذهم من الإيّات. قد يغسل الإنسان مخ أخيه الإنسان، وباستخدام الدين نفسه، ولكن الله لا يغسل أمخاخ عباده أبداً؛ التمس طريقك إليه، طريقك إلى مصدرك الصمد، بدون أن تسمح لأي إنسان أن يغسل مخك خلال الطريق، لأنّه—تذكر—لا يوجد أحد آمن من غسيل المخ، خصوصاً إن كنت تقرأ، أو تشاهد، أو تسمع للآخرين باستمرار، بدلاً من أن تجاهد كي تسمع مصدرك: ربّك.

—ياسين رُكَّه