‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، أكتوبر 7

قادة جيش مصر الشرفاء

قادة جيش مصر الشرفاء: محمد نجيب، محمد عبد الغني الجمسي، محمد عبد الحليم أبو غزالة، سعد الدين الشاذلي

قادة جيش مصر الشرفاء: محمد نجيب، محمد عبد الغني الجمسي، محمد عبد الحليم أبو غزالة، سعد الدين الشاذلي

يزعم البعض أن رافضي الانقلاب والحكم العسكري يكرهون جيش مصر نفسه ويعملون على إسقاطه؛ كذبوا. بل إننا نريد إسقاط الحكم العسكري وحده، لا العسكر؛ ونكره القيادات الفاسدة التي تخون مصر ولا تمثلنا. وفي المقابل، نحب هؤلاء القادة الشرفاء الذين أخلصوا للوطن.

—ياسين ركه

الأربعاء، سبتمبر 25

كيف يفكر مؤيدو السيسي والعسكر؟

أمثلة من تعليقات مؤيدي السيسي ولاحسي #البيادة على صورة لبعض معتقلي #كرداسة بآثار تعذيب وضرب على وجوههم؛ كي يعرف الجميع كيف يفكر هؤلاء، ومنهم من يتشدق بوسطية إسلامه (بعض التعليقات مني بين أقواس):

كمال موسى دعدور
مع اننا لاتقر هذا الاسلوب ولكن هؤلاء الخوارج يجب ات يقتلوا أو يصلبوا وتقطع ايديهم وارجلهم من خلاف

[خد بالك إنه ’لا يقر هذا الأسلوب‘، ولكن في نفس الوقت ’يجب‘ أن تقطع أجسامهم تقطيعاً. واخد بالك معايا من المنطق؟ موضوع عدى مرحلة التناقض أصلاً]

Abo Omar
يا راااااجل ده اقل واجب يتعمل مع الاشكال ديه دول انضربوا بالايد مع انهم يستحقوا ينضربوا بالنار

Ahmed Mohamed Toema
دي آثار النضافه ... بتنضف

Mohamed Wahid
ان شاء الله تتنفخوا يا أرهابيين يا ولاد الكلاب يا دقون قذرة و عقول حيوانات ياااااااااااااااااا خرفان متأسلميين

[واخد بالك من كم الكراهية العمياء العميقة؟ بئر مالوش قرار من الكراهية والبغضاء اللي تعدت كراهية الصهاينة بمراحل، كإنهم بيتكلموا عن شياطين أو ضباط أمريكان في جوانتانامو كانوا بيعذبوا أهلهم مثلا]

Roka Zegof
لالالالالاعيب كان لازم يديهم كاب كيك وكورواسون جاتكم نيلة ماليتم البلد

Shiref Abo El Dahab
دي اشكال لازم يتعمل فيها أكتر من كده دي ناس إرهابيه ولاد وسخه ولسه الشرطه هاتطهر إماره كرداسه من الإرهابيين الأوساخ

[شريف، صاحب التعليق أعلاه، حاطط صورة غلاف صفحته بجملة ’محمد رسول الله‘ بالبنط العريض]

Walid Mahmoud
انا مش شايف أي آثار تعذيب وبعدين الحاجات البسيطه اللي باينه عليهم دي اقل واجب لناس ارهابيين ماسكين سلاح ومحتلين كرداسه يعني عاوزين الشرطه تدخل تبوسهم وتديهم جوايز ايه الاستعباط ده ؟؟؟

[وليد صورة غلاف صفحته مكتوب عليها: ’واثقون بنصر الله. ألا إن نصر الله قريب‘. خد بالك إنه مش شايف أي آثار تعذيب، وفي نفس الوقت، شايف آثار ’حاجات بسيطة‘ وشايف إن الحاجات البسيطة دي أقل واجب لناس كذا كذا. المواطن وليد شايف إن التعذيب ’البسيط‘ أقل حاجة ممكن تتعمل...شيء عادي القيام بيه في الدولة يعني. Business as usual]

Fadel Hassan Elkady
حوش الدم اللي نازل علي صدرهم ،،، عايزين حد يتبرع بسرعه بالدم الشان نلحق النزيف ( يا أولاد القراميط )

[فاضل ما ينفعش يقتنع إن حصل تعذيب إلا لو شاف دم كثير نازل على صدرهم، نزيف يحتاج لتبرع دم.]

يكفي أصلاً قراءة تعليقات مؤيدي السيسي والعسكر، كي يطمئن قلب من تبقى فيه عقل وضمير أن الكفاح ضد هذا الانقلاب وهذه الدولة البوليسية هو طريق الحق. الحمد لله أن استخدم مثل هذه المخلوقات التي تجردت من كل معاني الإنسانية والحضارة كي يُطَمْئِن قلوبنا.

مصدر التعليقات:
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=705859632776600

—ياسين ركه

الثلاثاء، يوليو 9

السر وراء الكثير من الإرهاب والمناورات السياسية والإعلامية

لكي تفهم الكثير من المناورات السياسية، والكثير من الهجوم الإعلامي وغسيل المخ البروباجاندي والهجوم الإرهابي (وأكثر الإرهاب يأتي من وكالات المخابرات)، تذكر كلمة واحدة: القانون.

أو الدستور.

نعم، المال يحرك الكثير من الأمور في العالم؛ أو كما يقول الغربيون، المال يجعل العالم يدور. ولكن، حتى المال نفسه لا يمكن أن يحرك أي أمر عام بدون قانون يبيح ذلك!

فالصراع كله وأصله، في جذوره العميقة، هو صراع بين قانون إلهي وقانون وضعي؛ أو بمعنى أدق، بين أهل القانون الإلهي وأهل القانون الوضعي. لسه مش فاهم؟ طب لو قلت ’دستور‘ بدل قانون، الفكرة قرّبت كده شوية؟

وأزيد: أهل القانون الإلهي في مصر اليوم مثلاً هم أهل الشريعة الإسلامية (الشريعة هي الكلمة التي نصف بها منظومة قواعد القانون الإسلامي، كما أن الدستور هي الكلمة التي نصف بها منظومة قواعد القانون الوضعي، أي الذي وضعه إنسان مثلي ومثلك)، وأهل الشريعة الإسلامية يعني خبراء القانون الإسلامي والبسطاء ممن يؤيدون الشريعة الإسلامية؛ وعلى الجانب الآخر، أهل القانون الوضعي في مصر اليوم مثلاً هم أهل العالمانية والليبرالية (والكثير منهم يظنون أنك يمكنك أن تكون مسلماً ليبرالياً، وهذا شيء مضحك لمن فقه الألف من كُوز الذرة في الإسلام بكليته)، وأهل العالمانية يعني خبراء القانون الوضعي (وأحياناً هؤلاء ’الخبراء‘ هم أنفسهم من اخترعوا وصاغوا ووضعوا هذا القانون من أصله!)، ومعهم البسطاء (أو الجهلاء) ممن يؤيدون الدستور الوضعي أو الدستور العالماني أو الليبرالي أو الدستور الإنساني عامة.

ولكل إنسان فطن وعنده بعض الذكاء، إن رجعت بذاكرتك إلى الأحداث التي تلت الثورة المصرية في ٢٥ يناير، وإن استطعت أن تتذكر الكثير من التصريحات والأحداث والإعلانات التليفزيونية وتعليقات الشخصيات السياسية (سواء العميلة أو غيرها) وتعليقات الفنانين والنشطاء و...و... إن رجعت بذاكرتك وتذكرت ما يكفي من الأحداث، لازداد يقينك بهذه الفكرة الجذرية الجوهرية...السر كله في الدستور!

أهل الباطل قد يرضون بالكثير من القوة لدين الله، بل قد يعطون السياسيين ذوي المرجعية الإسلامية مليارات من المال ويستسلمون للمسلمين المتدينين في الكثير والكثير من الأمور، ويعطونهم كل شيء ممكن، إلا القانون! إلا دستور إسلامي. إلا...’السلطان‘ (وهي الكلمة التي استخدمها عثمان بن عفان رضي الله عنه في مقولته الشهيرة: إن الله يزع بالسلطان...).

أهل الباطل قد يعطونك أي شيء، ولكنهم سيحاربون حتى آخر قطرة دم ممكنة كي يمنعونك من تحكيم الله على نفسك وعليهم! خذ مال الدنيا كله منهم، ولن يبالوا، طالما قانونهم هم الذي يحكم (لأنهم سيستردون منك هذا المال كله بمزيج من التكنولوجيا والبروباجاندا—أو الإعلام المُوجّه—والقانون الذي وضعوه هم أنفسهم)؛ طالما هم يحكمون بسلطانهم، ولا يحكم الله بشريعته...لن يبالوا بأي مكاسب تأخذها أيها المسلم.

تذكر هذه الكلمة: القانون. الدستور. تفهم الكثير من الأمور والأحداث والمناورات والمعارك السياسية والإرهاب. وتفهم سر القوة، وأعمق بذرة للحرب.

—ياسين رُكَّه

السبت، فبراير 23

محاولة أخرى لكبح جموح كراهية الشيعة

كتبت على إحدى الصفحات، تحت موضوع يضع الاثنين، الإخوان والشيعة، أمام مدفع الكراهية:

أنا مشترك في الصفحة، يعني أؤمن بوجود بعض المؤامرات السياسية تحت مظلة الربيع العربي الحالية. وفي نفس الوقت مؤيد للمشروع الإسلامي السياسي في المنطقة، وخاصة مصر؛ وأغار على ديني وتطبيقه بكليّته وشموليّته. هذه الخلفية ذكرها مهم، لأني سأقول أن أختلف معكم في بعض الأمور أيضاً. أختلف مع الكثير في قضية الإخوان؛ فأنا أؤيدهم حتى الآن، ولم أرى دليلاً واحداً قاطعاً أو حتى شاهداً مقنعاً أنهم ليسوا مخلصين، دعك من شريرين أو موالين للشيعة! وثانياً، أنا سنّي وليس لي أي انتمائات حزبية أو سياسية أو دينية، ولكني في نفس الوقت مختلف معكم ومع الكثير من المسلمين، ممن لا يؤمنون بالمؤامرات من الأصل، ولكن سبحان الله تجدهم يكرهون الشيعة بسبب الإشاعات التي يسمعونها؛ يعني أختلف مع الكثير في هذه الكراهية العمياء التعميمية للشيعة.

يا إخواني، [بعض] أئمة الشيعة يتطاولون على الصحابة؛ وأضع عشرة خطوط تحت كلمة [بعض]، لأنه من التطرف الفِكري والمبالغة الجاهلة المتهورة أن نعمم. بعض الشيعة يقوم بشعائر متطرفة ليست من الإسلام في شيء. ما المشكلة الاستثنائية في هذا؟ ألا يوجد عندنا، في بلاد وأهل السنة، أئمة متطرفون فِكرياً؟ ألا يوجد عندنا جهلاء يعبدون أهل المقابر؟ فالكثير من عيوبهم موجودة فينا!

وأنتم، هنا، على هذه الصفحة، ألا تؤمنون أن قيادات الدول هي الفاسدة ومن أفسدت الدولة بالإعلام الفاسد المضلل؟ فلماذا لا تطبقون نفس المبدأ على الشيعة؟! قيادات كثيرة في بلاد الشيعة فاسدة، ولكن تحدث مع الشيعي البسيط، المواطن العادي، واسأله إذا كان يسب الصحابة أو يسب عائشة! اسأل الشيعي البسيط إذا كان يؤمن بقتل السنيين وأي شخص في الدنيا اسمه عُمَر! شيء عجيب أن نأخذ فيديوهات من يوتيوب لخمسة شيوخ شيعة، ولشعائر تقوم بها قبيلة محددة من أهل الشيعة، ثم ننشرها ونقول: ’انظروا على الشيعة‘! وعندما يفعل السياسيون الأمريكيون نفس الشيء ضد المسلمين كلهم، كي يغسلوا أمخاخ الشعب الأمريكي، نشتكي ونتظاهر ونقول بروباجاندا وغسيل مخ. فعلاً، سبحان الله على ازدواجية المعايير التي لا يسلم منها أي إنسان اليوم—على ما يبدو.

يا إخوة، أدعوكم إلى بعض الإنصاف وبعض الوسطية؛ ابتعدوا عن التعميم والتطرف في الآراء والأفكار. وإني لست بصدد دعوتنا أن نصاحب الشيعة، ولكن يا إخوة على الأقل نركز على عدونا المشترك، الصهيونية العالمية والرأسمالية الروثتشايلدية العالمية، ثم عندما نأمن على الأمة الإسلامية كلها، سنة وشيعة، من هذا الخطر وهذا العدو المشترك، وقتها نجلس مع قيادات الشيعة ونتحدث عن مشاكلنا واختلافاتنا! أو نعادي الشيعة حتى، إن شئتم وقتها! ولكن على الأقل نكون أمِنَّا على أمتنا الإسلامية كَكُل من عدونا المشترك.

ونعم، أعرف أن الكلام الموضوعي أحياناً لا جدوى منه مع [بعض] الناس، لأن الرد على هذا الكلام جاهز عندهم، خاصة من المتطرفين في البحوث المؤامراتية: الشيعة موالون للصهاينة! ولكني، ومع إيماني بوجود بعض المؤامرات بالفعل، لا أتطرف فِكرياً إلى الحد الذي يجعلني أردد اتهام شنيع مثل هذا ضد موحدين يؤمنون بالله ورسوله. هدانا الله جميعاً إلى الحق ورزقنا اتباعه.

هذه أمثلة التعليقات التي كتبها بعض المسلمين المؤيدين للمشروع الإسلامي، والمفترض أنهم أكثر عِلماً في الإسلام من الليبراليين والعالمانيين:

’ياسين انت عايش في كوكب تاني البوست بيحكي عن ناس اتقتلت من الروافض بسبب ان اسمهم عمر يبقى لو اتمكنوا من رقابنا هيعملوا فينا ايه .....اصمت يرحمك الله‘

خُد بالك من القناعة: قُتِلوا لأن اسمهم عُمَر! والله العظيم إني لأضحك على الكلام! أكاد لا أصدق أن سذاجة البعض وصلت إلى هذا المستوى! يعني لا وجود أصلاً عندهم لاحتمال أن هناك من فعل هذا فقط كي يضع بذرة وجود هذا التطرف في الشيعة، وأن من فعل هذا وخطط له من الأصل لا هو بشيعي ولا مسلم من الأصل! لا وجود عندهم لهذا الاحتمال على الإطلاق.

’ياسين دين الشيعه سب ام المومنين والصحابه وقتل المسلمين والاجزام بان ابي بكر وعمر وزوجات النبي في النار والشهاده عند الشيعه للدخول في دينهم ان يسب ويلعن الصحابه انت جاي تمثل علينا يا عم فوقوا بقي‘

وانظر إلى الفِكر واختيار الألفاظ: ’دين الشيعة سب‘...أصبح الدين نفسه، وهو ليس بشخص ولا يمكنه الكلام، بل الدين هو منظومة من الشعائر والإيمانيات والسياسات والقوانين والقواعد، أصبح الفِكر نفسه، الغير مشخصن، قادر على السب والشتيمة!

’ياياسين هما بياخدوا دينهم وعقيدتهم من الائمة بتوعهم مش من القران ,,وصعب جدا جدا وصول اى رجل دين عندهم لمكانة الامامة لازم يمر بأمور عديدة صعبة جدا وسب الصحابة وامهات المسلمين دى مش تطرف دى فى صلب عقيدتهم وكل الطقوس الشيعيه بيمارسها الشيعة كلهم باختلاف طبقاتهم المجتمعيه .يعنى لو مش عمل كدا يبقى كافر بالنسبة للمذهب الشيعى .الدين كله عندهم محرف ياياسين ,الازهر طلب من نجاد فى زيارته لمصر باصدار تشريع يحرم سب الصحابة وزوجات الرسول وهو رفض الطلب لانه اخلال بعقيدته الشيعية ومش مجرد تطرف او اختلاف فى وجهات النظر فى بعض امور الدين ددددددددددددى عقيدة عندهم .‘

لاحظ أيضاً عجب العجاب في التعليق أعلاه...عجب العجاب: أصبح المسلم، الذي يوحد الله ويؤمن برسول الله، لا يأخذ دينه من القرآن! ومش بعضهم، لا [كلهم]...كلهم كده! وصاحب التعليق يعرف يقيناً أن وصول الشيعي للإمامة لا يأتي بدخول الجامعات الإسلامية في بلاد الشيعة، وحفظ القرآن وتعلم الحديث، لا، بل يأتي بطقوس عديدة صعبة جداً (وكأنهم مجتمع سري ماسوني!)، وأحد هذه الطقوس بقه...يأمره أن يردد خلف الإمام الشيعي الأكبر بترنيمة سبّ الصحابة وآل البيت! فعلاً، كأننا نشاهد فيلماً عن المجتمعات السرية والماسونيين، وليس عن الشيعة! لا، وإيه، سبّ الصحابة...أصبح من [العقيدة]! العقيدة يا خلق هُوه، مش مثلاً جزء من السيرة النبوية واختلاف على بعض الأحداث التاريخية، لا، لا، ده جزء من العقيدة...يعني جزء من الإيمان بالله، وهوية الله، وصفات الله وكده...جزء من الكلام ده، سب الصحابة! لا حول ولا قوة إلا بالله. وكافر عندهم اللي ميشتمش الصحابة! الناس دي بتجيب القصص دي منين!!!!!!! نفسي أفهم! نفسي الناس دي تروح تزور إيران سياحة كده، تدخل مساجد هناك، وتتكلم مع الإيرانيين عربي أو إنجليزي، وتتعرف عليهم، وتشوف أفكار المواطن الشيعي العادي، وتروح الجامعات الإسلامية في إيران، ويتكلموا مع الأساتذة هناك، ويدخلوا كمان محاضرات باللغة العربية أو الإنجليزية عشان يسمعوا اللي بيتقال...ثم يرجعوا مصر، ويشوفوا كده لو لسه متأكدين إن الشيعة هم شياطين الإنس في الأرض!

عجبت لك يا مسلم! ثم عجبت لك يا إنسان. ولم أعجب للزمن، فإن الله هو الدهر، كما في الحديث الصحيح.

—ياسين رُكَّه

الجهل النقاشيّ في أمتنا

من مظاهر الجهل الشديد في النقاش والحوار في أمتنا هي استنتاج كلاماً على أمزجتنا، لم يقله الشخص الذي نحاوره. مثلاً، يقول الشخص أن نسبة الأمّيين في الريف المصري كذا وكذا، ثم يردد المذيع بعده ’يعني كل الفلاحين في مصر أميين؟ لا حول ولا قوة إلا بالله‘، وهو إما مذيع جاهل أو أنه يريد أن يضع كلاماً على لسان الضيف لم يقله الضيف؛ أو تجد الجرائد العربية في اليوم التالي منشورة بعنوان مثل ’المسئول الفلاني في الحكومة يفجر تصريحاً بأن الفلاحين أميين!‘ ومثال آخر نراه بكثرة في الإعلام والشارع عامة هو أن يقول الناقد ’هذا فِكر عَالَمَاني، ولا يمتّ أصلاً للأكاديمية بصلة‘، فيكون رد فعل الطرف الآخر على وتيرة ‘وتتهمني أني عَلَمَاني؟! سنترك لحضرتك الأكاديمية والعِلم في كل شيء!‘

شيء فعلاً مخزي؛ شيء يُرثى له ويقطر جهلاً. وبالمناسبة، عندما يقوم مشاهير الإعلام وتقوم الجرائد الكبيرة بمثل هذه الأفعال، فماذا تنتظر من المواطن البسيط الذي يناقشك أو يتحاور معك في قضية ما؟ ما هو وقتها، هذا المذيع المشهور وهذه الجريدة الكبيرة تعتبر بمثابة القدوة في نظر المواطن البسيط، وهو يقلدها! هذه هي الحقيقة. المواطنون البسطاء يبحثون عن أي مثال يقلدونه، لأنهم نشئوا على ذلك؛ بل وهذه هي الطبيعة البشرية الاجتماعية التي يقل جداً من يقاومها؛ إنها فطرة اجتماعية بحتة أن نبحث عن مثال أو قدوة نحتذي بها، كي نشعر بالانتماء والوحدة الروحية مع من حولنا. فإن لم نعرف تفاصيل كافية عن قدوة حقيقية مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا تظن أننا نفعل؟ إننا نبحث عن أي قدوة أو مثال آخر! فإن لم يجد المواطن مثالاً يُحتذى به في الحوار والنقاش وتفسير ما يقوله الطرف الآخر، فماذا سيفعل؟ بالتأكيد سيستخدم أول مثال أمامه في الحوار والنقاش؛ وما هو أول مثال في الحوار والنقاش يمكنك أن تجده في عالم اليوم؟ مذيع على شاشة التليفزيون يفسر ويعيد كلاماً ويناقش ضيفاً ما!

فعندما يكون أسلوب هذا المذيع بهذا الجهل والتخلّف أو بهذا الخبث والتزوير المخزي، فما الذي سيلتقطه المشاهد؟

ما ذكّرني بهذه القضية، بعد سيل من الفيديوهات—على يوتيوب—المنشورة بعناوين مبالِغة أو مُضَلِّلَة جداً ولا علاقة لها بمحتوى الفيديو خلال الشهور الأخيرة، هو فيديو يُنشر هذه الأيام عن استهزاء جمال عبد الناصر ومن حوله بالحجاب وبالثقافة الإسلامية التي تمنع الفن السافر؛ وبالرغم من أني أعي جيداً أن عبد الناصر كان يحارب شريعة الله، ويعذّب الإخوان المسلمين في المعتقلات، وساعد في استوطان إسرائيل بحركة في منتهى الدهاء وهي إرسال يهود مصر إلى إسرائيل تحت ستار إعلامي من ’طرد اليهود من مصر‘ (ويا له من دهاء سياسي إعلامي!)، إلا أن كل هذا لا يعني أن أبالغ أو أكذب في تصريح قام هو به.

كان هذا تعليقي على الفيديو:

عنوان الفيديو مضلل ويضع كلاماً على لسان عبد الناصر هو لم يقله، فللأسف لا أستطيع إعادة النشر، لأن هذا هو نفس أسلوب المعارضة وإعلام الكذب والدعارة السياسية الذي يضع كلاماً وهمياً على ألسنة الرئيس وساسة الأحزاب الإسلامية؛ فلماذا نقبل على خصومنا ما نرفضه على أنفسنا؟ لا لازدواجية المعايير، ونعم للخصومة الشريفة.

وهذا ليس دفاعاً عن عبد الناصر بالتأكيد؛ هذا الرجل كان محارباً لشريعة الله بما لا يدع مجالاً للشك، وعذب الكثير من الإخوان في المعتقلات؛ ولكن كل هذا لا يبرر أن نتبع نفس أسلوب خصومنا في وضع كلام على لسان الغير هو لم يقله. هذه ثقافة جاهلة كاذبة، أرجو من العرب نبذها وتركها، لأنها حقيقة تخلف ثقافي ومستوى متدني في الحوار، أعاني منه شخصياً مع الكثير من الناس ممن يستنتج كلاماً على مزاجه مما أقوله، ثم يقوّلني كلاماً لم أقله. الله يهدينا جميعاً.

—ياسين رُكَّه

الأربعاء، يناير 2

أنا لا أكذب، ولكني أتبوّل

’أنا لا أكذب، ولكني أتبوّل.‘—الإعلامي المصري حتى سنة ٢٠١٣

#إعلام_باع_ضميره #إعلاميون_كاذبون #إعلام #مصر #yaseenrocca

—ياسين رُكَّه

ملحوظة: أي استثنائات—وهي قليلة تكاد لا تُذكر—على الساحة الإعلامية حالياً لا يعتبروا إعلاميين في نظري، بل الأفضل لهم اليوم لقب ’نشطاء حَقّ‘…حتى اليوم الذي يتطهر فيه الإعلام، فيمكن لأي ناشط أو بَطَل حق أن يتشرف بانتسابه إلى الإعلام وقتها.

الأحد، ديسمبر 9

هل هي قسوة أم صراحة؟ دقة أم دراما؟

yaseen-rocca-banner-arabic-debate

بعض الناس بتقولِّي: ‘بالراحة شوية يا ياسين’.

أنا بأقول إننا كلنا أخدنا كفايتنا وزيادة من الراحة، وآن الأوان بقه ناخد شوية صراحة. شوية صدق. شوية حق. وشويتين شجاعة في الحق.

اللي عايز راحة، يدوّر عليها في حته تانية؛ أنا معنديش راحة، وإنما عندي صراحة.

عربي أفتخر بعرب الأمس، وأمتعض من دراما ومبالغات وانفعالات وتهويل عرب اليوم.  عرفت معنى الحمار الذي يحمل الأسفار في بعض الحاصلين على الدكتوراه ممن جادلتهم، وقابلت دود كتب أو قراء لا يجيدون إسقاط ما قرءوه على واقعهم، وتعلمت جواهر الحكمة من الإمام ومن اللئام. لا أبالي بالشكليات ولا الألقاب، ولا التقاليد البعيدة عن الإسلام، فأنا اسكندنافي كما أني عربيّ. حدثني بالمنطق السليم، والدليل القويم، والعلاقات المناسبة بين الأفكار، أو اسكت.

وبعض أصدقائي حتى يستشهدون بجزء من الآية الكريمة في القرآن: ’وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‘. معنى هذه الكلمات في التفسير الميسر كالآتي: ’ولو كنت سيِّئ الخُلق قاسي القلب‘. فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل الصراحة والصدق في الحق يعتبرا سوء خلق وقسوة قلب؟ ما علاقة القلب هنا أصلا عندما أصف مثلاً قول أحدهم بالكذب فأقول ’هذا كذب‘، أو أصف فعل أو موقف أحدهم بالمخزي فأقول ’هذا موقف مخزي‘؟ العرب قديماً كانوا هكذا؛ عندنا سجلات تاريخية نرى فيها أنهم كانوا يستخدمون تعبيراً مثل ’هذا كذب‘. فما الذي حدث لنا؟ لماذا أصبح فهمنا للغة بهذا الجهل والسذاجة والانفعالية والقفز إلى استنتاجات خيالية؟

إني أصف الكلمة أو الفعل أو الموقف، ولا أصف الشخص. ثم أذكر لماذا، بالمنطق أو الشاهد أو الدليل. كل هذا ليس له علاقة بسوء الخلق أو بقسوة القلب أو حتى بالقلب نفسه على الإطلاق، وإنما هي صراحة صافية من اللف والدوران عندما يكون الحق على الميزان، وتكون سمعة حزب أو أمة كاملة تحت فحص العيان.

ومع هذا، فأُشهِد الله أني أجتهد أن أكون دبلوماسياً مع الشخص الذي يستحق هذا الجهد. ولكن للأسف، معظم الناس هذه الأيام—خاصة العرب—انفعالية، تهويلية، مبالِغة، وينطبق عليها المصطلح الغربي ’دراما كوين‘ أو ملكة دراما. Drama queens

—ياسين رُكَّه

الأربعاء، يونيو 6

كلمات في المؤامرات والثورات والنظريات والجمعيات الثورية

ياسين رُكَّهلا يمكنني لا بالمنطق ولا بالشواهد التاريخية الموثقة الاقتناع بأن الربيع العربي كله حقيقةً كان تلقائياً وعشوائياً ومن قلوب الناس فقط، بدون أي مساعدة وتدبير من جهات خارجية. فأنا أؤمن بوجود مؤامرة لإمداد الثورة بالوقود الذي يجعلها تستمر وتتأرجح ما بين نجاح وتعثر؛ ليس فقط في مصر بل في الدول العربية الأخرى.

أؤمن بأن جمعية ٦ إبريل هي جمعية مشبوهة المرجعية والأصل والتمويل والتدريب بالفعل، ولكن لا أؤمن بأن لهم أي علاقة بالاغتيالات التي تمت في الثورة.

أؤمن بأن الاغتيالات التي تمت، وبالذات لشخصيات تأجج مشاعر الرأي العام إن قُتِلت، مثل الإمام عماد عفت رحمه الله، قام بها عملاء مخابراتيون محترفون بأسلحة كاتمة للصوت ومن مسافة قريبة، وقد تكون كاميرات مسلحة وليست مسدسات. من أراد أن يضحك على هذا على أساس أنه لا يرى هذه الأشياء سوى في الأفلام، وكأنه لا يحدث أي شيء من هذا في الواقع، فله مطلق الحرية؛ ولكن ما أعرفه هو أن الحقيقة عادة أغرب من الخيال، لأن الخيال يجب أن يكون مقنعاً ومنطقياً كي تصدقه...وبعضنا يدرك جيداً أن الحقيقة أحياناً تكون غير منطقية على الإطلاق ومربكة!

أؤمن بأن القناصة أيضاً عملاء أجانب، ولا علاقة لهم ب ٦ إبريل ولا أي جهة داخلية في مصر.

المشكلة هنا هي أن نجمع كل الاتهامات ضد جهة واحدة (مثل ٦ إبريل)  كي نسخر من الفكرة ونقنع أنفسنا بأن الجهة بريئة من أي تهم على الإطلاق، ولكن كل جهة ولها اختصاصها. فلا يمكن أن تكون الجهة المُحرِّضة هي نفسها الجهة القاتلة؛ هذه خلايا تعمل منفصلة تماماً عن بعضها البعض من أجل تحقيق أهداف موحّدة، وهم لا يدرون أن هناك آخرين يساعدونهم. والعقول المدبرة خلف الكواليس لا نسمع عنها أبداً.

والفرق بين الإخوان و٦ إبريل مثلاً هو أن الإخوان لم يحرضوا على الثورة، بل شاركوا فيها بكل ثقلهم من أول يوم لها استجابة لما رأوه من إقبال على المظاهرة الأولى في المواقع الاجتماعية. والفرق الأهم هو أن الإخوان موجودون منذ ٨٠ عاماً، فيمكننا تتبع تاريخهم والحكم على المعقول وغير المعقول. أما الجمعيات الثورية والاشتراكية الجديدة فلا نعلم عنها الكثير، ولا نعلم عن مؤسسيها أي شيء يذكر؛ بل إن ما نعلمه عن تدريبهم في الخارج صحيح وموثق، حتى وإن كان تدريبهم لا يشترط العمالة.

يجب علينا أن نعي أن عالم المؤامرات معقد جداً، وأن من ضمن أساليب المتآمرين في نشر سحابات دخان تخفي الحقائق هي نشر أكاذيب ومبالغات واتهامات كوميدية ضد جهات محددة، مما يشجع معظم الناس على تبرئة الجهة تماماً من أي تهم. إننا في عصر العجائب، والكذب الإعلامي يكاد يكون العادي. فلا تتسرعوا في الحكم على الجهات أو الأشياء، ولا الحكم ببراءة أو إدانة أي جهة. اجتهدوا في التدبر قبل الحكم، ولا تشيطنوا أي جهة، واعلموا أن بعض الجهات ينتهي بها الأمر كعملاء لجهات أجنبية مشبوهة وهم لا يدركون أصلاً أنهم عملاء. ما الغريب في هذا إذا كان الله يخبرنا في كتابه الكريم أن هناك من الناس من يظنون أنهم يحسنون صنعا؟

’قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴿١٠٣﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴿١٠٤﴾‘—سورة الكهف

—ياسين رُكَّه

الجمعة، مايو 25

عبد المنعم الشحات: قصة اختيارنا للدكتور أبو الفتوح

كتب الشيخ المهندس عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، والاستفتاء على التعديلات الدستورية، وظهور مدى تأثير الإسلاميين في الشارع... طُرح سؤال في أوساط الإسلاميين، وهو: هل تحتمل مصر رئيسًا إسلاميًّا أم لا؟

وكانت هناك أصوات كثيرة تنادي بأن يتم اختيار شخص مؤمن بمرجعية الشريعة الإسلامية، ولكن غير موسوم بأنه إسلامي أو على الأقل غير منتمٍ تنظيميًّا، وفي هذا السبيل عَقدت الدعوة السلفية مؤتمرًا تشاوريًّا ضمَّ أعضاء مجلس إدارتها، بالإضافة إلى رموز كثيرة مِن رموز التيار السلفي غير المنتمين لجماعة "الدعوة السلفية".

ولا نذيع سرًا إذا قلنا: إن أحد الدعاة البارزين المؤيدين للدكتور "محمد مرسي" الآن باعتباره المرشح الإسلامي الوحيد كان قد اقترح عدم تأييد أي مرشح مِن الإسلاميين الثلاثة في ذلك الوقت: "الشيخ حازم - الدكتور العوا - الدكتور أبو الفتوح"، واقترح بحث تأييد الدكتور "الأشعل" باعتباره مؤمنًا بالمرجعية الإسلامية، ولكن غير موصوف بأنه إسلامي، وطبعًا لا ننكر عليه تغيُّر اجتهاده، ولكن ننكر عليه أنه استبعد "أبو الفتوح" بوصفه إسلاميًّا مرة، ثم عاد فاستبعده بوصفه غير إسلامي مرة أخرى واصفًا الدكتور "محمد مرسي" بأنه المرشح الإسلامي الوحيد!

وقد انتهى ذلك المؤتمر إلى أن معظم الحاضرين يرون أن المرحلة لا بد فيها مِن رئيس إسلامي حتى لو أبقى على ما لا يستطيع تغييره من مخالفات؛ لأنه سيكون حريصًا على التوجه نحو تطبيق الشريعة، بخلاف ما لو تركناها لخصوم الشريعة الذين ربما اتجهوا إلى الضد.

وعلى الجانب الآخر كانت جماعة الإخوان قد أعلنت أنها لن تُقدِّم مرشحًا للرئاسة، ثم بدأ الترويج لفكرة الرئيس التوافقي العالماني، ونُسبت تصريحات عديدة لعدد من رموز الإخوان في هذا الصدد إلا إن التصريح الأبرز الذي يمكن التعويل عليه كان مِن نصيب فضيلة "المرشد" مع الإعلامي "وائل الإبراشي"، والذي ذكر فيه ثلاث عبارات حاسمة:

- لن نرشح مرشحًا إخوانيًّا.
- لن نرشح مرشحًا إسلاميًّا.
- لن نرشح مرشحًا ذي خلفية إسلامية!

وبعد هذه "اللاءات الثلاثة" لم يبقَ إلا مرشح توافقي عالماني! وهو ما شجع الدكتور "منصور حسن" إلى أن يتقدم للرئاسة زاعمًا أنه مدعوم مِن الإخوان، وفي مداخلة هاتفية للدكتور "غزلان": ذكر أن الجماعة لم تتخذ موقفًا بشأن "منصور حسن"، بينما قال: إن الجماعة اتخذت موقفًا نهائيًّا بعدم دعم الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح"!

وحينما صرح الدكتور "محمد البلتاجي" بأنه يرى أن الدكتور "أبو الفتوح" أفضل مرشح؛ سارعت الجماعة بالتأكيد على أن هذا موقف فردي منه.

وتمت اتصالات بيْن جماعة "الدعوة السلفية" وجماعة "الإخوان المسلمين"؛ لإقناعهم بأن أفضل الحلول أن ندعم سويًّا رئيسًا إسلاميًّا غير منتمٍ تنظيميًّا؛ ليكون أقرب إلى التوافقية، وتم إعادة تعريف مصطلح الرئيس التوافقي إلى "الرئيس التوافقي الإسلامي"، وفي ذلك الحين كان المرشحين الإسلاميين الثلاثة: "الشيخ حازم - الدكتور العوا - الدكتور أبو الفتوح"، وكانت هناك أمور تتعلق بالشيخ "حازم" أبرزها: جنسية والدته، ومِن ثَمَّ كان مِن المنطقي أن تتم المفاضلة بيْن المرشحين الآخرين إلا أن الإخوان طلبوا مهلة؛ لإقناع أحد مِن الرموز الأخرى التي تؤمن بالمرجعية الإسلامية، ويكون لها قبول أعلى لدى الإخوان؛ ولأن توحد الإسلاميين خلف مرشح واحد كان من الأهمية بمكان فقد تركنا لهم الفرصة؛ فحاولوا مع المستشار "طارق البشري"، والمستشار "حسام الغرياني".

وفي هذه الأثناء قام بعض أعضاء "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" بزيارة مكتب الإرشاد، وطلبوا منهم ترشيح المهندس "خيرت الشاطر"، وكان تعليق المهندس "خيرت الشاطر" نفسه آنذاك: أن مبررات عدم ترشيح أي مرشح من الإخوان ما زالت قائمة، ومِن ثَمَّ كان رأيه الشخصي رفض هذه الفكرة حتى قيل: إنه صوت ضدها في اجتماع مجلس شورى الإخوان، والذي أخذ القرار "بأغلبية ٥٦ عضوًا ورفض ٥٢ عضوًا".

ورغم خطورة الدفع بمرشح إسلامي منتمٍ تنظيميًّا إلا أننا لاعتبارات تتعلق بشخصية المهندس "خيرت"، وارتباط مشروع النهضة باسمه، ولتاريخه النضالي، ولروحه الانفتاحية على المجتمع ككل -وعلى الحركة الإسلامية بوجه خاص التي بدت لنا آنذاك-؛ وجدنا أنه من الممكن لنقاط القوة هذه أن تعادل وتَجْبُر الخوف العام والخاص مِن وجود رئيس له انتماء تنظيمي؛ لا سيما لتنظيم شديد العمق التنظيمي كجماعة الإخوان المسلمين.

وعندما زار وفد من "الدعوة السلفية" مكوَّن مِن: "الشيخ سعيد عبد العظيم - والشيخ ياسر برهامي - وعبد المنعم الشحات" مكتب الإرشاد كان الغرض مِن الزيارة: الدعوة لمبادرة الدعوة السلفية للوصول إلى مرشح إسلامي واحد، ولما جاء ذكر المهندس "خيرت الشاطر" قلنا: إننا نتوقع إن ترشح أن يحصل على أعلى الأصوات من مجلس شورى الدعوة السلفية، كما نتوقع أن يحصل على تأييد معظم التيارات الإسلامية في تلك المبادرة.

وعندما رددت وسائل الإعلام أن جماعة الإخوان تتجه لترشيح مرشح آخر أرسلنا لهم رسالة فيها نصيحة بعدم تقديم مرشح، إلا أنهم في النهاية رشحوا المهندس "خيرت الشاطر"، وبالفعل تم طرحه على مجلس شورى الدعوة السلفية في لقاء لم ينته بتصويت؛ لأن باب الترشح لم يكن قد أغلق، وإن كان اللقاء قد شهد مناقشات ساخنة بين مؤيد ومعارض.

وبعد تقدُّم المهندس "خيرت الشاطر" بأوراقه تم الطعن عليه، ولم تتكلم الجماعة عن مرشح احتياطي حتى آخر يوم في الترشح، وأشيع أنه سوف يتم إقصاء كل الإسلاميين الذين كانوا أربعة آنذاك: "الشيخ حازم - المهندس خيرت - الدكتور أبو الفتوح - الدكتور العوا"، وكرد فعل لهذه الشائعة تقدم الدكتور "عبد الله الأشعل"، والدكتور "محمد مرسي"، وكاد الدكتور "صفوت حجازي" أن يترشح، وكنا نظن أن هذا يعني أنه لو استمر واحد من الأربعة الأساسيين سوف ينسحب مَن ترشح في آخر الأمر؛ إلا أن جماعة الإخوان المسلمين فاجأت الجميع بإعلان أن لها مرشحَيْن، وأنها سوف تستمر بالدكتور "محمد مرسي" إذا استُبعِد المهندس "خيرت الشاطر"!

وقد ذكَّرناهم بالمخاوف التي كانوا هم أول مَن نادى بها إلى حد قولهم بأنهم لا يريدون مرشحًا ذي خلفية إسلامية، وبيَّنا لهم الفرق بيْن المهندس "خيرت" الذي له مِن المزايا ما يمكن أن يوازن هذا التخوف وبيْن غيره مِن المرشحين.

وفي ظل إصرار الإخوان على موقفهم "الجديد" رأت القوى والأحزاب الإسلامية الأساسية: "الدعوة السلفية - حزب النور - الجماعة الإسلامية - حزب البناء والتنمية - حزب الوسط" الحفاظ على النظرة الموضوعية التي تنادي برئيس إسلامي غير منتمٍ تنظيميًّا، ويكون قادرًا على إحداث اصطفاف وطني، في حين غلب على رموز بعض الجهات التنسيقية: كالهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح نظرية: "أن الإخوان هم رجال المرحلة" أو نظرية: "عدم شق الصف"، مع أن الأُولى غير مسلَّم بها، والثانية معكوسة إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ وظروف ترشح كل مِن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور "محمد مرسي".

وإذا كان الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح" أسبق ترشحًا كما أن عدم انتمائه التنظيمي مزية كبيرة -كان الإخوان أنفسهم يسعون إليها عندما حاولوا مع المستشار البشري، والمستشار الغرياني، رغم أن المزية موجودة في "أبو الفتوح"- إلا أن جماعة الإخوان قيادة وقاعدة يرون أن الدكتور "أبو الفتوح" خرج على رأي مجلس شورى الجماعة، وبالتالي لا يستحق أن تدعمه الجماعة، بل ربما تعجب بعضهم مِن آلية الشورى في الدعوة السلفية، وفي الجماعة الإسلامية التي تفرز قرارًا بتأييد شخص خرج عن شورى الجماعة.

وفي واقع الأمر إذا استصحبنا أن جماعات الدعوة إلى الله جماعات مِن المسلمين و"ليست جماعة المسلمين"، وأن الانتماء إلى أي منها انتماء رضائي قائم على قناعة الشخص بأهداف ووسائل الجماعة؛ فإن الشخص الذي يخالف جماعة الدعوة التي اختار العمل مِن خلالها لا سيما إذا كثرت القضايا أو كانت في أمر جلل فلا يسعه إلا التزام الشورى أو الاستقالة من الجماعة، وقد اختار الدكتور "أبو الفتوح" الطريق الثاني واستقال، وظل يتكلم عن الجماعة بكل ود واحترام؛ رغم أن منهم مَن شبهه بـ"عبد الناصر"! ومنهم مَن اتهمه بأنه سوف يمنع الحجاب، والصلاة في المساجد! ورغم تبرؤ الجماعة مِن هذه التصريحات إلا أن هذا القدر غير كافٍ، وكان ينبغي اتخاذ إجراء تأديبي في حق قائلها على الأقل.

فنحن لا نوافق جماعة الإخوان على اعتبار أن الدكتور "أبو الفتوح" قد خالف الشورى؛ لأنه استقال من الجماعة، ويبقى أن بعض رموز الإخوان: كالدكتور "الزعفراني" ترك الجماعة؛ احتجاجًا على انتخابات مكتب الإرشاد 2009، والتي خرج فيها "أبو الفتوح" من مكتب الإرشاد، في حين بقي في الجماعة كعضو مجلس شورى؛ مما يدل على نبل أخلاقه، وسعة صدره.

ثم لو افترضنا أن الدكتور "أبو الفتوح" قد أخطأ خطأ يستوجب التأديب؛ فهل يرقى ذلك الخطأ إلى منع الأمة مِن الاستفادة مِن قدراته الإدارية، والاصطفاف الوطني الذي حدث خلفه مما نحن في أمس حاجة له الآن؟!

إن الحساسية البالغة من الجماعة ضد مَن يستقيل منها -وإن استقال بكل أدب ولطف- يخالف ما عرف عن الإمام "البنا" -رحمه الله- مِن سعة الصدر مع المخالفين، ومنهم: المنشقين عن الجماعة -إن صح التعبير-، وقد ذكَّرتهم في مقالة سابقة بموقف الأستاذ "البنا" مِن جماعة "شباب محمد" الذين انشقوا عنه، فما كان منه إلا إن كان أول المتبرعين لهم، وليس هذا بموقف انفرد به الأستاذ "البنا"، وإنما كان يحاكي ما صنعه معه أستاذته: "محمد رشيد رضا" و"محب الدين الخطيب"، وأقرانه الكبار: كـ"محمد حامد الفقي" مؤسس جمعية أنصار السنة، وكل هؤلاء قد دعموا "البنا" في إنشاء جمعيته رغم وجود جمعياتهم ومؤسساتهم الدعوية؛ لمَّا وجدوا في أفكار "البنا" مِن إثراء لواقع الحركة الإسلامية آنذاك -ولعلنا نعود إلى تفصيل تلك النقطة في مقالة لاحقة إن شاء الله.

غير أن المهم هنا طالما استقر الأمر على بقاء كل مِن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور "مرسي" في السباق أن نوازن بينهما -وكلاهما فاضل-، فنقول بعد تقرير أسبقية "أبو الفتوح" وعدم انتمائه التنظيمي -وكلاهما ميزة هامة-: إن هناك بعض القواسم المشتركة بيْن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور "محمد مرسي"، منها:

- أن كلاً منهما ابن للحركة الإسلامية وإن رجحت كفة الدكتور "أبو الفتوح" في هذا الجانب أكثر حيث كان مِن مؤسسي الجماعة الإسلامية في السبعينات، ثم كان مِن الفريق الذي انضم إلى الإخوان مِن هذه الجماعة، ثم كان عضو مكتب الإرشاد، وقائدًا بارزًا مِن 1994 حتى 2009، بينما لم ينضم الدكتور "محمد مرسي" إلى الجماعة الإسلامية، ولا إلى الإخوان وهو طالب، ولكن انضم إليها بعد سفره إلى أمريكا لدراسة الدكتوراه.

- ومنها: أن كلاً منهما ينتمي إلى المدرسة التي تبنت جماعة الإخوان المسلمين آرائها الفقهية منذ بداية الثمانينيات على الأقل، وهي مدرسة مِن رموزها: الدكتور "القرضاوي"، والشيخ "الغزالي"، والدكتور "العوا"، وهي مدرسة لها آراء لا توافق عليها المدرسة السلفية، ومِن ثَمَّ فقد أعلنا بوضوح أننا مع تأييدنا للدكتور "أبو الفتوح" إلا أننا نأخذ عليه هذه الأقوال، ومما يهوِّن مِن الخلاف فيها في هذه المرحلة أننا متفقون على البدء بالممكن، وهو متفق عليه تقريبًا بيننا، ولكن جماعة الإخوان تقع في تناقض كبير عندما تستضيف بعض الدعاة السلفيين؛ ليردوا على الدكتور "أبو الفتوح" بمعايير سلفية في قضايا يقول مرشحهم فيها بعين أقوال "أبو الفتوح"؛ لا سيما مسألة: ولاية الكافر، والمرأة، ومسألة: حد الردة!

- ومنها: أن كلاً منهما إذا أصبح رئيسًا فستكون له صلاحيات دستورية محدودة فلن يستطيع تطبيق الشريعة إلا كنظام عام، مع الاعتماد في التطبيق الشامل المتدرج على البرلمان والأزهر.

ولكن مِن جهة أخرى: فإن الدكتور "أبو الفتوح" يتميز بعدة أمور "غاية في الأهمية"، مثل: أن وراءه فريقًا كبيرًا مِن المستشارين البارزين في تخصصاتهم، ولن يعمل بمفرده، ومن أوجه التميُّز البارزة في هذا الفريق: تنوعه الواسع وانتماؤه إلى تعدد طيفي يشمل سائر توجهات المجتمع المصري، حتى إن أستاذة علوم سياسية يسارية: كـ"رباب المهدي" انضمت إلى فريق عمله شهادة منها بأن التيار الإسلامي أقدر على تحقيق العدالة الاجتماعية مِن التيار اليساري نفسه، وعندما لمز بعض مناصري الدكتور "مرسي" الدكتور "أبو الفتوح" لتعاون د. "رباب" معه؛ رد عليه الدكتور "محمد البلتاجي" بأنه تعامل معها في الثورة، بل وفي مليونية "٢٩ - ٧" بصفته ممثلاً للإخوان -فجزاه الله خيرًا على هذا الإنصاف.

أما من الجانب السياسي: فيتميز الفريق الاستشاري بثقل ملحوظ حيث يضم على سبيل المثال: د. "سيف الدين عبد الفتاح" مؤسس مدرسة الفكر السياسي الإسلامي في جامعة الاقتصاد والعلوم السياسية، ود. "نادية مصطفى"، ود. "هبة رءوف"، ود. "هشام جعفر" مؤسس موقع "إسلام أون لاين"، وهي أسماء لها ثقلها؛ لا سيما في الجانب السياسي، وهو الأهم بالنسبة لمنصب الرئيس.

- وحتى وإن كان "مشروع النهضة" يبدو أقوى مِن الناحية الاقتصادية رغم عدم إعلان أسماء الخبراء العاملين فيه؛ فإنه على كل حال أليق بمنصب رئيس الوزراء الذي سيؤول إلى حزب "الحرية والعدالة" على كل حال.

وهذا كله بالإضافة إلى الخبرات الشخصية الواسعة التي يتميز بها الدكتور "أبو الفتوح" مِن خلال مواقعه القيادية العديدة السابقة بجماعة الإخوان ذاتها، بالإضافة إلى المواقع العديدة الأخرى التي شغلها: كمواقعه في نقابة الأطباء أو هيئة الإغاثة، أو اتحاد الأطباء العرب، وهذه الخبرات أقرب لمنصب الرئيس.

وبالإضافة إلى أوجه يتفرد بها الدكتور "أبو الفتوح" بصورة واضحة، منها:

١- ثقة جميع التيارات فيه أنه سوف يقف على مسافة واحدة من الجميع.
٢- قربه من تيار الشباب الذي صنع الثورة، وقدرته على إزالة مخاوفهم من المشروع الإسلامي.
٣- حرصه على تقنين أوضاع الحركة الإسلامية، وغيرها مِن الحركات... مما يجعل جميع الحركات على قدم المساواة القانونية، ويقي الحركة الإسلامية مِن أي تقلبات سياسية مستقبلة.
٤- قبوله لمناظرة "عمرو موسى" في حين اعتذر الدكتور "محمد مرسي"، ثم حسن إدارته لها جعله يبرز كرجل دولة مِن الطراز الأول.
٥- تصويت المصريين في الخارج الذي تراوح فيه في معظم البلدان بين الأول والثاني.

نعم قد تؤثر نتيجة المصريين في السعودية على الترتيب العام؛ إلا أنها مطعون عليها -حتى الآن-، كما أنها -إن صحت- لن تؤثر على قراءة المشهد في معظم الدول، وإنما ستدل على أن الماكينة الانتخابية الإخوانية في السعودية عملت بكفاءة -وهو أمر متوقع.

ولهذه الأسباب وغيرها... كان اختيار الأغلبية الساحقة للدكتور "أبو الفتوح" في مجلس "شورى الدعوة السلفية"، مع كامل تقديرنا لجميع المرشحِين الإسلاميين.

الشيخ المهندس عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية

الجمعة، أبريل 27

محاضرة عن الإسلام والعَالَمَانية

تقريباً كل ما يريد أي شخص أن يفهمه عن العَلَمَانية أو دعوة الدولة المدنية، على لسان الدكتور محمد إسماعيل المُقَدَّم.

كل شخص مسلم يسمع هذا الكلام كله، ثم يظل مصراً على الدعوة إلى دولة مدنية أو عَلَمَانية، بالمنطق يصبح محارباً للإسلام، وإن كان يصلي صلاة المسلمين ويصوم. ليس المقصود أنه يكفر، ولكنه بجهل وعناد يصبح محارباً للإسلام وداعياً إلى إضعافه وإذلاله. د. محمد إسماعيل المُقَدَّم دكتور بشري نفسي وفي نفس الوقت عالم دين، ويردد مصطلحات إنجليزية أثناء كلامه تدل على أنه مطلع على علوم الغربيين، ويتحدث بمنتهى الهدوء والموضوعية والعقلانية، فلا يمكن أن ينعته أي أحد بالجهل أو التخلف أو الرجعية. وقد تحدث باستفاضة عن مسألة العَلَمَانية والدولة المدنية، وشرح بالتفصيل لماذا يعادي الغربيون بشدة تدخل الدين في شئون الدولة والمجتمع، وكيف أن العرب تشربوا هذا الفكر والعداء بدون وعي عن حقيقة جذوره الغربية التي لا تمت بصلة لنا. ويشرح فكرة عدم وجود سلطة تنفيذية عالمية في الإسلام مثل الكنيسة الكاثولوكية في روما للمسيحية، لأن السلطة التنفيذية في الإسلام ليست في يد رجل دين نائب عن الله وإنما في يد الله بإقامة شرائع الله وتطبيقها بالقانون، وبالتالي العَلَمَانية تحرم المسلمين من أي مرجعية دينية ومن سلطة الله في حياتهم اليومية. ويذكر نقطة تأثير العَلَمَانية على فكر الشعوب نفسه، بإلهامهم بالتشبث بالدنيا والاهتمام بالدنيا أولاً وأخيراً، وهو الفكر الذي يورث الفقر في الأفراد والمجتمعات، ويمحو الدين من حياة الناس بمرور الأعوام. ولا أعتقد أن الإنسان العاقل يمكنه أن يظل مقتنعاً ببراءة العَلَمَانية من محاربة الإسلام حرباً صريحة بعد أن يسمع كلام الدكتور.

وكم أعجبني ما قام به الدكتور محمد إسماعيل المُقَدَّم من ردِّ الجميل للمتنطعين بمصطلح "تجار الدين"، فقال "'وتجار الشنطة الثقافية' اللي بيفرضوا علينا ثقافات بالإكراه عن طريق العولمة...معزولون عن الواقع." وفعلاً، كلما حاربوا تجار الشنطة الثقافية، ومن تبعهم من السذج، الهوية الإسلامية لمصر بشراسة أكثر، كلما قام الجسم أو الكيان الشعبي المسلم بمقاومتهم باستماتة أكثر خوفاً على دينهم من الضعف أو التهميش. فبصراحة، اللي عايز يفضل يطبّل للعَلَمَانية والمدنية والليبرالية والبتنجانية، ويسقّف لتجار الشنطة الثقافية، خلّيه، الأغلبية اللي اسمها المسلمين اللي فطرتهم لسّه سليمة حتحب دينها أكتر وتقاوم حربهم ضد الإسلام باستماته أكبر، قاتلهم الله وأخزاهم في الدنيا خزياً ينقذهم من خزي الآخرة. وهي دي حكمة الله في خلقه.

ويوجد فيديوهات أخرى على يوتيوب تثبت أن الشيخ الشعراوي والشيخ القرضاوي والإمام محمد الغزالي كلهم حذروا من خطر العَلَمَانية بمنتهى الوضوح والصراحة، بل إن الشيخ الشعراوي رحمه الله قال بالحرف أن العَلَمَانية "قلة أدب" (لأنها تجرؤ على الله نفسه) وعندما سُئِل عن العَلَمَاني الذي يقول أنه متمسك بدينه قال الشيخ الشعراوي بالحرف: "ده كذب كذب كذب! ولا تحصل. ده ضد الدين ألف مرة. يعمى ولا يشوفش واحد متدين." يمكنك سماع هذا الرد بأذنك في فيديو من الفيديوهات.

وفعلاً، هوه فيه واحد يبقى متمسك بدينه ويحارب دينه في نفس الوقت ويعمل على إضعافه والتقليل من شأنه؟

ولي بعض التعليقات على أشياء ذكرها الدكتور الإمام محمد إسماعيل المُقَدَّم، أطال الله عمره في كل خير:

البوذية لها جذور في التوحيد، وقد أثبت هذا الدكتور والداعية الإسلامي الهندي ذاكِر نايك، ولهذا فقد نقول أن البوذية قد يكون لها أصل سماوي ثم حرّفت، بدلاً من القول بأنها دين أرضي بحت اخترعه الإنسان.

وأرى أننا عندما نصر على أن نشير لدين الحق أو دين الفطرة بكلمة أو مصطلح "الإسلام"، فإننا نقصي—وقد ننفر—الكثير من غير المسلمين، بالذات ممن تم غسيل عقولهم بعلاقات سلبية مربوطة بكلمة الإسلام (مثل ربط الإرهاب بالإسلام)؛ ولهذا فإني أفضل أن أشير إلى دين الحق أو دين الفطرة بمسمّى الوحدانية الإبراهيمية السمحة، أو ببساطة دين "التوحيد"، وهذا لا يبخس من الإسلام في شيء لأننا كمسلمين نتفق أن الإسلام والتوحيد واحد، لأن الإسلام ما هو إلى الإصدار الأخير—إن صح التعبير—لدين الله الحق، أي التوحيد. وأيضاً أفَضِّل مصطلح أو مسمى التوحيد لأن هذا المصطلح عالمي شامل. فما هو الإسلام في جوهره، إن لم يكن دين الخضوع التوحيدي، أو دين الاستسلام التوحيدي لرب واحد وهو الله ولا أحد غير الله.
وإن قال قائل أن هناك خطورة من استبدال كلمة الإسلام بكلمة التوحيد لأن هذا قد يجعل البعض يظن أن اليهودية مثلاً تكفي حيث أنها دين توحيد، لقلت أني لا أقصد أن نمتنع تماماً عن ذكر كلمة الإسلام، وإنما أقصد أننا لا نخبطها هكذا في كلامنا اليوم بدون تقديم أو توضيح، ونحن اليوم في عالم القرية العالمية، وما تَخْطُب به باللغة العربية في أصغر قرية ريفية مصرية قد يُسجل بكاميرا هاتف محمول ثم يُرفع على يوتيوب ويترجم للإنجليزية ليسمعه الأمريكي في نيويورك والاسكندنافي في ستوكهولم في اليوم التالي. فمثلاً قد نقول أن دين الحق أو دين الفطرة هو التوحيد، أو الوحدانية الإبراهيمية الفطرية، وفكرته الرئيسية هي الخضوع والاستسلام لرب واحد لا إله غيره وهو الله، ومن فكرة الاستسلام لله تأتي كلمة الإسلام، ونحن نعتبر الإسلام آخر إصدار للبشرية من رسالة التوحيد، وهي رسالة الله لبني البشر على مر العصور. بهذه الطريقة نكون قد شرحنا مقصدنا من استخدام كلمة الإسلام، بدلاً من استخدامها كمسمى يعطي إيحاء لغير المسلمين بأنها دين مختلف عن الرسالة الإبراهيمية التوحيدية السمحة.

الأربعاء، يناير 12

هل مصر فعلاً صاحبة فضل علي البلاد العربية؟

منقول: بقلم إبراهيم عيسى

تلك الحقيقة التي تريد ألا تعرفها أبدًا 

أولا: هل مصر فعلاً صاحبة فضل علي البلاد العربية؟ 

هذا السؤال قد يبدو ساذجا ومستفزا، هل مصر فعلا صاحبة فضل علي البلاد العربية أو بالأحري علي الشعوب العربية؟ حيث يبدو أن هناك إجماعا عاما واسعا ومسلما به بين المصريين علي هذا الأمر باعتباره حقيقة لا تقبل النقاش وأن الشيء الوحيد المسموح به (وعلي استحياء هذه الأيام) هو لوم وتقريع خفيف لزوم العشم بألا نعاير العرب بذلك، أي أن حقيقة أننا أصحاب فضل مفروغ منها والجدل (الخافت والمستحي) هو حول شرعية المعايرة وليس علي ثبوت وإثبات تلك الحقيقة، الأمر الذي يستوجب فعلا مصارحة بيننا تستلزم أن نفتح عقولنا ونسأل أنفسنا عن أشياء باتت موضع البدهيات بينما هي في الأصل موضع شبهات أو بأكبر قدر ممكن من المجاملة مشتبهات! 

مبدئيا فإن شعبا يلوك في فمه كلاما من نوع: «ده إحنا فضلنا علي الكل، أو هؤلاء نسيوا فضل مصر، ده إحنا اللي عملناكم وإحنا اللي حررناكم»، وهذا اللغو المسكين يعبر عن استجداء المصريين للآخرين أكثر منه معايرة، وكأننا نقول لهم والنبي قولوا إننا كويسين، وحياتكم كلموني عن جمالي وروعتي، شيء ما في إلحاح المصريين علي طلب اعتراف الآخرين بفضل مصر يشبه تلك المرأة العجوز المسنة التي تريد ممن حولها أن يتذكروا كم كانت جميلة؟ وكم يطربها أن يتحدث الآخرون عن جمالها، بينما صورتها في المرآة حاليا كاشفة لتجاعيد تملأها قهرت جمالها السابق وتحيله الآن قبحا! 

المصريون الآن أشبه بأحفاد رجل أصيل الأصل وغني المال وعظيم الأخلاق وواسع الثروة مات فبدد أبناؤه وأحفاده قصوره ومصانعه ومزارعه وثروته وقعدوا كحيانين علي الرصيف لا يملكون ما يقولونه وما يفعلونه سوي الحديث عن مجد جدهم دون أن ينتبهوا أنه مات وأنهم ضيعوا ثروته ومرمغوا سمعته وحلاً! 

لاحظ أنني حتي هذه الفقرة أساير وأسير مع الذين يقولون إن لمصر فضلا وأناقش الطريقة لا الحقيقة، الطريقة التي تعبر عن ناس لا يعرفون الفضل والفضائل لكن يثرثرون عنه طول الوقت فصاحب الفضل إن كان فضلا وإن كان صاحبه يفقد قيمته وقيمه حين يتباهي به ويتنابز حوله ويرتكب حين يردد هذا اللغو، فعلا غير أخلاقي، فمن هو الإنسان المحترم الذي يفعل فعلا نبيلا شريفا ثم يعاير الناس به ثم أيضا يطلب مقابل هذا الفعل بل يريد أن يكون الناس أسري أو عبيدا لفضله وكأنه خسيس فعل شيئا قيما في حياته نادرا واستثنائيا وما صدق أنه فعله فأخذ يعاير الناس به ويطلب مقايضة أمامه حتي كره الناس فضله وكان يوم أسود بستين نيلة يوم ما قبلت تسلفني يا أخي!

بينما نقول عن الشخص الذي ينسي الفضل إنه ندل، فإننا نصف الشخص الذي يطلب مقابل فضله وكأنه ماسك ذلة بذات الصفة...الندالة.

المذهل هنا أن أجيال المصريين الحالية ومنذ أربعين عاما تحديدا هي أكثر أجيال تخلت وولت وخلعت وفرت واستندلت مع العرب ومع ذلك فهم -وليس أجدادهم وآباءهم -الذين يطالبون الآخرين بسداد قيمة الفضل (إن وجد)، وهم هنا يسيئون ويهينون ذكري أجدادهم كما يعرون مادية وانتهازية تفكيره! 

لكن دعنا من هذا كله رغم أهميته، وتعال لنسأل السؤال الجاد الناشف الجاف: هل نحن فعلا أصحاب فضل علي العرب؟ 

أولا مكرر: هل نحن فعلا أصحاب فضل علي العرب؟

في علم السياسة وعلاقاتها كلمة فضل كلمة غريبة ومهجورة ليس لها أي محل ولا مجال ولا مكان لها في العلاقات بين الشعوب وبين الدول، والحديث عن الفضل خساسة مضحكة ومثيرة للشفقة فلم نسمع يوما من الأمريكان أنهم أصحاب فضل علي أوروبا وبالتحديد علي ألمانيا مثلا حيث خرجت برلين مهزومة ومنسحقة ومفلسة من الحرب العالمية الثانية فتولت أمريكا في مشروعها الشهير مشروع مارشال إعادة بناء الاقتصاد الألماني عبر حجم هائل من المنح والقروض ساهم المشروع مع علم وعمل ووعي وعقل الألمان في نهضة هذا الشعب وتجديد هذه الدولة لتصبح واحدة من الدول الثماني العظمي في الكرة الأرضية، فهل تطاول أمريكي وقال يوما لمستشار (رئيس) ألمانيا أو للصحف الألمانية: تذكروا فضل أمريكا عليكم يا عرر يا جرابيع يا نازيين؟

لن أطيل عليكم في سرد تجارب دولية كبري في مساندة الشعوب الصديقة والجارة والتي تربطها مصالح مشتركة عميقة ومهمة وأهداف واحدة وثقافة تكاد تكون موحدة، لكن المحصلة أنه لا أحد في العالم يقول هذا الكلام الفارغ بتاع الفضل وكلام الناس العاجزة الخايبة.

ثم في مجال الأخلاق السياسية والسياسة الأخلاقية كلام مثل هذا معيب وجارح للطرفين، فالذي يقول إنه صاحب فضل كأنما هو تاجر البندقية شيلوك اليهودي الذي يريد أن يقتطع لحم الناس المدينين له كي يوفوا بسداد ديونهم كما أنه أمر يثير عدوانية الطرف الذي نال الفضل (لاحظ مازلت ماشي معاك في أننا أصحاب فضل وهذا غير صحيح بالمرة وتماما) فأنت عندما تعاير شخصا وتضغط عليه فأنت في الحقيقة تبتزه ابتزازا رخيصا كي يكون تابعا أو خادما أو مكسورا أمامك وهو ما ينقلب إلي عكس ما تطلبه وضد ما ترجوه فللصبر حدود وللطاقة احتمال محدد!

لكننا فعلا لسنا أصحاب فضل علي العرب.

أعرف أنك لن تستطيع معي صبرا لكنك لو صبرت لاستطعت! 

ثانيا : إذا كان لأحد فضل علي العرب فهي ليست مصر بل جمال عبدالناصر! 

نعم الجملة شديدة الوضوح، إذا كان لأحد فضل علي العرب فهي ليست مصر بل جمال عبدالناصر، ما نتحدث عنه باعتباره عطاء مصريا عظيما وبلاحدود للعرب وللدول العربية أمر يخص مصر جمال عبدالناصر ولا دخل بمليم فيه لمصر أنور السادات وطبعا مصر حسني مبارك، وإلا قل لي وحياة أبيك ماذا قدمت مصر للعرب منذ تولي الرئيس مبارك حكم مصر؟ 

ما فضل مصر علي العرب؟ 

ما فضل مصر علي ليبيا مثلا؟ حتي يتذكر الشعب الليبي فضل مصر فتنهال دموعهم وتنسال أنهارا من فيض الفضل المصري؟ ربما تكون العلاقات التجارية التي مارستها مصر مبارك مع ليبيا خلال الحصار الدولي عليها موضع تذكير وفخر من حفنة تعرف بذلك في دوائر السياسة الحاكمة، لكن الحقيقة هذه العلاقات أفادت مصر أكثر من ليبيا ثم إن ليبيا كانت تقيم ذات العلاقات سرية وتحتية مع شركات ودول أخري في تبادل فوائد مشتركة فهو أمر لا يخص مصر مبارك بميزة ولا يقدم لمصر فضلا.

طيب ما فضل مصر علي الشعب السوداني؟ ممكن تحكي لي شوية عما فعلناه للسودان مثلا، ولا أي حاجة، حكومة وشعبا، بل نسينا السودان ونتغافل عن مشاكله ولا نتعامل مع همومه ولا حتي نستفيد من خيراته وفرص استثماراته؟ 

حد فيكم فاكر أي فضل لمصر علي السودان منذ استقلال السودان، بلاش منذ استقلاله، بل منذ 28عاما هي حكم الرئيس مبارك، ألا تتذكرون معي أننا كنا مقاطعينه أصلا بعد انقلاب البشير ومنذ محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا وكانت هناك فجوة كبيرة وجفوة أكبر، وقبلها كانت خناقات للدجي مع حسن الترابي (وكذا المهدي وحزب الأمة أيضا) وكنا ننتصر لجعفر النميري ديكتاتور السودان حتي تخلصت منه ثورة سودانية شعبية، هل فعلا عملنا أي شيء كي يدين لنا سوداني واحد بإيقاف مذبحة دارفور، أو منع انفصال الجنوب (ربما ساهمنا بتكريس انفصاله!) هل رحبنا باللاجئين السودانيين كما يجب علينا مع اللاجئين ومع السودانيين؟ هل نشطنا تجارة واستثمارا مع السودان كما فعلت الصين وتكاد تكون المستثمر رقم واحد في السودان؟ هل انتهينا إلي حل محترم يصون حقوق البلدين في خلافنا حول شلاتين وحلايب (ألم تسمع أن حكومة الخرطوم تعاملت مع حلايب باعتبارها دائرة انتخابية سودانية!)

حد يقول لي أي حاجة في فضلنا علي العراق؟ 

وماذا فعلنا للجزائر ومع الجزائريين منذ أربعين عاما؟

وما فضل حضرة أي واحد فينا علي تونس مثلا وقد كنا نخاصم الحبيب بورقيبة منذ أيام عبدالناصر ثم لا نتذكر عن علاقاتنا مع تونس سوي مباريات كرة القدم ذات الخيبة! وأن الفرق التونسية كانت تمثل حتي حين عقدة للفرق المصرية!

أما المغرب فمش عايز أسمع ولا كلمة عنا معها فقد انتهي وجودنا فيها بعد رحيل عبدالحليم حافظ وحفلاته وأغنياته للملك محمد الخامس! 

بينما موريتانيا أنا أتحدي أي مصري يقول لي اسم رئيسها الحالي؟ أو عدد سكانها؟ أو اسم جورنال واحد فيها؟ بل أظن أن معظم المصريين لا يعرفون أن موريتانيا تتحدث اللغة العربية!

ندخل بقي علي المشرق العربي.

كلموني شوية عن فضلنا علي لبنان...الحقيقة لبنان ذات فضل متبادل يخص نانسي عجرم وهيفاء وهبي وإليسا وأفلامنا السينمائية التي صورناها في بيروت بعد النكسة وكان القلع والخلع فيها فوق الركب، ثم تفرجت مصر علي الحرب الأهلية في لبنان خمسة عشر عاما ولا حيلة لنا إلا جملة ارفعوا أيديكم عن لبنان بينما لم تكن لنا فيها يد، وحتي الآن فإن حكومتنا تتعامل مع نصف لبنان باعتباره خصما لها (حزب الله وحركة أمل وتيار ميشيل عون وقلبنا مؤخرا علي وليد جنبلاط فلبنان بالنسبة لحكمنا الرشيد هي سعد الحريري وسمير جعجع!).

أما فضلنا علي سوريا فبلا حدود طبعا فيكفي أن مالناش دعوة بيها منذ 1973 تقريباً، ورغم محاولات فنانين مصريين أنصاف موهوبين وأنصاف مثقفين طرد ممثليها من حياتنا المصرية، إذا بنجوم سوريا يسطعون في مصر.

وهذه فرصة لطيفة جدا للكلام الفارغ الآخر الخاص بموضوع أن مصر تفتح ذراعيها للفنانين العرب وكأن هذه منة أو منحة، لكن الحقيقة أن مصر بلا فنانين عرب لا تملك أن تقول عن نفسها ولا كلمة من عينة هوليوود الشرق والذي منه، ثم هوليوود الأصل يا بتوع الأصول هي التي تفتح ذراعيها لكل فنان ولأي فنان من أي مكان في العالم وهذا شرط التميز وأس النجاح.

ثم إذا كان فتح مصر ذراعيها للفنانين العرب فضلا فأرجو أن يكون واضحا لدي كل أعضاء نقابة المهن التمثيلية الذين يبدو أنهم في حاجة ماسة إلي دورات تثقيفية في التاريخ فالذي أدخل المسرح إلي مصر يا بهوات يا بتوع الفن هم السوريون والشوام، هم الذين علمونا يعني إيه مسرح وهم الذين بنوا المسرح المصري وخلقوه علي شكله المعاصر من عدم، ثم الشوام والفنانون العرب يا نجوم مقصورة استاد المريخ في الخرطوم هم الذين أسسوا فن السينما في مصر وأنتجوا وأخرجوا ومثلوا أفلامنا الأولي الرائدة واقرأوا تاريخكم الفني لتعرفوا وتفهموا فضل العرب والشوام علي كل فنان مصري! 

وبالمرة بقي طالما جئت إلي الذي يوجع فإن الصحافة المصرية هي صحافة صنعها شوام العرب من سوريين ولبنانيين وهم رواد فن الصحافة المصرية الأوائل بل هم مؤسسوها وأصحابها من أول الأهرام والمصور والهلال والمقطم ودار المعارف، حتي روزاليوسف، إلخ إلخ! 

ثم ما فضل مصر علي السعودية؟ وعلي الخليج العربي؟ (لم يأت دور فلسطين حتي الآن فصبرا جميلا والله المستعان).

آه، هنا ستسمع كلاما حقيقيًا عن دور المدرسين المصريين والأطباء والمهندسين وغيرهم الذين ساهموا في تعمير وإعمار وتعليم وتطبيب أهل السعودية والخليج. هذا صحيح لكنه ليس فضلا. هذا عمل ولا أقول واجباً.

بذمتك ودينك هل سافر مئات الآلاف من المدرسين والأطباء للسعودية والخليج حبا في أهل هذه البلاد أو رغبة في خدمة الإنسانية أو كرما أو عشقا لسواد عيون المواطن العربي في الخليج (أو في ليبيا والجزائر حيث سافر المصريون ليعملوا هناك)؟

يا أخي عيب، لايزال السفر لهذه الدول حلما لدي كل شاب مصري كي يكون نفسه ويعمل قرشين ويتزوج أو يبني بيتا، ومحدش يقولي إحنا اللي علمناهم! 

فالحقيقة أنهم يتعلمون الآن في أوروبا وأمريكا ولم نسمع عن أن أوروبا وأمريكا تعايرهم. ثم إذا كنا علمناهم فأنا، وعلي مسئوليتي الشخصية، أزعم أن نصف بيوت أقاليم مصر، إن لم يكن أكثر من نصفها كثيرا، تم بناؤه بفلوس مصريين يعملون في الخليج والسعودية. يعني بنوا بيوتنا وصرفوا علي أهالينا مقابل ما تعلموه أو اتعالجوا بيه؛ كان عملا ولم يكن فضلا ولا حتي رسالة! وكان حلم أي مدرس فيكي يا مصر أن يأتي اسمه في كشوف الإعارة للدول العربية. هل بسبب أنه سيذهب لرسالة العلم ونشر الثقافة ورفع راية التنوير؟ أبداً، ولكن بسبب أنه سيقدر علي بناء البيت أو تزويج البنات وتجهيزهن أو توفير مبلغ للزمن أو غير ذلك من مقتضيات ضرورات الحياة.

طبعاً لم أذكر اليمن حتي الآن متسائلا عن فضلنا عليها، خصوصا إنه كل شوية يفكرك واحد من إياهم إننا حاربنا لأجل اليمن، بينما نحن حاربنا كذلك لأجل الكويت، وهذا ما يقودنا مرة أخري إلي فضل جمال عبدالناصر.

فالمؤكد أن العمل العربي الوحيد المشترك الذي فعلته مصر لأجل شعب عربي منذ 28 عاما كان مشاركة قواتها في حرب تحرير الكويت عام 1991، لكن دعني أذكرك أن هذه المشاركة كانت تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية! ثم كان إسقاط ديون مصر الخارجية تاليا لهذه المشاركة (لا أقول ثمنا وقد تقول، ولا أقول مقابلاً وقد تقول، وإذا قلت أنت ذلك لن أجادلك).

لعلنا في السياق نفسه نتذكر أن مصر أمدت العراق بسلاح في حرب صدام مع إيران وبموافقة ورعاية أمريكية ثم بمقابل مالي ضخم وليس حبا في العروبة (ربما كرها في إيران)، وساعدنا زعيما عربيا مجنونا ومستبدا هو صدام حسين علي تبديد ثروة شعبه وقتل الملايين من أبناء وطنه في حرب بلا طائل وبلا هدف إلا خدمة الأمريكان والصهاينة! 

الحقيقة أنه من 28 سبتمبر 1970، ليلة وفاة جمال عبدالناصر، فإن الشعب المصري ليس له أن يفتح عينه أمام أي شعب عربي ليقول له إنني منحتك أو أعطيتك أو تفضلت عليك خلال أربعين عاما. ومع ذلك فإن مصر جمال عبدالناصر لم تكن هي أيضا صاحبة فضل علي العرب! 

ثالثا: ومع ذلك فإن مصر جمال عبدالناصر لم تكن هي أيضا صاحبة فضل علي العرب! 

جمال عبدالناصر كان زعيما مؤمنا بالعروبة وحالما بالوحدة بين الدول (الشعوب) العربية، هذا صحيح، لكنه ساند ودعم حركات التحرر العربية ضد الاحتلال، والثوار العرب ضد الحكومات التابعة للغرب، إدراكا منه حقيقيا وعميقا وبعيد النظر للمصلحة المصرية التي هي مع المصلحة العربية في موضع التوأم الملتصق (لم تكن ظاهرة التوائم الملتصقة قد انتشرت كما تنتشر الآن). مصر كي تتقدم وتتطور وتكبر وتصبح قوة إقليمية قادرة علي بناء ذاتها ومد نفوذها وتلبية احتياجات شعبها لابد أن تملك محيطا حليفا لها ومؤمنا بمبادئها ينسق معها ويخطط معها وينفذ معها. علي سبيل المثال، كي يقوم جمال عبدالناصر بتأمين احتياجاتنا المصيرية من مياه النيل والحفاظ علي اتفاقية وقعها مع دول حوض النيل، وهي تحت الانتداب أو الاحتلال، فلابد أن تكون هذه الشعوب التي تملك مفاتيح ماء النيل صديقة لمصر وحليفة لها. من هنا يمد لها يد العون ويزود ثوارها بالسلاح والمال كي يتحرروا ويتمكنوا من قيادة بلادهم. وهذا ما كان في كل الدول الأفريقية التي صار بطلها جمال عبدالناصر، حيث مصر موجودة بالقوة المادية وبدعم السلاح والمعلومات وبالأزهر الشريف وشيوخ الدين وبالمدارس والجامعات وبالتأييد لهذه الشعوب في المحافل الدولية سواء الأمم المتحدة أو حركة عدم الانحياز أو غيرهما، لتصبح مصر ساعتها الحليفة والصديقة، بل الأخت الكبيرة التي ضحت وساعدت ودعمت وتحصل بالمقابل وبدون أي تردد وبكل حب ونبل علي ما تريده من هذه الشعوب والحكومات. ويكفي يا سادة للمفارقة فقط أن جميع الدول الأفريقية صوتت لصالح مرشحنا المصري فاروق حسني علي منصب مدير عام اليونسكو، بينما الرئيس مبارك لم يشارك في مؤتمر الوحدة الأفريقية منذ 15 عاما تقريبا! كما أن أجهزة إعلام مصر كانت تشير طوال الوقت إلي خوفها من أن تتم رشوة الدول الأفريقية للتصويت ضد مصر! وهكذا جهل واضح وغياب مطلق وخلعان كامل يجعلنا بلا قيمة وبلا دور في أفريقيا الآن رغم احتفاظنا بآثار قديمة في قلوب الأفارقة، آثار عهد وقيمة جمال عبدالناصر. انظر الحصيلة: جمال عبدالناصر الذي قطع رجل إسرائيل من أفريقيا بمواقفه وبطولة مصر مع حركات التحرر في أفريقيا صنع أمانا رائعا لمصر من أي اختراق إسرائيلي لمياه النيل أو للدول الأفريقية، ثم إذا بإسرائيل خلال أربعين عاما من حكم الرئيسين السادات ومبارك ترتع في أفريقيا بل ووصلت حتي سدود علي نيلك!

بنفس المنهج كان عبد الناصر يساند الجزائر وثورتها وشعبها لأن مصر عبد الناصر كانت تنتصر للشرف وللحرية ولكرامة الشعوب في مواجهة العدوان والاحتلال، ولأن مصر عبد الناصر كانت في حاجة لأن يكون العرب في حاجتها ومحيطها، ولأن وجود فرنسا محتلة للمغرب العربي معناه أن استقلال مصر وأي دولة عربية منقوص ومهدد، وأنه لا يمكن لاستعمار مجاور لك ومحيط بك أن يسمح لك بالتقدم الاقتصادي أو الاستقلال السياسي أو الصعود التنموي. مصر عبد الناصر كانت تساند وتدعم لأجل نفسها قبل الآخرين ومن أجل مستقبل أبنائها ومواطنيها قبل أي أحد آخر. كذلك فعل عبد الناصر في اليمن (بدون ما تسقط عنه ديون مصر الخارجية بل زادت)، وكذلك كان السودان في قلب اهتمامات جمال عبد الناصر، بل في قمة وعيه وخططه. ويكفي أن شعب الخرطوم وأبناءه حملوا سيارة جمال عبد الناصر من فوق الأرض حبا يفوق الوصف واعترافا يفوق الحب بمكانة مصر حين زار الخرطوم في مؤتمر قمة عربي بعد نكسة يونيو المريرة والرهيبة!

الأمر إذن لم يكن مجرد مبادئ عبد الناصر المؤمنة بالحرية والوحدة بل كذلك كانت خطة عبد الناصر لتحويل مصر قوة إقليمية ودولية مهمة. وقد كانت كذلك فعلا حتي أن عشرات الخطط وضعها جهازا المخابرات الأمريكية والبريطانية لاغتيال عبد الناصر (ظني أن إحدي هذه الخطط أفلحت وقتلوا الرجل في 28 سبتمبر 1970 فعلا)، ثم كانت نكسة يونيو لتكسير عظام عبد الناصر وإنهاء مشروع مصر الرائدة لبداية مشروع مصر التابعة!

هنا نتوقف عند فضل مصر علي فلسطين لأكاد أقسم لك بالله أن مصر لا فضل لها علي فلسطين، بل إن مصر ضيعت فلسطين ولو كنت فلسطينيا لركعت لله وسجدت أدعوه أن تحل مصر عن فلسطين كي تتحل!

مصر حاربت إسرائيل في 1948 فانتهت الحرب بضياع نصف فلسطين وبالنكبة الكبري، حيث قامت دولة إسرائيل بينما كانت مصر الدولة الأكبر والجيش الأكبر وانهزم أمام عصابات صهيونية. ومن ثم فالمؤكد أن مصر هي المسئولة الأولي عن نكبة 48، وهي بالمناسبة شاركت في هذه الحرب لأن أهداف إسرائيل التوسعية والاستعمارية لا تغيب عن أي حمار، فما بالك بالعاقل النابه الذي يعرف أن إسرائيل تبحث عن دولتها الكبري من النيل للفرات. ومن ثم فالسكوت عنها وهي تحتل فلسطين كأنه رضوخ وموافقة لأن تحتل بعدها من نيلنا المصري السوداني إلي فراتنا العربي! 

أما حرب 67 فإن إسرائيل هي التي بدأت وشنت الحرب وقد أضعنا فيها نصف فلسطين حيث كانت القدس تحت ولاية الأردن، وغزة تحت ولاية مصر؛ فانهزمنا وضيعنا القدس وغزة وسيناء والجولان بالمرة.

أما حرب أكتوبر فقد كانت حربا من أجل سيناء وليست من أجل فلسطين وليس في خطتها التي وضعها عبد الناصر أو التي وضعها السادات كلمة واحدة عن فلسطين، فهي حرب مصرية تحاول استعادة أرض مصرية وشاركتنا في الحرب دول عربية كثيرة سواء بسلاح البترول (حد يكلمنا عن فضل البترول) أو بالمدرعات والدبابات كما فعلت الجزائر وكان منوطا بقواتها الدفاع عن القاهرة ضد محاولات احتلالها بعد الثغرة واحتلال السويس، أو بالأبطال الغر الميامين كما فعل الفدائيون الفلسطينيون.

ومن يومها فض اشتباك أول وفض اشتباك ثان ولا فلسطين ولا غيره، حتي إننا تحولنا في عصر الرئيس مبارك إلي دولة تقف علي الحياد كما يقول هو نفسه بين إسرائيل والفلسطينيين (لا يقول فلسطين بل الفلسطينيين!). وصارت مصر الدولة الوسيطة والسمسارة السياسية للصفقات بين طرفي النزاع والصراع، وتتباهي بأنها موضع ثقة الطرفين. ثم لاتكف مصر عن لعب دور السنترال في أي أزمة تحيط بالشعب الفلسطيني، حيث تتصل طوال الوقت بوزراء ورؤساء دول أجنبية ترجو منهم وقف إطلاق النار المفرط وتدين بالمرة اللجوء إلي العنف. ثم نغلق معبر رفح حتي في لحظات العدوان الإسرائيلي علي غزة، ويملك كثير من المصريين الجسارة أن يقولوا إن هذا عدل وحق! ثم نسمع عن مخاوف من أن يأتي الفلسطينيون إلي سيناء يا خويا ويقعدوا فيها وهيه ناقصة. بينما يقاتل ويناضل اللاجئون الفلسطينيون كي يعودوا إلي أرضهم، يخشي عوام منا وغوغاء من بيننا أن يأتينا فلسطينيون من غزة إلي سيناء، وكأن نخوة المصريين جفت. وكأن ما نسمعه ونراه من تدين المصريين مقصور علي النقاب واللحية والسبحة وتكفير الأقباط وحرق البهائيين. أما الانتصار للحق ونصرة المظلوم وإغاثة اللاجئ والاعتصام بحبل الله فكلام لا يعرفه المصريون ولا عايزين يعرفوه!

رابعا: هل مصر فوق الجميع فعلا؟ 

آه، جينا للي يزعل أكتر.

هل مصر فوق الجميع؟ 

السؤال الواجب هنا هو: أي جميع؟ من هم الجميع الذين مصر تقف أو تجلس فوقهم؟ 

هل جميع المصريين؟ أم جميع البشر؟ أم جميع الدول؟ 

الغريب أن دولتين فقط من بين كل دول العالم رفعتا هذا الشعار: الأولي هي ألمانيا النازية، وشعارها ألمانيا فوق الجميع، ألمانيا أدولف هتلر العنصرية العدوانية وكان هذا بشكل رسمي ولفترة مؤقتة (سوداء علي العالم كله)؛ والثانية التي هي مصر، بشكل غير رسمي وفي عهد الرئيس مبارك، حيث تتجرأ بعض قيادات الحزب الوطني وببغاوات الإعلام ودببة الفضائيات ويكررون شعار مصر فوق الجميع، دون وعي بنازيته وعنصريته وربما دون وعي بمعناه ومغزاه أصلا؟ 

هذا الشعار عنصري، رفعته دولة في فترة عنصرية آمنت فيه فئة مهووسة في مرحلة متطرفة وفي أجواء ديكتاتورية بأن الألمان جنس مختلف ومتميز عن العالم كله، وأن الجنس الألماني نبيل متفوق علي غيره من الأجناس والتي هي أجناس أدني أو قذرة تستحق إفناءها أو قتلها والتخلص منها. أي المقصود والمفهوم من ألمانيا فوق الجميع أنها أعلي وأهم من الشعوب الأخري وأكثر رقيا وتفوقا بحكم الجينات والهرمونات، وأن الألمان يستحقون وفق هذا الإيمان أن يحكموا ويتحكموا في العالم وأن تكون الأجناس الأخري مجرد عبيد وأرقاء وأقنانا عند الجنس الألماني اللي فوق بينما الجميع تحت!

من إذن أدخل هذا الشعار المجنون إلي بلدنا، وجعل حمقي أحيانا، ومخلصين جهلة أحيانا أخري، وسياسيين متحمسين حينا يرددون هذا الهوس الخرف دون فهم ودون تفكير؟ 

ثم ماذا يعني هذا الشعار الأخرق؟ 

هل يعني أن مصر فوق بقية الدول؟ النبي تتلهي!

فمصر التي تحتل المركز الأخير بين دول العالم في سوق كفاءة العمل، والتي تقبع في المركز 111 بين دول العالم من حيث النزاهة والشفافية، والتي لا تزرع قمحها وتستورد رغيف عيشها، والتي لا تشكل أي صناعة فيها أي أهمية في العالم، والتي لا تمثل أي تجارة لديها أي أهمية في العالم، والتي لا تظهر في قائمة الدول العشرين الأكثر تصديرا في العالم ولا قائمة المائة، والتي لا تضم جامعة واحدة ضمن أهم خمسمائة جامعة في العالم، والتي والذي والذين، هل يمكن أن يصدق أي مهفوف أنها فوق الجميع!

غالبا يتم استخدام هذا الشعار في مواجهة الدول العربية، وهو ما يعود بنا إلي أصل الموضوع وهو هذا الإحساس الزائف عند الشعب المصري بأنه جنس مخصوص غير العرب كلهم، وأنه متفوق عليهم، وأنه أعظم منهم، وأنهم ولا حاجة أمام المصريين. وإذا لم يكن هذا الكلام عنصريا فهو ألعن، فسيصبح كلام ناس عيّانة، يستحسن ذهابها فورا لطبيب نفسي، فهذا مرض شهير معروف بالبارانويا وهو جنون العظمة مقرونة بجنون الاضطهاد. وهذا عين حالتنا السياسية (والشعبية) الراهنة؛ حيث نشعر أننا أعظم ناس علي وجه الأرض، ثم أن العالم كله يتآمر علينا ويتحالف ضدنا ولا نسأل أنفسنا ليه.

ليه بيتأمروا علينا، هل نشكل أي تهديد لأي دولة في العالم؟ 

هل ننافس أي دولة أو شعب في التفوق العلمي والاختراعات الهائلة أو الصعود للفضاء أو امتلاك الرءوس النووية؟ 

هل نهدد الصين في قدرتها علي التصدير ونشكل خطرا علي أمريكا في امتلاكها الفيتو؟ هل يرتجف منا نتنياهو وقادة تل أبيب أم يصفوننا بالأصدقاء والحلفاء؟ 

لماذا تحقد علينا الشعوب العربية؟ 

هل تحقد علينا لأننا نتمتع بأقوي صحة بدنية في المنطقة فلا عندنا فيروس سي ولا فشل كلوي وكبدي ولا ينتشر فينا السرطان وأمراض السكر والضغط؟ أو لأننا نشكل أكبر عدد مرضي بالاكتئاب في الوطن العربي مما يستدعي حقد الشعوب العربية علينا لأننا مفرطو الحساسية؟ 

هل يحقدون علينا لأننا اكتفينا ذاتيا في الزراعة والصناعة مثلا؟ 

هل يحقدون علينا لأننا صرنا ننافس كوريا الجنوبية في التصنيع وهونج كونج في التجارة والهند في الكمبيوتر وتركيا في الديمقراطية؟ 

هل يحقدون علينا لأن رئيسنا عندما يزور دولة عربية يخرج ملايين لتحيته والهتاف باسمه ورفع سيارته فوق الأكتاف؟ 

كلها أسئلة، أليس كذلك؟ فهل تملك أنت إجابات عنها؟ 

أم أنك ستكتفي بأن مصر فوق الجميع؟

أما إذا كان مقصودا بأن مصر فوق الجميع أي أن لها الأولوية الأولي في أي حسابات أو أي قرارات تصدر عن حكومتنا، فهذا كلام بدهي ينطبق علي مصر كما ينطبق علي أي دولة في الوجود الإنساني، فلا توجد دولة تتخذ موقفا أو قرارا في غير مصلحتها ووفق أولوياتها وإلا تبقي دولة يحكمها مجانين أو عملاء! 

أما إذا كان مقصودا أن مصر أهم من مواطنيها، فالحقيقة أن لا دولة محترمة تتعامل بأنها أهم من مواطنيها، فالوطن هو مواطنوه. وقيمة وكرامة وكبرياء الوطن من كرامة وكبرياء مواطنيه. وإن حق كل مواطن أن يكون رقم «واحد» في أي قرارات خاصة بالدولة ومن الدولة؛ ومع ذلك فإن مصر بلد الكوسة والمحسوبية وحيث يحصل أقل من عشرين في المائة من مواطنيها علي أكثر من ثمانين في المائة من الناتج القومي لها. بلد أنت مش عارف أنا مين، وتوريث الحكم والمناصب للأبناء والأصهار، وتكويش خمسين عائلة علي ثروة وحكم البلد. دولة هذا حالها لا يمكن أن تخدع نفسها إلي حد أن تتصور أنها فوق الجميع، فالجميع من السيد الرئيس حتي أصغر مسئول في الحزب أو الحكم فوق مصر! 

خامسا: طبعا من السهل جدا اتهام هذه السطور وكاتبها 

سهل حيث يلجأ البعض حين سماع كلام لا يحبه إلي كراهية من يقوله لا مناقشة ما قاله، ومن ثم طبيعي جدا أن تخرج اتهامات لكاتب هذه السطور بأنه:

-لايحب مصر.

-أنه متشائم ونظارته سوداء.

-أنه مأجور وعميل.

-أنه يعارض الرئيس لهذا يريد أن يحط من شأن البلد في عهد السيد الرئيس.

أما عن الاتهام الأول فلا أنت ولا اللي خلفوا حضرتك يملك أن يتهمني أنني لا أحب بلدي ولا أنا مطالب أن أثبت لجنابك أنني أحبها.

أما ردا علي الاتهام الثاني فأعترف أن نظري ناقص سبعة العين الشمال، وناقص خمسة العين اليمين، وعندي استجماتيزم وحصلت علي إعفاء من الخدمة العسكرية، بسبب ضعف نظري، ومع ذلك فإن نظارتي بيضاء ولا أحب ارتداء نظارات شمس ملونة أو سوداء طبعا (وإن كنت أحب نادية لطفي وهي ترتديها في فيلم النظارة السوداء). ثم إنني لست متشائما ولست متفائلا ولا أجد أي ضرورة للتشاؤم والتفاؤل في السياسة بقدر ضرورة الإرادة والعزيمة.

أما الاتهام الثالث فالمأجور والعميل أسهل تهمة يلقيها العملاء والمأجورون علي الناس.

أما الاتهام الرابع فأنا أعارض الرئيس مبارك طبعا وقطعا، فأقول كلاما ويرد علينا غيرنا بكلام (ويردون بشتائم أحيانا كثيرة وبقضايا ومحاكم وأحكام بالسجن أحيانا أخري). وشوف أنت الكلام الذي تصدقه فصدقه دون تفتيش في نوايا أي من المعارض والمؤيد. ثم أعارض الرئيس مبارك لكنني لا أعارض مصر؛ ومصر ليست الرئيس مبارك رغم أن ما فعله فيها الرئيس مبارك ربما جعلها غير مصر التي نعرفها، وأخشي أن يورثها لدرجة أن تصبح مصر تلك التي لا تريد أن تعرفها! 

سادسا: هل مصر دولة صغيرة وعليها أن تعرف حجمها عشان تتكلم علي قدها؟ 

كل ما كتبته هنا وسأكتبه لاحقا يهدف إلي أن تسمع تلك الحقيقة التي لاتريد أن تعرفها أبدا، ثم لهدف أكبر هو أن نكبر فعلاً.

ماذا يعني كل هذا الكلام؟ 

معناه أن مصر دولة عظيمة مرهون تألق عظمتها بشعبها، برئيسها ورجالها. إما أن يكون الشعب المصري في مرحلة ما من تاريخه يليق بهذا البلد، فيرفع من مكانته ويعلي من مقامه وتقدم الأمم وقود منطقته العربية، وإما أن يكون الشعب في مرحلة ما (مثل التي نعيشها من 28 عاما) خامل الهمة، خانع الروح، مهدور الكبرياء، منكفيا منحنيا، معزولا ومنعزلا عن محيطه ومنطقته، فيتراجع البلد مكانة وشأناً، ويتحول إلي التباهي الممض والابتزاز العاطفي المريض، وتزوي قيمه ويصبح دوره هشيما تذروه الرياح!