‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجدال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجدال. إظهار كافة الرسائل

السبت، أكتوبر 5

الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة

هذه رسالةٌ إلى كلِّ المصريين المسلمين، بغضِّ النظر عن انتمائاتِهم ومواقفِهم الحالية، ثوارِ رابعة ومؤيدي الانقلاب، مستقلين وأحزاب، إخوان وسلفيين، مؤيدي الشرعية ومؤيدي الجيش، مؤيدي مرسي ومؤيدي السيسي، مؤيدي الحكمِ الديمقراطي ومؤيدي الحكمِ العسكري، وإلى آخرِه، طالما أنت مسلم وتحبُّ الله ورسولَه ودينَك، فرسالتي موجهةٌ إليك.

كنت قد كتبتُ سابقاً عدة مقالات عن أهميةِ قانونِ الدولةِ أو الدستور، وشرحتُ الفرقَ بين الدستور والشريعة، وأكدتُ أنّ القانون، أو السلطان، أو الدستور هو أهمُّ ركنٍ من أركانِ الدولة، وهو أُسُّ الفساد أو منبعُ الإصلاح. بل إن التحكمَ في القانونِ أو الدستور أهمُّ من التحكمِ في البنوكِ أو الجيوش. ومن هذا المنطلق، أكتبُ هذه المقالة.

أبدأ رسالتي بالجزء الموجه إلى أهل رابعة أو الثوار، وخاص إخواني من الشبابِ الثوريّ فيهم: لا تغتروا بأنفسِكم، ولا بقوتِكم، ولا بذكائِكم؛ ولا تغتروا بشعاراتٍ جوفاء مثل ’سلميّتُنا أقوى من الرَّصاص‘، فهذه أساطيرٌ أيضاً مثل أساطير الإعلامِ الكذوب الإسلاموفوبي. طيّب، ما هي الحقيقة إذن؟ الحقيقةُ هي ما قالها اللهُ سبحانه تعالى في كتابِه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}—سورة محمد: ٧. يعني أنتم أنفسُكم لستم أقوى من العسكر؛ لا أجسادُكم ولا شبابُكم أقوى من رصاصِ العسكر؛ وبمنتهى اليقين، سلميتُكم ليست أقوى من رصاصِ وبنادقِ ومدرعاتِ العسكر؛ ولكن...الله! اللهُ أقوى من العسكرِ ورصاصِ ودباباتِ ومدرعاتِ العسكرِ وأقوى من أمريكا ومن الناتو ومن كل شيء؛ الله أكبر. ومفيش حاجة اسمها أكبر من إيه أو من مين؛ الله أكبر. نقطة. انتهى الموضوع: الله أكبر.

طيّب، طالما الموضوع كذلك، والله قال: {إن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، [يبقى عشان تنتصروا على العسكر، لازم تنصروا الله. عشان لما بنادق العسكر تتصوب تجاهكم، ولما يطلع من البنادق رصاص حيّ، تثبت أقدامكم، مالكُمش اختيار]…لكي تثبت أقدامُكم في هذه اللحظة، ليس لكم خيارٌ سوى أن تنصروا الله...فينصركم ويثبت أقدامَكم.

فالسؤالُ الذي يفرض نفسَه: هل أنت تنصر الله عندما تنصر ’الشرعيةَ‘ مثلاً؟ [جائز شيخك، أو العالم اللي بتثق فيه، بيقولّك أيوه،] نعم، أنت بنصرتك للشرعية، تنصر رجوعَ الحقِّ لأصحابه، وبالتالي تنصر الله. ماشي. لن أجادل في هذا، ولكنّي سأسألك: إن كان بإمكانك نُصرةَ الشرعية وبإمكانك نصرةَ الشريعة في لحظة الموت، أيهما أولى بنصرتِك؟ إن كنت تعلمُ أنك ستموت اليوم...اليوم؛ في ظنك، ما الأولى؟ نصرةُ الشرعية، أم نصرةُ الشريعة؟ هذا سؤالٌ لك، ولشيخك أو إمامك، أيا كان.

وبناءاً عليه، أيهما يتعلق أكثر بنصرِ الله؟ مرة ثانية، أيهما يتعلق أكثر بنصر الله؟ أيهما علاقتُه باللهِ أوثق...أقرب؟ شرعيةُ إنسانٍ ونظام؟ أم شريعةُ الله؟ أيهما أقربُ إلى اللهِ وإلى نصرِ الله؟ هذا سؤال لك، ولشيخك إن كان لك شيخ.

وبالإجابة على هذه الأسئلة، يمكنك أن تحدد ما  الذي يستحق موتَك، ما الذي يستحق تضحيتَك، ما الذي يستحق نضالَك وكفاحَك، شرعيةَ الحاكمِ والنظام، أم شريعةَ الله؟ وما الذي سيجلب نصرَ اللهِ لك ولفريقِك، أسرع وبتأثير أقوى على الظالم؟ نصرتُك لشرعيةِ حاكمٍ ونظام، أم نصرتُك للشريعة؟

ومرةٌ أخرى، إن قال قائلٌ أن بنصرتِك للشرعية، أنت تنصر رجوعَ الحقِّ لأصحابِه، وهم الإسلاميين، فتنصر الإسلامَ نفسَه بطريقةٍ غيرِ مباشرة، لإن الإسلاميين يريدون تطبيقَ شرعِ الله، أو الشريعة، فعندي الرد على هذا أيضاً: بفس هذا المنطق، منطق ذلك القائل، أنت بنصرتِك للشريعة، تنصر الشرعيةَ بطريقةٍ غيرِ مباشرة. كيف؟ لأنه إذا كان الإسلاميون—سواءاً الإخوانُ المسلمون أو غيرُهم—فعلاً يريدون تطبيقَ شرعِ الله، أو الشريعة، وفي نفس الوقت، العسكرُ لا يريدون تطبيقَ الشريعة، فأنت بنصرتِك للشريعة، بالتأكيد تنصر الإسلاميين، وتنصر شرعيتَهم على العسكر. لأنك تريد شيئاً، والعسكر لا يريد هذا الشيء، أما الإسلاميون فيريدونه؛ فأنت بنصرتك لهذا الشيء، تنصر الإسلاميين أيضاً.

طيّب، ولماذا لا أنصر الإسلاميين أو شرعيتَهم مباشرة؟ لأنك بتأييدك لفكرةٍ بدلاً من شخص، وبنصرتك لشيءٍ وثيقِ الصلةِ بالإسلام، بالدينِ نفسِه، تضمن أن من تنصره (الشخص) عندما يأتي، سيعلم جيداً لماذا نصرته! ما هو سببُ نصرتِك له. سيعلم جيداً أنك نصرته لأنك تنصر الشريعة؛ وبالتالي، إن كان به من قبل بعض التذبذب أو الحيرة أو التردد في تطبيق الشريعة، كل هذا سيختفي تماماً عندما يرى أن من نصره، نصره أساساً...من أجلِ تطبيقِ الشريعة. وبالتالي، الكلُّ يفوز وينتصر! الإسلامُ ينتصر بنصرةِ شريعتِه، وأنت تنتصر بالثوابِ الذي أخذته لنصرةِ الإسلامِ والشريعة، والإسلاميون ينتصرون برجوع الحقِّ لهم، وفي نفس الوقت، بتيسيرِ مهمةِ تطبيقِهم للشريعة؛ حيث أن وقتَها، لا يوجد حُجَّة عندهم لتأجيلِ تطبيقِ الشريعة أو لاتباعِ الفكرِ الفاسد الذي يقول بتدرجِ تطبيقِها؛ لأنهم سيروا أن من نصروهم، نصروهم من أجل الشريعة، وليس من أجل شيءٍ آخر، لا العيش أو الخبز، ولا الحرية، ولا العدالة الاجتماعية المزعومة، ولا الباذنجانية...بل نصروهم من أجل الشريعة.

فكما ترى، أنت بنصرتك للشريعة، تنصر الشرعية، وتنصر الإسلاميين، وتنصر نفسك أيضاً، لأنك بنصرتك للشريعة، أنت تنصر الطريقةَ الوحيدةَ لتحكيمِ اللهِ، لتأكيد ربوبيةِ ووحدانيةِ الله بترسيخِ حاكميتِه وحدِه سبحانه وتعالى، وبالتالي تنصر الله بطريقة مباشرة، فتفوز في الآخرة وتنتصر في الدنيا أيضاً: {إن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

هذا، وإن العملَ على نصرةِ فكرةٍ أو قضيةٍ مثل شريعةِ الله سيجمع شملَ أكبر عدد ممكن من المصريين والثوارِ الشرفاء. كيف؟ لأننا اليوم في مصر انقسمنا إلى عدةِ أقسام، بغض النظر عن نسب أو أحجام تلك الأقسام. والأقسام الرئيسية التي انقسمنا إليها أعتقد أنها أربعةُ أقسام: قسمٌ يؤيد حكومةَ مرسي والإخوان، قسمٌ يؤيد حكمَ العسكرِ ويؤيد الجيش، قسمٌ يرفض الاثنين: الإخوانَ والعسكر، وقسم لا يهتم أو بالكاد يهتم اهتماماً سطحياً من بابِ الدرايةِ والعلمِ بالشيء، ولهذا فلن أهتم بهذا القسم في كلامي.

القسم الذي يؤيد حكومة مرسي والإخوان يؤيد الشريعة أيضاً بمنتهى الوضوح والسهولة، وهم أغلب أهل رابعة. أما القسمان الآخران ففيهما قولان: ظني بالقسم الذي يؤيد العسكرَ هو أن معظمَهم، ولا أقول كلَّهم، ولكن معظمُهم يؤيدون العسكرَ من بابِ الوطنية وحبِّ الوطن، وهم في نفس الوقتِ يؤيدون الإسلامَ ويحبون الله ورسولَه صلى الله عليه وسلم، ولو على الأقل شفهياً عندما تسألهم، حتى وإن كانت طريقةُ حياةِ بعضهم أو عاداتُهم لا تدل على ذلك؛ على الأقل إن حاورتَ بعضَهم، لأكدوا لك انتماءَهم للإسلامِ وحبَّهم للهِ ولرسولهِ صلى الله عليه وسلم. وبناءاً عليه، إن سألت بعضَهم: من أهم عندك، اللهُ ورسولُه أم السيسي؟ ما الأهم عندك، الإسلام أم الجيش؟ إن قال لنا: ’السيسي والجيش أهم‘، فقد كفر ولا نتحدث معه أكثر من ذلك. إن قال لنا: ’الاثنين ولا يوجد تناقض‘، فنسأله: أتضع الإسلامَ، دينَ الله، في نفس المنزلةِ مع مجموعةٍ من الجنود؟ هان عليكَ دينُك؟ أتضع الله سبحانه وتعالى في نفس المنزلةِ مع بشر، قائدِ جيش؟ هان عليكَ اللهُ لهذه الدرجة؟ أما إن قال لنا: ’اللهُ والإسلامُ أهم عندي من أي شيء، ولكن مرسي ليس نبيّاً مرسلاً أو والياً من أولياء الصاحلين، والإخوانُ لا يمثلون الإسلام‘؛ نقول له: متفقون على هذا تماماً. لا نعطي مُرسي فوق قدرِه، والإسلامُ أعظمُ من أن يمثله فصيلٌ أو حزبٌ واحد. ولهذا فإني أدعوك ألا تؤيد مرسي أو الإخوان، ولكن تؤيد شريعةَ الله، تنصر اللهَ معي، فتطالب بتطبيقِ الشريعة. وبهذا، نحن نبعد عن الجدلِ العقيم في مسألةِ من هو الخائنُ ومن الأمين، من هو الكاذبُ ومن الصادق، وإلى آخره. نبعد تماماً عن هذا الجدلِ العقيم، ونركز في نقطةٍ محددة، هي كفيلة بأن تُظهر الحق. تعالى معي، نؤيد الشريعةَ ونطالب بها، فننصر الله سوياً. والله وعد في كتابه الكريم أننا إن فعلنا، لنصرنا اللهُ وثبت أقدامَنا. وبناءاً عليه، نحن وقتها لا نؤيد لا مرسي ولا الإخوان ولا الإسلاميين ولا السيسي ولا الجيش، بل نؤيد فقط الله، وننصر فقط الله. وبهذا، إما أننا سندعو الجميعَ إلى نصرةِ الله أيضاً، أو أن الله سيُظهر الحقَّ على أيدينا، عندما نرى من سيحاربنا ويقاومنا على الرغمِ من أننا لا نشخصن، لا نؤيد أشخاصاً ولا أطرافاً، وإنما فقط نؤيد شريعةَ الله، فقط ننصر الله. وقتها من يحاربنا، سيثبت أنه يحارب الله ودينَ الله. وقتها نعرف من الخائن ومن الوفي لله؛ من الكاذب ومن الصادق في حبه لله وفي تأييده لما يرضي الله.

شيءٌ بديهيٌ أن الحكمَ بما أنزل الله، تحكيمَ شرائع الله، استخدامَ شريعةِ الله في السلطة، يرضي الله. فكل ما علينا القيامُ به هو أن نؤيد نحن هذا بالتحديد، نؤيد نحن، وبمنتهى القوة والعزيمة والإصرار والإيمان، تحكيمَ شريعةِ الله علينا وجعلَها قانونَنا ودستورَنا؛ ووقتها، ليس علينا سوى أن نرى ردودَ أفعالِ الأطرافِ المختلفة، فنرى من يحاربنا وبالتالي يحارب الله وحاكميَّتَه بمحاربةِ شريعةِ الله، ومن يؤيدنا ويساعدنا بصدقٍ وإخلاص.

وبتثقيف أنفسنا وتعليم أنفسنا حقائقِ الشريعة، يمكننا أيضاً أن نكشف المخادعين الذين يزعمون أنهم يطبقون الشريعة، ولكن في الحقيقة هم لا يفعلون ذلك ويقبلون بقوانين وضعية عالمانية—ولو جزئياً—بدلاً من قوانين الله؛ فإن انكشف خداعُ أحدٍ تسلق علينا بالكذب، ثرنا ضده ورفضناه وطردناه وطالبنا بمن يصدق في تطبيق الشريعة.

أما من يقول أنه لا داعي لتطبيقِ الشريعة الآن أو أنها غيرُ مناسبة للوقتِ والزمان أو أن نطبقها بالتدرج، فالردُّ على هذا الكلامِ أيضاً بفهم شريعتِنا فهماً سليماً، وبفهم ما إذا كان تطبيقُ الشريعةِ شيئاً اختيارياً أصلاً، أم مثله مثل الصلاةِ على أوقاتها خمس مرات في اليوم—فرض، بل مثل شهادةِ ’لا إله إلا الله‘، وجزء لا يتجزأ من هذه الشهادةِ نفسِها—أمر يتعلق بالعقيدة وما دونه كفر وشرك!

وبالنسبة إلى القسم الثالث، الذي يرفض الاثنين: الإخوانَ والعسكر، فبعض هؤلاء ليبراليون وعالَمانيون يزعمون الانتماءَ إلى الإسلامِ وفي نفس الوقتِ يؤيدون قلباً وقالباً أنظمةً سياسيةً مثل الليبرالية والعالَمانية، وهؤلاء لا يستحقون أكثر من أقل القليل من الكلامِ معهم عن أهميةِ الشريعة وكونِها جزء لا يتجزأ من شهادة لا إله إلا الله؛ فإن سمِعوا واقتنعوا بالأدلةِ والمنطق، فأهلا وسهلاً بهم في الفهمِ الصحيحِ لدينِ الإسلام؛ وإن لم يسمعوا وأصروا على تأييدِ أنظمةٍ معاديةٍ للإسلامِ بشموليته وكليّته، فلا داعي لتضييع الوقت معهم ونسأل الله لهم الهداية. ولكن من بين هؤلاء الرافضين للإخوانِ والعسكرِ معاً، أناس ينتمون إلى الإسلامِ بصدقٍ، أو على الأقل يريدون أن ينتموا إلى الإسلام بصدق، بل ويحاولون أن يؤيدوا التيار الإسلامي أحياناً، ولكنهم تأثروا مثلاً بأخطاءِ الإخوانِ وبالإشاعاتِ التي تحوم حولهم من الإعلامِ الفاسد، فانتهى بهم الأمرُ إلى كراهية—أو على الأقل رفضِ—الإخوانِ أيضاً؛ «حركة أحرار» وبعض ثوار ما يسمى بالميدان الثالث أمثلة جيدة لهذا القسم من الناس في مصر اليوم. وهؤلاء، الرسالةُ لهم مشابهةٌ بعض الشيء للرسالةِ التي وجهتُها لمؤيدي العسكر—مع الاعتراف بالفرق الشاسع في التفكير بالتأكيد؛ بل إن أمرَ هؤلاءِ المؤيدين للمشروعِ الإسلاميّ أسهلُ بكثير، لأن قضيةَ هؤلاءِ ليست مشخصنة أصلاً، وهم ببساطة حائرون بين الجهاتِ الموجودة، ويكرهون أو ينفرون من أغلبيتها العظمى. فمعظم هؤلاء قد يرون المنطقَ والجمالَ والقبولَ في قضيةِ تأييدِ الشريعة ونصرةِ الله بهذه الطريقة، مع الوعد لهم أن نظل كلُّنا على العهد، فلا نؤيد سوى الشريعة، ولا نعين سوى من يطبق الشريعة بصدق؛ وأن نرفض ونثور ضد أي جهةٍ أو شخص، كائناً من كان، من أول لحظة نتأكد فيها أنهم يخادعوننا ولا يطبقون شريعةَ اللهِ فعلياً وبصدق. نعدهم ونعاهدهم على أن تكون قضيتُنا الشريعة، وألا نؤيد أحداً إلا إذا تأكدنا أنه يطبق الشريعةَ بالفعل، لا ينوي أو يهدف إلى تطبيقِ الشريعة، بل يطبقها فعلياً ومن أولِ يوم.

يعني، أهل الميدان الثالث، تعالوا لنوحد الصفَّ ونثور مع بعضنا البعض، لا لأحزابٍ أو أشخاص، بل لفكرةٍ وقضية، وهي الشريعة؛ ولننشر هذا الفكرَ قدر الاستطاع ونطلب من الثوارِ أن يغيروا فكرَهم وشعاراتِهم بإحلالِ الشريعةِ مكان الشرعية، وإخلاصِ النية لله والتمسكِ به بدلاً من التمسكِ بأشخاص؛ ولكن لن يمكنكم توصيلَ هذه الرسالةِ إلى الثوارِ الآخرين وأهلِ رابعة إلا إذا وحدتم الصفَّ، ورأوكم معهم في مواجهةِ الظلمِ والاستبدادِ والحربِ الحالية على دين الله. يجب أن يراكم أهل رابعة معهم، موحدين للصف، كي يسمعوا رسالتَكم ويقتنعوا بها. وأرجو منكم عذر بعضهم إن لم يقتنعوا؛ فإن قلة الوعي والعلم متفشية في كل مكان في الدنيا اليوم، وعاطفة الشخصنة أو الارتباط بأشخاص شيء متأصل في الكثير من البسطاء؛ أرجو أن تعذروا هؤلاء وتستمروا في نشر رسالتكم للآخرين. ولعلكم تقتنعوا أن الرئيس والبرلمان المنتخب لهم شرعية اختيار أغلبية الشعب لهم، وإن كانت شرعية ثانوية ومشروطة بتطبيق الشريعة؛ ولعلكم توافقوني، إخواني من الميدان الثالث، على أن هذا الرئيسِ المعتَقَل والبرلمانيين المسجونين، قد دفعوا ثمن أخطائِهم، ولعل بعضُهم أدرك أنه فرط في حقِّ الله؛ وأيضاً هؤلاء يمكننا الضغطَ عليهم ومعارضتَهم ومحاسبتَهم بما وعدونا به ثم أخلفوا؛ أما العسكر، فهم لم يعطوا أي وعودٍ بتطبيق الشريعة، بل ويبدو أنهم يحاربون دينَ اللهِ نفسَه اليوم؛ أنا لست بصدد التأكيد على أي إتهامات ضد أي جهة في مقالي هذا، ولكن هذا ما يراه البعض. النقطة التي أهتم بها هنا هي أن الشرعية التي ينادي بها بعض أهل رابعة ليست باطلة تماماً، لأن الرئيس والبرلمان قد يكونوا وقعوا في أخطائهم عن جهل، وفي نفس الوقت هم فعلاً اختيار الأغلبية؛ وبالتالي، فشرعيتهم قد لا تكون باطلة تماماً، ولكني أوافقكم أنها شرعية ثانوية ومشروطة بتطبيق الشريعة؛ فتسقط عنهم حتماً في حالة التأكد من رفضهم لتطبيق الشريعة عن عمد وعلم؛ ولكن يجب قبل إسقاط شرعيتِهم التأكد من تعمدِهم وعلمِهم ببطلانِ وفسادِ ما يقومون به في حقِّ الشريعةِ الإسلامية.

هل كل هذا يعني أننا سنقطع يد السارق ونجلد الزاني من أول يوم، وغيرها من الاسطوانات التي يرددها الإعلام الإسلاموفوبي أو الكاره للإسلام؟  هذا يدخل في تفاصيل وشروط تطبيق أي شرع من شرائع الله، وهذه التفاصيل وهذا النوع من العمق في الشريعة ليس قضيتَنا؛ بل إن قضيتَنا هي مصيبة أننا نكفر ونشرك بالله إن لم نعترف بفرضية تطبيق أوامر الله، قوانين الله، شرائع الله. مرة أخرى، أي شخص يكفر ويشرك بالله إن لم يطبق قوانينَ الله ويعترف بفرضيتها. وبالنسبة لهذه التفاصيل، فلن نكون أبداً أرحمَ على الناسِ من الله، لن نكون أبداً أعلم بما ينفع الناسَ ويناسبهم أكثر من اللهِ سبحانه وتعالى. وليس للدخول في التفاصيل الآن، ولكن لإعطاء مثال سريع لإثبات أن هناك مساحة لمناقشة التفاصيل لاحقاً بالمنطق وبما يطمئن قلبَ أيِ إنسانٍ قد يكون عنده القليلُ من الشكِّ نتيجة قلةِ العلم، مثلاً، حد السرقة لا يطبق على من سرق لسدِّ جوعِه أو لحاجةٍ ملحةٍ تعني الفرقَ بين الحياةِ والموت. بمعنى آخر، عدم تطبيق حدٍّ ما أحيانا يَعني ببساطة تطبيقَ الشريعة، لأن الشريعة هي التي تحدد حكماً آخر في هذا الموقف. أكرر، عدم تطبيق حدٍّ ما أحيانا يَعني تطبيقَ الشريعة، لأن الشريعة هي التي تحدد حكماً آخر في هذا الموقف. وكما ذكرت، الدخولُ في هذه التفاصيلِ والجدلُ فيها ليس قضيتَنا اليوم إطلاقاً؛ وإنما قضيتَنا هي إثباتُ الأهميةِ القصوى لتطبيقِ قوانين الله، والمطالبة بها؛ والاعتراف بأن أكثر الآلياتِ الديمقراطية، أو أساليبِ العملِ السياسي حالياً، والتي انخرط فيها الإسلاميون أنفسُهم في حكومةِ ما بعد الثورة، هي آليات أو أساليب مخالفة لدين الله، ولا يرضى اللهُ عنها؛ ويكاد يقسم الكثيرُ أن هذه المخالفاتِ هي أسبابُ تخلي اللهِ عنا في المرحلة السابقة وعودتِنا إلى الذلِّ والمهانةِ والقتلِ والتعذيب. وبالتالي، فلا عزةُ لنا، ولا عودةٌ إلى التمكينِ للمشروع الإسلامي إلا إذا كان فعلاً إسلامياً وفعلاً يرضي الله. ولن يكونُ المشروعُ الإسلاميُّ بالفعل إسلامياً إلا إذا طَبَّقَ قوانينَ الإسلامِ من أولِ يومٍ في السلطةِ والحكم.

وفي النهاية، ألخص رسالتي في دعوةِ كلِّ المصريين المسلمين، من يحبون الله ورسولَه والإسلام، حباً حقيقياً، سواءاً كانوا إخوان أو سلفيين، وطنيين أو مؤيدين للنظام السابق، عسكريين أو مؤيدين للجيش المصري من باب الوطنية، طالما أنتم تحبون الله ورسوله والإسلام فوق أي شيء، فتعالوا إلى كلمةٍ سواء، لا نشخصن، لا نتبع أي شخص أو أشخاص، سواءا رئيساً أو قائدَ جيش، حزباً سياسياً أو جنوداً، تعالوا نتبعد تماماً عن الشخصنة أو تأييدِ أي أشخاص؛ وتعالوا لننصر الله، ولا أحدَ غيرَ الله. تعالوا لنُحَكِّم الله ورسولَه علينا؛ كيف؟ بتحكيم القرآنِ والسنةِ علينا. كيف؟ بتحكيم شريعةِ الله علينا، قوانينِ الله. تعالوا كلنا نجتمع على هذا، ونعاهد بعضَنا على هذا، ولا شيء غير هذا. فننظر من سيؤيدنا في قضيتِنا هذه، ومن سيحاربنا. ونحن بالفعل جربنا أحزاباً إسلامية أقنعتنا أنها ستطبق قوانينَ الله، ولكن أثبتت التجرُبةُ أنهم اتبعوا آلياتٍ وسياساتٍ فاسدةً وغيرَ شرعية، أيْ طرقاً وسياساتٍ مخالفةً للشريعةِ وتستبدلها بالقوانينِ الوضعيةِ في بعض الأمور؛ ورأينا بأنفسنا فشلَ هذا الطريقِ وإذلالَ اللهِ للكثيرِ منا بسبِبه؛ فبإذن اللهِ لن نقع في نفسِ الفخِّ مرة أخرى، ولن نسمح لأيِّ حزبٍ أو رئيسٍ أن يخدعنا نفسَ الخدعةِ مرةً أخرى. هذه المرة، إما آليات وسياسات تطبق قوانينَ اللهِ بحذافيرِها، ومن أولِ يوم...وإما الثورة مستمرة. ودعوتي لكل من يقتنع برسالتي هذه، هي أن يوحدَ الصفَّ تحت شعارِ رابعة وفي مظاهراتِ رابعة، مع دعوةِ الناسِ باستمرارٍ إلى التخلي عن شعاراتِ الشرعية، واستبدالِها بشعاراتِ الشريعة، ومع التماسِ العذرِ لأي مجموعات من الناس لا تقتنع بهذه الرسالة، والاستمرار في توحيدِ الصفِّ معهم. لماذا نعذرهم مؤقتاً ونوحد الصفَّ معهم؟ لأني رسالتي ليست ’لا للشرعية، ونعم للشريعة‘؛ بل أقول: الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة؛ أي أن شرعيةَ القائدِ أو الرئيسِ المستمدةَ من اختيارِ أغلبيةِ الشعب هي شرعيةٌ مؤقتةٌ وثانويةٌ ومشروطةٌ بتطبيقِ الشريعة؛ فنعم، لها وزن وأهمية، ولكن هذه الشرعية لا يمكن الاحتفاظ بها إلا بالشريعة. وبالتالي، يمكننا أن نعذر من منعته العاطفة أو قلة العلم عن الاقتناع برسالتنا في المرحلة الحالية، ويمكننا أن نوحد الصفَّ معهم على أية حال في هذه المرحلة، مع التركيز على رسالتنا والاستمرار في الدعوة إليها: الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة.

—ياسين ركه

ملحوظة: من أراد أن يسمع ويرى الأدلة على منطقيةِ وعدالةِ وصحةِ تطبيق الشريعة، كاملةً ومن أول يوم، وحتمية تطبيق الشريعة للاحتفاظ بإسلامنا نفسه، فليستثمر وقته لمشاهدة سلسلة «نصرةً للشريعة» للدكتور إياد قنيبي.

الأحد، سبتمبر 29

ردي على معارض للإخوان معتدل بعض الشيء

انت بتزعم إنك مش بتتفرج على أي إعلام، كويس؟ طيّب، جبت منين كل الأسطاير والأكاذيب اللي بتكتبها دي؟ سواء أساطير اغتيالات الإخوان وحريق القاهرة أو فشل مرسي الكامل ده؟ جبت الكلام ده منين؟ اخترعته انت من عندك، أم فيه مصدر إعلامي، سواء شاشة تليفزيون أو شاشة كمبيوتر جبت منها الأساطير دي؟

زي ما انت شايف، انت كلامك نفسه متناقض. وأغلبيته العظمى لا يستحق الرد أصلاً، لأن الرد يكون على كلام يمكن دحضه بالأدلة أو بالمنطق؛ لكن لما ييجي واحد ويقولك الحزب السياسي كذا بيقوم باغتيالات وحرق البلد وفاشل في كل شيء، فهذا هراء لا يستحق أي وقت أو كلام فيه.

وكونك مؤمن إن السيسي عمل إنجاز لما مشَّى مرسي والأمور دلوقتي أحسن، بدل ما كانت من سيء إلى أسوأ، برضو يناقض أول جملة كتبتها: ’بص يا ياسين انا الحمدلله اولا مش بتفرج على اى اعلام ولا منحاز لطرف ضد طرف‘. زي ما انت شايف، انت يا إما كذاب، يا إما عقلك ضاع وبقيت مش دريان بكلامك المتناقض. وغير كده، يعني إيه قائد جيش ’يِمَشِّي‘ رئيس دولة بالعافية؟! هِيّ السلطة دي سبهللة كده، مفيش قواعد ودستور وقوانين، سواء قواعد ديمقراطية أو قوانين إسلامية؟! منين بتحاول تكون عقلاني ومحايد في الأمور الغير واضحة أو ثابته، ومنين فشلت في الاعتراف بأبسط قواعد الديمقراطية، دعك من الإسلام والشرعية!

ودليل آخر على إنك فقدت العقل هو إنك بتساوي بين جرائم حرب وبين الشتيمة! قمة السفه عندما يكون هذا رأي أو فكر شخص ما. أنا في الفيديو بأقول هل عشان خصمنا بيقوم بجرائم حرب، يبقى إحنا نتجرد من الإنسانية نفسها تماما كده؟ مال ده بالشتيمة؟ هل الشتيمة، أو بمعنى أدق، الرد على الشتيمة، يعتبر تجرد من الإنسانية؟ انت مسكين، من ملايين الناس في العالم النهارده اللي مش عارفين يربطوا ما بين الأمور والأفكار. أنا في الفيديو بتاعي مش بأتكلم أصلاً عن الإسلام أو الدين بقدر ما أنا بأتكلم عن أبسط معاني الإنسانية. فكوني بأشتم اللي بيشتمني هذا لا يناقض ما ذكرته عن أنه حتى وإن كان خصمنا أو عدونا متجرداً من الإنسانية، فهذا ليس معناه أن نقلده أو نفعل مثله. تيجي انت تاخد المبدأ ده وتطبقه على شيء زي الشتيمة والرد على الشتيمة؟ هذه مغالطة عميقة، وتكاد تكون سفهاً وسوء فهم يرثى له لرسالتي في الفيديو.

وحلوه قوي ما تصدقش غير اللي بتشوفه بعينك. كتبت انت: ’انا واخد قرار من الاول انا لا هصدق اى فيدييو ولا اى صوره سواء لمؤيدى مرسى او مؤيدى السيسى لان كله بيتلعب فيه وكله ممكن يبقى صدق وممكن يبقى كدب فانا بتقى شر الفتنه واختار انى ماصدقش غير اللى اشوفه بعينى‘. ده على أساس إنك شوفت الأساطير اللي اتكلمت عليها في بداية تعليقاتك بعينك! على أساس إنك شوفت فشل مرسي، كرئيس دولة، وانت قاعد عندكم في الشارع بتاعكم...بعينك! تناقض آخر. يا ترى هل انت حتراجع نفسك عشان تثبت إنك فعلا عقلاني ومحايد خالص كده، أم حتقعد عندك تبرر وتبحث عن طريقة تدافع بيها عن نفسك وتحسن صورتك؟ اللي أعرفه إن الاعتراف بالحق فضيلة؛ وإن الإنسان المحترم لما تُقام عليه الحُجّة، بيراجع نفسه. لكن المغسول مخيّا بقه...هُوَّ اللي يكابر ويبرر بطرق غير منطقية ليساند المنطق الفاسد أو التناقض الذي صدر منه بالفعل من قبل.

ونشكرك على عدم النزول يوم ٣٠ يونيو وعدم التفويض. ده عامة حاجة في صالحك وسجلك تفتخر بيها على الأقل.

والدكتور محمد مرسي غلط في أمور، وهُوَّ أصلاً اعترف بذلك في خطابه الأخير لما كان لسه في منصبه. ممكن تسمع الخطاب كله كامل، سواء في نصف الوقت أو في الوقت الأصلي بتاعه، من على قناتي على يوتيوب. وتشوف بنفسك إن الراجل اعترف بالأخطاء، وحدد بعضها. لكن كل هذا لا يعني أن يُعزل بالقوة من منصبه؛ من جاء بالصندوق، لا يرحل إلا بالصندوق.

وإحنا لما أيدنا مرسي مكانش لينا حق؟ كان المفروض نسيبها لأحمد شفيق مثلاً؟ انت مش شوفت بنفسك عملوا إيه في المرشحين الإسلاميين؟

أنا لا يضايقني طول الكلام، طالما هناك فائدة فيما يقال. لكن ما يضايق هو التناقض والمنطق الفاسد والكِبر والانتصار للنفس بدلاً من الانتصار للحق، واتخاذ القرارت والآراء بناءا على عواطف (مثل عاطفة ’اصله مستفز قوي‘) بدلاً من أن يكون بناءاً على مبادئ وأفكار وحقائق موثقة.

أما عن الشتيمة وخلق الرسول، فلا أنا ولا أنت رسول، ولن نكون ولو واحد على مائة من الرسول عليه الصلاة والسلام. فكل ما نأمل فيه هو أن نقلد ما نستطيع من خلقه عليه الصلاة والسلام. بعد ذلك، ما أفعله أنا ليس محسوباً لا على الإخوان—لأني لست في الجماعة، ولا على الإسلام أو التيار الإسلامي، لأني لا أمثل لا الإسلام ولا التيار الإسلامي. كل ما أمثله هو نفسي وشخصيتي؛ وأنا شخص لا أسكت على الشتيمة، إلا إذا كانت فحشاً في القول، فوقتها أسكت وأقوم بحظر الفاحش الذي كتب الكلام؛ أما فيما عدى هذا، فأنا أرد على الشاتمين وأشتمهم وأسخر منهم وأحقر من شأنهم. وفي النهاية، لي شرف أني لا أبدأ، والبادئ هو الأظلم.

أما عن مخاطبة الناس بالتي هي أحسن، فهذا لا أعطيه لكل الناس، بل أختار من أعامله بالحسنى. أنت مثلاً لست متفاحشاً في القول، ولم يصدر منك هجوم، ولهذا فلم أسخر منك ولم أسبّك، ولكن وصفت بعض ما قلته بأنه سفه وأساطير؛ واستخدمت الكثير من التناقضات في كلامك في إثابت أنك قد تكون فقدت العقل. هذا كل ما في الأمر؛ بعد ذلك، فلم أسخر منك أو أسبك. وهذا تعاملي مع شخص مثلك، وهو تعامل مختلف تماماً مع أي حقير من مؤيدي السيسي ممن يأتون هنا فيسبون بأقذر الألفاظ؛ وهو أيضاً مختلف عن المعاملة الحسنة المتأدبة التي أتعامل بها مع الناس العقلاء والمحترمين الذين يستحقون مني الاحترام والمعاملة الحسنة. يعني باختصار، أنا لا أوزع الحسنى على كل الناس مجاناً، وإنما أختار من أعطيهم هذه المعاملة؛ وهذا لا يعيبني في شيء، وأنا لن أكون ولو ذرة في بحر رسولنا (ص) الذي بعث رحمة للعالمين.

وصح، في ناس كثير بيبقم فاكرين إنهم على حق، وفي الآخر بيكتشفوا إنهم كانوا غلط؛ وده حصل لي أنا شخصياً نتيجة للنسيان أو السهو. ولكن لا يُعقل أبداً إن الملايين اللي رافعين شعار رابعة، ومنهم كثير علماء ومشايخ وخطباء وحفظة قرآن وحديث وعلماء علوم كونية وأكاديميين وأطباء ومهندسين وقانونيين واقتصاديين، و...و...لا يعقل أبداً إن كووووول دُول غلط، والناس اللي بتيجي عندي تكتب كلام لا يمت بصلة للعقل أو المنطق يكونوا صح. لا يمكن أبداً يعني. أنا لم أصل إلى قناعتي اليوم في يوم وليلة، وإنما الموضوع أخذ مني متابعة وقراءة وتفكر وتحليل خلال السنتين الأخيرتين بعد الثورة؛ وأخذ مني رصد ومتابعة للفريق الذي يؤيد السيسي والانقلاب، وللفريق الآخر. أنا لا يوجد عندي أدنى شك اليوم من مئات الشواهد والأدلة الدامغة أنهم على باطل وأننا على حق. الحلال بيّن والحرام بيّن؛ والحق واضح أبلج لمن فقه وعقل!

—ياسين ركه

الأحد، سبتمبر 8

نقاش دار بيني وبين مسلم مثقف يؤيد السيسي

هذا النقاش أحياناً تطرق من موضوع السيسي نفسه إلى مواضيع أخرى ذات صلة وثيقة وأخرى ذات صلة ثانوية بالخصومة الجارية بين العسكر بقياداته والمتظاهرين بتوجهاتهم المختلفة، سواء الإخوان أو غيرهم.

كتب ذلك الشخص، ولا أذكر اسمه حفاظاً على خصوصيته:

“رايي الشخصي وطبعا لن يعجبك هههههههه... انا اثق فى السيسي مع الوضع فى الاعتبار ادميته بمعني اني اتقبل خطأه مادام الغرض هو مصر ... استاذ ياسين .. اصلاح الدولة ابدا لن يكون بهدمها ... تيار اليمين السياسي امتلك الفرصة فاعتمد هدم الدولة ... دع عنك الاتهامات ببيع سينا وحلايب وما الي ذلك من الكلام المرسل ..مثال واقعي لهدم الدولة هو ما قام به مرسي من عفو رئاسي لاشخاص مدانون بجرائم قتل ... فان كان نظام مبارك لفق لهم القضايا فلتكن عاقلا وتعيد محاكمتهم .. اما ان تصدر عفوا .. فقد ضربت بالقانون عرض الحائط .. فلا تتوقع مني احترام قانون انت اهدرته .... هذا النظام كان اضعف من التطهير ورغم ذلك تصدر المشهد بالاكراه فى اغلب الاحيان ... ومظاهر ضعفه اعلنت مع اول ايامه .. بل مع اول قرار لمرسي ...اتذكر قرار عودة مجلس الشعب ... لا اناقش هنا صحته من عدمه ولكن اناقش نتائجه ... انقسام البلد نصفين متساويين يا سيدي ... ثم استمرت مظاهر ضعفه بان اكتسب عداوات كان فى غنى عنها مع معظم طوائف الشعب .. القضاء ... كيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ان القضاة ثلاثة قاضي فى الجنة واثنان فى النار..ومين ...ده قضاه بيحكموا بما انزل الله مش بقوانين وضعية ... ثم تاتي لتقول لي تطهير القضاء ااصدقك ام اصدق رسولي الكريم ...اذن فدعواك لتطهير القضاء باطله .. ومع ذلم تفشل فىها .. الاعلام ... الصحافة ... الشرطة ... القوات المسلحة ... لم يتركوا كيانا للدوله الا وعادوه باي صورة ..اذن انت تهدم كيانات قائمة لم تستطع تقديم بديلا لها يغنينا عنها”

بالعكس، مرسي لم يعادي الداخلية ولا الجيش على الإطلاق؛ بل أصلاً مما ألومه على مرسي هو أنه صدعنا باسطوانة الجيش والحكومة إيد واحدة، والداخلية في انسجام تام مع الحكومة، وأهو الجيش إداله الخازوق التمام (عفواً في اللفظ) والداخلية بتدينا كلنا خوازيق النهارده. واسمع بعض خطابات الرئيس مرسي، حتلاقيه بيشكر في الجيش والداخلية وبيتكلم كويس عنهم.

بل الكثير من الثوار والإخوانوفوبيين وحتى بعض المفكرين الإسلاميين أنفسهم صدعونا باسطوانة ’صفقات الإخوان‘ مع العسكر. يبقى منين كان مرسي أو الإخوان بيعادوا الجيش أو الداخلية، ومنين كان فيه صفقات ومرسي كان بيُصِرّ في كل خطاباته إن الجيش تمام والداخلية في انسجام؟

عايز بقه تعرف مين اللي كان العداء صادر منه، افتكر منظر البلاك-بلُك وهُمَّ بيقفلوا طريق الكورنيش في الإسكندرية، والداخلية مصدّره الطارشة ولا كإن فيه أجهزة أمن في الدولة؛ افتكر منظر البلطجية وهُمَّ بيحدفوا مولوتوف على قصر الرئاسة، بل ويحاولوا يقتحموا القصر بالبلدوزر (!)، ومنظر ٦ إبريل وهُمَّ بيعلقوا رأس خروف مذبوح على بوابة قصر الرئاسة (!)، وكل ده والداخلية برضو مصدرة الطارشة، ولا كإن فيه دولة ليها هيبة ولا أجهزة أمن. شيء مخزي يعني. فدي أجهزة أمن لو كان عندها دم وضمير وإنصاف، لكانوا ردوا للحكومة كرامتها وحموا هيبتها من الإسفاف والوقاحة والإجرام ده. يبقى مين اللي كان بيعادي بس؟

وأظن إن موضوع العفو عن المعتقلين السياسيين ده لم يحدث إلا في حالات انعدام الأدلة. يعني في الحالات اللي كان المعقتل فيها دخل السجن بدون أصلاً محاكمة ولا أي أدلة، تم العفو عنهم لعدم تواجد أدلة إدانة (نعمل بيها أصلاً محاكمة أولى...مش ثانية! فاهمني؟). وبالفعل تم إعادة محاكمة البعض الآخر، لأني أتذكر قراءة خبر عن هذه المحاكمات.

أما عن هدم الدولة، فلا يوجد من ينادي بهدم الدولة في أي جهة كبيرة رسمية أو في صفوف متظاهري رابعة مثلاً. من عمل على هدم الدولة هو من عمل على هدم ديمقراطية الدولة، وبالتالي هدم الدولة. بذمتك يا أخي، وبضميرك الحيّ...أجب على هذا السؤال البسيط: لماذا لم يتم عمل استفتاء على رئاسة مرسي أو انتخابات رئاسة عاجلة بدلاً من خلع مرسي بالقوة؟

فيه إشاعة بتقولّك هُوَّ رفض. وهُوَّ أصلاً لم يصدر منه أي تصريح رسمي يقول كده. وهُوَّ النهارده مش موجود عشان يدافع عن نفسه، ولا فيه محاكمة عامة ليه تُعرض أمام الرأي العام على التليفزيون في حضور محامي له، كي يسمع الشعب أي تهم موجهة له ويسمع ماذا رفض مرسي وماذا قبل. لماذا لا يوجد محاكمة عامة تُبَث على الهواء على شاشات التليفزيون لرئيس مصر الذي خلعه العسكر؟ ولماذا خلعوه أصلاً بدلاً من إجراء انتخابات أو استفتاء ديمقراطي (ولو غصب عنه لو مش عايز!)؟

معلش يعني، خانك حكمك وانت بتثق في السيسي، وهُوَّ أصلاً اللي قتل الديمقراطية في مصر قبل ما يقتل أي مواطنين عزل. إحنا ما صدقنا يبقى فيه تدوال ديمقراطي للسلطة في بلدنا بانتخابات حقيقية وحملات انتخابية حقيقية ومرشحين حقيقيين من كل الاتجاهات (حتى من الفلول أو أعضاء النظام السابق مثل موسى وشفيق!). يقوم هُوَّ بعد كل ده، وبعد كل التضحيات والدم، بجرة دبابة كده يقتل الديمقراطية في أسبوع واحد؟! ثقة إيه بس اللي تضعها في قيادي مثل هذا؟ إنه قاتل للتداول السلمي للسلطة، وقاتل للديمقراطية في مصر، قبل أن يكون قاتلاً لأرواح.

“يا استاذي المعفو عنهم مدانوان باحكام نهائية وليسوا معتقلين ولم تعاد محاكمة احد ... اما ان خطابات مرسي ما كانتش ضد الجيش والداخلية فده صحيح تماما .. لكنه اطلق رجال جماعته عليهم .. خصوصا وقت موضوع الاتحادية ههههههه... وطبعا هما كانوا متخاذلين فى ديه مش هاكدب على نفسي ... اما انه ما رفضش الاستفتاء فطبعا اخر خطابين ليه كان واضح معناهم انه دمه ودم عشيرته فداء للشرعية .... نيجي بقى للديمقراطية وللشرعية ...قبل اي كلام عن التداول الديمقراطي للسلطة .. اذكرك بتصريحات اعضاء تيار اليمين بالكامل وعلى راسهم المرشد السابق اننا وصلنا للحكم ومش هانسيبه ولا بعد 500 سنة .. تصريح زي ده يرعبني طبعا ... مع زيادة المعارضة ودعوات انتخابات رئاسية مبكرة قالوا ايه ... فاضل سبع سنين لمرسي .. وثمان سنين لابو اسماعيل ... يعني حسم لنتايج تلات انتخابات رئاسية قادمة ... لازم طبعا اخاف من كلامهم ده ومش هاصبر عليهم لما ينفذوه ... اما عن الشرعية ... فلا يجوز الحديث عن شرعية شارك فيها وليد شرابي وحاتم بجاتو اللي الكل عارف هو طلع مناسب مين ... لا يجوز الحديث عن شرعية لم يتجرا مسئول واحد فى نظام حكم تيار اليمين فى طلب فتح تحقيق فى احداث المطابع الاميرية
لا يجوز الحديث عن شرعية استخدمت فيها منابر المساجد لتعلن صريحة ان من يخالفنا فهو فى النار ...هنا التزييف تزييف ارادة باستغلال الوازع الديني عند البسطاء ...وعندي امثله حقيقية كثيرة ان اردت سردتها لك بالاسماء .... اذن والحالة هذه .. وصوتي فى كل الاحوال مهدور ... والتزييف له من الصور ما تخجل الشايطين نفسها من استخدامه .. فلنترك الامر لمن يقدر عليه ..... حتما يا سيدي سنحارب .. وحتما المواجهة قادمة وليست بعيدة ابدا .. مادام الامر هكذا ..فامير الجيوش هو الاولى بالطاعة وان اخذ مالي وان جلد ظهري .. وذنبي فى رقبته ان ظلمني .. اما ان اتحمل ذنب امه فى رقبتي بان اعادي جيشا هو الاخير الذي يمكنه مواجهة اليهود واحقق لهم مخطط الهلال النظيف بعد هدم جيش العراق وتخريب جيش سوريا قهذا ذنب لا اطيق ان اقابل الله به يا سيدي ...”

موضوع تصريح المرشد بإن الإخوان مش حيسيبوا الحكم ولا بعد ٥٠٠ سنة ده تلفيق وإشاعة رسمي. بُص، أنا في تعاملي مع أي خبر، بأطالب بالدليل، حتى لو خبر ضد السيسي مثلاً؛ والدليل المقبول النهارده في عصر الفوتوشوب والأكاذيب والإشاعات اليومية ده هو حاجة من اثنين: إما فيديو يظهر فيه بوضوح التصريح أو الجريمة المتداول أخبارها؛ وإما منشور على صفحة رسمية تابعة للمتهم، يظهر عليها بوضوح أن المتهم في الإشاعة أو الخبر بالفعل قال أو كتب أو نشر ما يُقال عنه أنه قاله.

فهل سمعت بأذنك في فيديو المرشد بتاع الإخوان بيقول كده؟ إن كان، فأرجو أن تجد الفيديو وتعطيني الرابط؛ إن لم يكن، فأنا متأكد أنه خبر ملفق وإشاعة من مئات الإشاعات عن الإخوان والمرشد في ظل الإخوانوفوبيا التي نعيش فيها هذه الأيام.

وفي نفس الوقت، لا يجوز أن نلوم جماعة أو حزب سياسي إلا على ما يصدر منهم ومن أعضائهم هم شخصياً. يعني إذا طلع علينا أحد المشايخ، المحسوبين أصلاً على التيار الإسلامي، فقال كذا وكذا، سواء على منبر أو على شاشة قناة فضائية، طالما هذا الشيخ ليس إخوانياً وليس في حزب الحرية والعدالة، يبقى لا يجوز لأي عاقل أن يلوم الإخوان على سفاهات أي واحد بلحية عشوائي!

أما عن أمير جيشك المزعوم، فإذا كنت تتحدث عن الجيش المصري اليوم، فهذا جيش عالماني، يحظر عليك فيه اتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام المؤكدة، وهي إطلاق اللحية، ونفس النظام ينطبق على الشرطة المصرية...كلها مؤسسات أمنية عالمانية لا تعمل على حماية مصر أو إرادة الشعب المصري بأغلبيته (وإلا لكانوا أصلاً أجروا استفتاءاً أو انتخابات لنرى بها جميعاً رأي أغلبية الشعب)، بل هي مؤسسات أمنية مصرية تعمل على حماية العالمانية في مصر. هذه هي الحقيقة التي يبدو أنك لا تراها. والدليل الثاني هو أن قائد الجيش الذي تفتخر به رتبته ليست ’أمير‘ أصلاً، بل رتبة عالمانية. فإن كنت تظن أنك تقابل الله حتماً بدون ذنب عظيم عندما تساند جيشاً عالمانياً بكل معاني وشواهد العالمانية، بل وتسانده ضد قسم من الشعب يطالب برجوع حكومة إسلامية منتخبة ديمقراطياً، فأنت تقود نفسك إلى تهلكة، وتستخدم أعجب الأسباب لتبرر لنفسك هذا! أي إسلام هذا الذي يدعو أي عاقل أو منصف أن يؤيد السيسي أو الجيش المصري اليوم؟ لا والله، ليس إسلاماً؛ بل هو فِكر ناتج عن التلاعب في الإسلام ومعالجة تعاليمه معالجة موجهة.

كان يمكنني أن أعذرك إن كنت محايداً، أما وأنك تؤيد السيسي، بل وتنعته بالإمارة، وتزعم أن جيشه جيش إسلامي، فهذا ضلال واضح وبيّن، وما بعده ضلال. بل إنه ضلال دمويّ، لأن يدل على استعدادك للانضمام إلى صفوفه في قتل المزيد من أهل التيار الإسلامي، واستفزازهم إلى حمل السلاح للمقاومة. وقد تظن أنهم بالفعل حملوا السلاح، ولكن هيهات هيهات أن تكونوا رأيتم مجاهدين حقيقيين في مصر بالسلاح! أنتم لم تروا أي شيء مثل هذا على الإطلاق حتى الآن. ومثل هذه التوجهات الفكرية هي ما تدفع بمصر إلى هاوية تكرار سيناريو سوريا وليبيا. والمشكلة هنا هي أن الجيش المصري العالماني لن يستطيع التغلب على مجاهدين إسلاميين يقاومون بالسلاح؛ بل إن الجيش سيتم تدميره بالفعل (وهذا في صالح إسرائيل بالتأكيد)، أو ستظل حرب الشوارع مثل سوريا...لسنوات تفتح شلالاً من الدماء في مصر، وقد ينتهي بتدخل أمريكي إسرائيلي ل ’إنقاذ‘ الموقف، نفس الحُجّة التي تستخدمها أمريكا اليوم للتدخل في سوريا.

“ليه كده خليك هادي زي ماكنت هههههههههه... شوف يا استاذ ياسين ..انت ناقشتني فى كذا حاجة وما رديتش على اي نقطة من نقاط تفنيد الشرعية التي ذكرتها لك ... واتهمتني بالضلال ... وده مش عتاب لاني اصلا مش زعلان من كلامك .. .اولا يا استاذي .انا لم انعت السيسي بالامارة يا سيدي هي وظيفته وافقت او رفضت ... وعلى فكره مرسي هو اللي عينه ههههههههه... شوف يا سيدي .. انا لا استطيع ان اخرج السيسي او اي احد من الملة ...فهو عندي مسلم يتراس جيشا مسلما فلا معنى للجدال فى هذه النقطة لان تصنيف حضرتك غير تصنيفي ...سيدنا على بن ابي طالب عندما سئل عن الخوارج الذين حاربوه هل هم كفار .. قال من الكفر فروا ...والقران الكريم قال وان فئتان من المؤمين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما فقاتلوا التي تبغي .. فرغم البغي والقتل والدماء لم ينزع القران عن اي من الطائفتين صفة الايمان ناهيك عن الاسلام ... اما اني على استعداد ان اشارك السيسي فى قتل المسلمين فلن يحدث ان شاء الله لاني كبرت على التجنيد جدا هههههه.. اعني ان قلبي رافض قتل المسلمين ...كون السيسي تطرف وتسبب فى الدماء (هذا رايي فعلا ) فحسابه على الله وليس علي من حسابه شئ .. ولن يكون هذا معذرة ابدا لحمل السلاح فى مواجهته .. ليس لانه على صواب ولكن دراء لمزيد من الدماء وشرحت لك مقصدي قبلا ... اما وان الحالة وصلت للمواجهة الان فان من يحمل السلاح ضد جيش بلدي فهو عدو لبلدي وان كان مسلما ... يا سيدي ... لولي الامر حق اصيل فى القتل حدا ... فهل كل قرارات القتل حدا سليمه ... بالطبع لا ... ولكن حساب الولى هنا على الله وليس على ... وكما قلت لك .. السيسي ولي الجيوش .. قبلنا ذلك او رفضناه لن يغير من الامر شئيا ...وعلى فكرة ترك سنة مؤكدة كاطلاق اللحية لاينقص من اسلام المرء شيئا .. صحيح هو خسر اجر الاتباع لكنه مسلم .. ولا تنسي يا سيدي ان فى وصف الحبيب صلى الله عليه وسلم للمهدي انه سيأتي على هيئة الرووم ... الهيئة هنا قد تعني الملبس .. والمظهر من اللحية وخلافه ... وايضا قال صلى الله عليه وسلم عن المهدي ... يصلحه الله فى ليله ... ولا اعلام اصلاحا الا لفاسد .. لا اصف المهدي هنا بالفساد معاذ الله ولكن اقصد المعنى من انه قد لا يكون ملتزما دينيا مثلا ...فانظر قبل ان تصنف وان تحكم ....”

وأنا لم أقصد التكفير بنعتي للجيش بالعالمانية؛ حتى وإن كانت العالمانية نفسها كُفر، فهذا لا يعني أن أي شخص يعمل بها أو يؤمن بها، ولكن في نفس الوقت يوحد الله، يمكن أن يكون كافراً، لا. ولكن في نفس الوقت، ليس كل من تشدق بلا إله إلا الله لفظياً...مسلماً بحق. مثلاً، حتى وإن قال حاكم ما ’لا إله إلا الله‘، ولكن عندما يُطالب بتطبيق شريعة الله، لا يطبقها، فإن الله يقول في كتابه الكريم: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}—المائدة: ٤٤. هذا غير الأحاديث العديدة التي تعني أن من يفعل كذا وكذا، ليس منا...أي ليس من الجماعة، ليس من المسلمين. هل هذا يعني أنه كافر؟ لا، ليس بالضرورة. فمن فهمي للإسلام أدرك أن هناك مراتب في مسألة الانتساب إلى المسلمين أو الجماعة، ومراتب في مسألة التكفير أيضاً. ومعلوم أن الجيش المصري مليء بجنود مسلمين موحدين بالله، ولكن هل هذا يعني أن الجيش نفسه إسلامي؟ ليس بالضرورة، لا. لأن عقيدة الجيش المصري ليس عقيدة إسلامية، بدليل بسيط وهو معاداة الجيش لكل ما هو ديني داخل المؤسسة، بل وإلى مرحلة تحريم إطلاق اللحية! هل يجوز أن ننعت جيشاً مثل هذا أنه إسلامي؟ لا والله، لا يجوز. هل معنى هذا أنه كافر؟ لا، ليس هذا المقصود أيضاً. وإنما المقصود هو أن هذا ليس الجيش الذي يعتز به المسلم الغيور على دينه وأمته؛ وهذا ليس الجيش الذي سيهزم الصهاينة. إن كنت تقرأ في دينك جيداً، فأنت ستعرف هذا بالتأكيد؛ لأن الرايات السود تأتي من شرق شبه الجزيرة العربية أصلاً، حتى وإن انضم لهم بعد ذلك الكثير من العرب.

وباختصار، هذا جيش يستورد حتى مصطلحاته من أمريكا، وليس فقط عتاده وأسلحته! ’الحرب على الإرهاب‘ مصطلح أمريكي أصلاً، والمفترض أنك والأستاذ سامح تدركون هذا جيداً. ليس كافراً وليس المقصود التكفير، ولكنه ليس جيشاً إسلامياً بأي حال من الأحوال؛ وإن اعتدى على مسلمين بالسلاح، فالوقوف مع جيش مثل هذا حرام عند أي مسلم عاقل. ليس شرطاً أن تحمل السلاح للمقاومة إذا حدثت مقاومة مسلحة، أي ليس شرطاً أن تساند المقاومة المسلحة له كي تحتفظ بإسلامك خالصاً ونقياً، ولكنه شرط أن تتحدث ضد اعتداء مثل هذا الجيش على الأقل، وإن كنت محايداً بعد تلك النقطة، يكون شاهد حياديتك هو أنك لا تعين الطرف الآخر على الجيش ولن تلوم على الجيش على أي شيء في اللحظة التي يتوقف فيها عن العدوان المسلح.

ويبدو أنك تضع ’بلدك‘ قبل ’دينك‘ يا أستاذ خالد؛ فأنت تقول أن من يرفع السلاح ضد جيش بلدك يكون عدو بلدك وإن كان مسلماً. والطريف في الأمر هو أن ردي بابتسامة هو: تمام، مفيش مشاكل. هُوَّ ساعتها فعلاً عدو بلدك، وفي سياق كلامنا، هو فعلاً مسلم؛ وإيه المشكلة إن المسلم يبقى عدو بلدك العالمانية يعني؟

واخد بالك أن أقصد إيه؟

ولائك لمين الأول؟ الله أم ’الأمير‘؟ ولائك لأي شيء أولاً، الإسلام أم الوطن؟ أنا عن نفسي ولائي الأول لله وللإسلام، والإسلام وطني ولا وطن ليه سواه. فإن كانت دولة مصر دولة إسلامية، فهي وطني؛ إن لم تكن دولة إسلامية، توقفت عن أن تكون وطني. وإن كان جيشها إسلامي، فهو جيشي وألبي ندائه؛ أما إن كان جيشها عالماني، فهو ليس جيشي ولا يمثلني ولو قال قائده لا إله إلا الله شفهياً وتبعه بعض المسلمين.

أما عن ترك السنة الواجبة فهو حرام. لا أعرف ما إذا كنت تدرك أن أئمة مذاهبنا الأربعة أفتوا بأن حلق اللحية حرام، أم لا تدرك، ولكن حلق اللحية حرام في مذاهبنا الأربعة، ولم يفتي بأنه مباح أو مكروه أو ما شابه إلا بعض الأئمة المعاصرين. ونعم، فعل الحرام لا يخرجك من ملة التوحيد، ولكن! ولكن تقنين الحرام؟ تجعل الحرام قانوناً وتجبره على جنودك؟ نعم، يا أخي، هذا يخرج من الملة! يعني واضع هذا القانون في الجيش والشرطة كافر؛ من وضع القانون ومن يعمل على استمرار هذا القانون كافر. وجهله ليس عذراً.

وليس المقصود من إصلاح المهدي تدينه يا أخي، ولو حتى مثلاً؛ ليس المقصود حتى قلة تديّنه، فإن قلة أو عدم التدين فساد؛ وإنما المقصود أن الله يقيمه إلى الأمر العظيم ومسئولية الأمة في ليلة، والله يحسن إليه بالمدد والرعاية العظيمة والإرشاد في ليلة. وهناك دلائل قرآنية على أن معنى الإصلاح ليس شرطاً فقط في الأخلاق، مثل الآية {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١٩﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ (٢٢٠)}—البقرة. هذا غير دليل قرآني آخر لا علاقة له بكلمة ’صلح‘، ولكن يتضح منه أن المعنى في الحديث لا يمكن أن يكون متعلقاً بالفساد أو حتى قلة التدين: يقول الله تعالى محدثاً رسول الله (ص) {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ}—الضحى: ٧. فما معنى الضلال هنا؟ عندما تجيب على هذا السؤال، سيمكنك أيضاً أن تفهم معنى إصلاح الله للمهدي في ليلة.

“هههههههههه صدقني انا مستمتع جدا بالنقاش معاك ... يا استاذ ياسين الامر بحلق اللحية فى القوات المسلحة ليس لانها مظهر ديني معاذ الله ... انما لظروف الخدمة فى اماكن اغلبها صحراوي وقلة المياه للنظافة لايام قد تطول وطبيعة بلادنا الحارة نهي الجيش عن اي شعر فى الجسم حتى شعر الراس .. من باب النظافة ومنعا لانتشار اي حشرات او مراض ... ومش عايز اقولك كان بيتعمل فينا ايه فى الجيش لو حد سايب شعر ابطه ووالله لان خدمتى كانت فى فترة صعبة شوية كان الميري شديد عن العادة وكان مساعد كتيبتي بيتطرف فى التفتيش لحد شعر العانة .. ومعاه الولاعه .. اللي يلاقي فيه شعر فى اي حتة فى جسمه يحرقهوله فى الطابور ... المسالة مالهاش اي علاقة بالدين .. واعلم ان اجماع الائمة بتحريم حلق اللحية ....اما عن الولاء لله ولا للوطن فبمنتهي الصراحة انا مش شايف تعارض ... فمكة ارض صناديد الكفر وبرغم كل مافعلوه فى حرب محمد واصحابه الا ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال حين اجبر على الخروج منها والله انك لاحب بقاع الارض الي قلبي ... الي اخر الحديث ... هنا الاشكالية فعلا ...مافيش اي تعارض بين ولائي لديني وولائي لبلدي ... لان ما حدش فى بلدي حاربني فى ديني ...وبمنطق حضرتك يبقى اي حد مسلم عايش فى بلد زي امريكا او انجلترا ولا الدانمارك وكل اللي حصل منهم مثلا لازم يحارب الدولة اللي هو بياكل فيها عيش ولا مثلا لو فيه مراسل صحفي سعودي لوكالة انباء زي رويترز مثلا بيبعت لهم اخبار من مكه يبقى خاين للاسلام ولا بيحارب الاسلام ...اما عن الحاكمية يا سيدي وانه لا حكم الا بما انزل الله فهي طبعا كلمة حق من القران ولكنها يراد بها احيانا الباطل ... والقران يا سيدي امرنا فى بعض الاحيان بالاحتكام لبعضنا البعض ...في قوله ابعثوا حكما من اهله وحكما اهلها مثلا ... ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مر بقوم يلقحون نخيلا لهم فقال لو لم تفعلوا لصلح ... فلما نفذوا امر الرسول صلى الله عليه وسلم وامتنعوا عن التلقيح اخرج النخل بلحا ردئيا .. فقال لهم الحبيب صلى الله عليه وسلم انتم ادري بشئون دنياكم ... حاذر يا سيدي من فخ الخوارج فى موضوع الحاكمية بالذات ... اعاذنا الله واياك ان نقع فىه .. وفهمت وجهة نظر حضرتك فى موضوع اصلاح المهدي”

أسباب حلق اللحية التي لقّنوها لك هي أسباب واهية، بل وأسباب نابعة من جهل عالماني. فالعالمانية علمها يقتصر على العلم الكوني والدنيوي المعاصر، وهو دائماً علم بدائي، تثبت بدائيته بعدها ببضع عقود من الزمن. فإن العلم الحديث بدأ في اكتشاف فوائد طبية وصحية للحية الرجل، ومنها حماية الأجزاء الحساسة من الوجه من الأشعة الضارة وتقليل نسبة الإصابة بسرطان الجلد؛ وكان هناك بحث أسترالي في هذا الشأن منذ فترة. وقد ذكر خبر البحث زيادة عدد المشاهير الرجال الغربيين ممن يطلقون لحاهم.

هذا غير أن هذه الحجج الواهية لحلق اللحية تكاد تتطابق مع حجج بعض النساء لعدم ارتداء الحجاب: ’أصلي الدنيا حر قوي، أتنفس إزاي بإيشارب في الحر ده، دانا أفطس وأموت في الجو بتاع بلادنا الحارة ده لو لبست حجاب‘، وإلى آخره من حجج واهية تسول لهن أنفسهن الاقتناع بها.

بناءاً عليه، فلا الجيش ولا الشرطة براء من الذنب، أو قياداتهم الآثمة ليست بريئة من الذنب لأن هدف تقنين الحرام ليس دينياً، بل عالمانياً! لا زالوا مذنبين، لأنهم فضلوا الجهل العالماني بأسبابه الواهية على طاعة الله وأوامره سبحانه وتعالى. الذنب لابسهم لابسهم يعني.

أم عن الولاء، فإن لاحظت في كلامك أنت نفسك، ولائك لم يكن في الأساس إلى أرض مصر وأمان شعبها، بل ولائك للجيش ولقائد الجيش (سميه ما شئت)، أي ولائك ’مُشَخْصَن‘ في أشخاص محددين، أنت بنفسك وفِكرك اخترت ولائك لهم، في نفس الوقت الذي اخترت فيه عدائك لخصوم هؤلاء الأشخاص. أليس كذلك؟ أليس هذا وصفاً دقيقاً جداً لموقفك الآن؟ فمثالك عن أن مكة كانت أحب بقاع الأرض لرسول الله (ص) مثال لا يليق بسياق حوارنا أو موقفك الآن. فأنا لا أتحدث عن وادي النيل ولا أتحدث عن الصحراء الغربية أو سيناء، بل أتحدث عن القيادات والأشخاص القائمين على هذه الأرض الآن. مثلاً، نفس هذه الأرض، كان قائم عليها ويقولدها في يوم من الأيام فرعون، الذي قال لبقية شعبه المصري: ’أنا ربكم الأعلى‘. فتخيل أنك في عهده، وعندك أسباب تراها منطقية، بل وأسباب دينية أيضاً، تسول لك أن يكون ولائك لجيش هذا الرجل، جيش فرعون، ضد موسى وبني إسرائيل...ووقتها يكون لك أسباب أقوى حتى من أسباب اليوم، لأن بني إسرائيل أصلاً كانوا يعتبرون أجانب ومواطنين درجة ثانية، فليسوا حتى مصريين في أعين فرعون وحاشيته وجيشه ومؤيدينه؛ يعني وقتها عندك سبب أقوى للوقوف مع فرعون وجيشه ضد هؤلاء ’الأجانب‘...الأجانب الذين يقودهم نبي الله موسى عليه السلام. في موقف مثل هذا، أين يكون ولاء الموحد الحقيقي، المسلم الذي أسلم أمره ووجهه لله حنيفاً؟ مع فرعون وجيش فرعون، أم مع بني إسرائيل المستضعفين وموسى؟ حتى وإن كنت تحب مصر وأهراماتها، فولائك لمصر نفسه يحتم عليك كمسلم أن تحب لمصر الخير، والخير كل الخير في الإسلام، فتحب لمصر الإسلام. وبالتأكيد فرعون لا يمثل الإسلام لله ولا يمثل التوحيد؛ أما هؤلاء الأجانب المستضعفين ونبيهم موسى، فهم يمثلون التوحيد والإسلام لله وحده، فيجب عليك نصرتهم، وتطهير أرض مصر من طغيان فرعون وجيشه الطاغي.

أظن أن موضوع الولاء والوطنية اتضح الآن ما أعنيه عنه بمثال فرعون وجيشه المصري أمام موسى وبني إسرائيل الأجانب. فأعيد السؤال: ولائك لمن؟ لله وللإسلام أولاً، أم لأشخاص يحكمون أرضك أولاً؟ لا تشخصن وطنيتك وحبك لأرض ما، حتى لا تقع في الذنب، أو الأسوأ...الكفر نفسه!

أما عن المحاربة، فلا، نحن لا نحارب الآخرين عشوائياً، بل نحارب فقط من يحاربنا، بل وبالأخص من يبدأ بالعدوان. وأظن أنه بعيداً عن الكلام المرسل والإشاعات عن بدأ الإخوان بالاعتداء المسلح والإرهاب وإلى آخره من إتهامات لم نرى دليلاً واحداً عليها...بعيداً عن كل هذا الهراء، المنصف يرى أن قوات الأمن المصرية هي التي بدأت بالعدوان على متظاهرين عزل، بل وبدأت بالقتل الصريح لهم، أو الأدق، الإبادة الجماعية لهم. صور وأسماء الشهداء المعروفين بالمئات، فما بالك بمن لا نعرف أسمائهم.

أما عن الحاكمية، والاحتكام لبعضنا البعض، فهو بالضبط ما وصفته أنت، هذا كلام أحياناً يصبح حقاً يراد به باطل. أن الله كما شرع للزوجين الإتيان من حكم من أهلها وأهله، فالله أيضاً قال: {نِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}—الأنعام: ٥٧. وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}—النساء: ٦٥. والرسول (ص) قال في الحديث الصحيح: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ.» يعني الكلام واضح جداً إمتى نحتكم لبعضنا البعض؛ نحتكم لبعضنا البعض أو للقضاة والحكماء والمفكرين والأئمة اللي فينا في أمور عليها جدل ونقاش ومش واضحة؛ زي ما إحنا قاعدين نتجادل كده دلوقتي. ماهُو لو كان لينا كبير، مكناش قعدنا كده نهاتي في بعضنا، وكنا أرجعنا كل هذه القضية لكبيرنا وخلصنا. وبناءاً عليه، ففي أحكام شرعية واضحة ولا جدال عليها. يعني الحلال بيّن والحرام بيّن. والدليل القرآني يثبت بمنتهى الوضح أن من لم يحكم بأحكام الله، فهو كافر. وأصلاً كل هذا لا علاقة له وثيقة له بالخوارج، لأن الخوارج هم أشبه بفوضويين أو أناركيين عهد الخلافة الإسلامية؛ فإن من آراء الخوارج ’عدم حاجة الأمة الإسلامية لخليفة زمن السلم‘، وهذا هو بالضبط الفِكر الفوضوي أو الآناركي Anarchist.

أما نحن فلا نتحدث عما إذا كان هناك حاجة إلى حاكم أم لا (أو أن الشعب يحكم نفسه!)، بل نتحدث عن صاحب الحاكمية، وبديهي عندنا أن صاحبها طرف محدد، ولا يجوز أن يكون ’لا أحد‘. والفرق بيننا وبين العالمانية هو أن الحاكم عندنا هو الله، ووظيفة القاضي أو القائد أو الحاكم البشري هي أن يقيم حدود الله ويتأكد من تحكيم الله في الأرض. فإذا أصبح القائد يحرم الواجبات الإسلامية ويفرض الحرام، خرج ذلك القائد من الملة كلها، دعك من كونه لا يصلح للإمامة أو القيادة أو الحاكمية بعد ذلك.

—ياسين ركه

الخميس، أغسطس 22

شعب رداح بالتلقين!

القراءة الصوتية للمقالة

هُوَّ الصوت العالي والردح العوالمي والجعجعة والتهزيء العَلَني من المذيعين المصريين على التليفزيون أمام الشعب كله ده المفروض إنه يكون ’إعلام‘؟ المفروض دي برامج تليفزيونية؟ والشعب قاعد بيتعلم إزاي ينقد وإزاي يرفض وإزاي يتكلم من المذيعين دُول؟ هُوَّ ده مصدر تلقين شعبنا وأطفالنا ومراهقينا والبسطاء وكمان المتعلّمين أنفسهم بحُكم العادة والتعود و’أُلفة‘ القبح والإثم والإسفاف؟ تخيّل لما المواطن المصري، سواء متعلم أو غير متعلم، ’يألف‘ الإسفاف والجعجعة والصوت العالي في النقد والرفض! عارف يعني إيه أُلْفِة القبح؟ إنك تألف القبح وتاخد عليه وياخد عليك؟ إلى إنه يصبح ده...العادي؟!!

الناس دي لو مكنش فيه جمهور ليها بيفتح التليفزيون ويبعت كل واحد فيهم الإشارة (السِجْنال) إن مُشاهد آخر عمل اتصال أو صلة ما بين جهازه في البيت والبث التليفزيوني من البرج، لو مفيش جمهور بيفتح ويتفرج ويزوّد شهرة البرنامج، لا يمكن كان البرنامج يستمر. اللوم مش على المذيعين واللي مشغلينهم فقط، وإنما اللوم على مئات الآلاف أو الملايين اللي بيتفرجوا.

محدش يقول لي إحنا شعب ’متدين‘ بالفطرة...إحنا شعب تافه بالفطرة، شعب سفيه بالفطرة، شعب جعجاع وحلانجي وفهلوي ورَدَّاح بالفطرة! في الحقيقة...الجنس البشري كله، سواء عرب في قبائل بدوية بتدبّح في بعض عشوائياً بسبب وبدون سبب قبل ما يهذبهم الإسلام، أو قراصنة اسكندنافيين (فايْكِنْجْزْ) في قرى همجية بتعمل غارات على بعضها البعض وعلى جيرانها بسبب أو بدون سبب قبل ما تهذبهم المسيحية الأصيلة قبل ظهور الإسلام، الجنس البشري كله...همجي ودموي بالفطرة، لولا رسل الله ورسائل الله له—الجنس البشري. وإن لم يكن شعبٌ ما دموياً لأن القوانين تمنعه، فهو مريض لا محالة بدون الله (ولنا في اسكندنافيا اليوم عبرة وأنا منهم).

لكن غالباً، تكرار كلمة ’بالفطرة‘ هنا غلط ولا يجوز؛ غالباً، أنا غلطان إني أكرر الكلمة في هذا السياق. أعتذر؛ مش للشعب ولا للجنس البشري، وإنما أعتذر لله سبحانه وتعالى. لأن اللهَ يقولُ في كتابهِ الكريم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}—سورة الروم: ٣٠. يعني إحنا كجنس بشري لو لينا أي ميزة بالفطرة، فإحنا موحدين مؤمنين بالله وحده ومستسلمين ليه بالفطرة. إذن، فما هي المشكلة؟ ومن أين أتت كل هذه الدموية والهمجية؟ في فهمي، هي أتت بالتلقين. فكما أن ’كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه‘، فكل مولودٍ بالتأكيد يولد على الفطرة السليمة، فأبواه ومعلمينه وإعلامه وحكومته وقنواته التليفزيونية ورموزه التاريخية يفقدونه إنسانيتَهُ ورفيعَ خلقِهِ وتحضرهِ وأدب حواره وكلامه. فقد نكون شعباً وجنساً بشرياً موحداً وإنسانياً بالفطرة، ولكننا نتحول إلى همج ورعاع وحيوانات بالتلقين والتعليم والتقليد من رموزنا الحاضرة، ومنهم مشاهير وإعلاميين همج ورعاع.

نعم، يا سادة، إننا شعبٌ…رَدَّاح بالتلقين.

—ياسين ركه

الخميس، يوليو 18

من منا على حق؟

كيف يطمئن قلبك أنك على حق في هذه السنوات الخدّاعة؟ بطرق كثيرة، منها القراءة والتعلم من مصادر مختلفة—بل ومخالِفة لبعضها البعض، ثم التفكر؛ ومنها التحدث مع ممثلين لكل جانب والتعرف عليهم (والتحدث معهم لا يعني إلقاء الاتهامات عليهم ووضعهم في قفص المجرم كي يدافعوا عن أنفسهم)؛ ومنها أيضاً أن تلاحظ نوعية الأشخاص الذين يرددون اسطوانات محددة.

يعني مثلاً من ضمن ما لاحظته شخصياً هو أن الأغلبية العظمى من الناس التي تكره الإخوان والسلفيين اليوم، أصلاً لم يكونوا متدينين عندما عرفتهم أيام المدرسة والجامعة؛ واليوم الإناث فيهم غير محجبات وواضح كرههم للحجاب أو النقاب (وهذا يختلف عن التي تدرك أن الحجاب فرض فتحتشم إلى حد ما وتتمنى الهداية؛ ولا، الحجاب ليس المعيار الوحيد لتدين الأنثى ولكنه بالتأكيد أحد المعايير المهمة وهو عنوان الكتاب أو عنوان الجواب؛ وإذا كان الحجاب سطحي ولا داعي للاهتمام به، فالجلد سطحي ولا داعي لتنظيفه أو تجميله؛ هذه عينة من الحوارات مع الليبراليات)، والذكور فيهم واضح من اهتماماتهم اليوم أن الدين عندهم أقصى ما فيه صلاة الجمعة ’وكام فرض كده على ما قُسُم‘ كل حين وآخر؛ باختصار، ناس لم أعرف عنها الطيبة والصلاح، لا في الماضي ولا اليوم. هذه هي عينة الأغلبية العظمى من كارهي الإخوان ممن أعرفهم معرفة مُسبقة. على الجانب الآخر، الكثير ممن كنت أعرف عنهم الصلاح ورشاد العقل والثقافة أيام المدرسة والجامعة أجدهم اليوم من مؤيدي المشروع الإسلامي وبالتالي يقفون مع السياسيين ذوي المرجعية الإسلامية، سواء إخوان مسلمين أو غيرهم؛ هذا بالإضافة إلى أن معظم من عرفتهم في السنتين الأخيرتين، من الإخوان المسلمين أنفسهم ومن مؤيدي المشروع الإسلامي الذين لا ينتمون إلى أي أحزاب أو مدارس فِكرية إسلامية محددة، أكاديميون ومن الحاصلين على الدكتوراة وممن يجيدون على الأقل لغتين بطلاقة وممن يكتبون بلغة راقية تدل على الثقافة والخلفية الأكاديمية؛ باختصار، ناس محترمة. وعندما نتحدث في السياسة، نخاطب عقول بعضنا البعض، لا قلوب وعواطف بعضنا البعض؛ وبالتالي، لا تجد في حواراتنا مكاناً للكراهية أو الغضب أو السباب، بل هي حوارات عن الأحداث والشواهد والأدلة والمنطق والتاريخ والدين وكتاب الله وسنة رسوله (ص). وأجد أن العلاقات بين الأمور والأفكار في حواراتنا علاقات صحيّة منطقية وصحيحة، وليست علاقات مشبوهة أو عجيبة أو محيّرة من النوع الذي يجعلك تهتف: ’هُوَّ مال ده بده؟!‘ ما أكثر ما أجد نفسي في حاجة إلى أن أهتف بتلك العبارة مع الإخوانوفوبيين والليبراليين وأعداء المشروع الإسلامي عامة.

ونفس المقياس يمكن تطبيقه على المشاهير والإعلاميين. عندك مثلاً شخص مثل جابر القرموطي؛ اقرأ كلامه ولاحظ أنه اسطوانة مماثلة جداً للكثير من الببغاوات هنا على فيسبوك وبقية المواقع الاجتماعية. يقول جابر القرموطي: “إن اعتصام رابعة ليس اعتصامًا ولا يوصف بأي كلمة غير كلمة "مبيت دائم" ومبيت "غير صحي". ونفى أن يكون عددهم ٢ مليون، وتساءل: لو كلامهم صحيح أحب أسألهم، بيستخدموا "الحمام" إزاي وفين؟ وطالب القرموطي بضرورة أن يكون هناك عقلاء يتوسطون لفض "مبيت" رابعة الذي لن يدوم إلى ما لا نهاية. ووصف القرموطي ما يحدث من الإخوان من عنف وفوضى بأنه سيزيد من الفجوة بينه وبين الشارع، وأضاف: الشطارة ليست منصة وعلم وميكرفون وصوت عالي، بل رجل الشارع هو الذي يقول رأيه وليسوا هتيفة الميدان. واستطرد القرموطي: "ارحمونا! ليس بالكحك والبسكويت تحل الأمور، والعنف ليس المخرج الآمن لكم."”

أليس هذا المزيج من الكذب الوقح والسفاهة المنمقة يكاد يكون صورة طبق الأصل من اسطوانات بعض معارفنا اليوم في مصر، سواء من الأهل أو زملاء الدراسة والعمل أو مغيبين يكتبون تعليقات على المواقع الاجتماعية؟

ثم شاهد مشاعر جابر القرموطي تجاه الرئيس السابق محمد حُسني مبارك:
http://www.youtube.com/watch?v=EYSE_OCoe8A

وهذا العذر البائس لإعلامي هو مجرد مثال من أمثلة أخرى كثيرة يتعلم ويتلقّن منها الببغاوات والمغيبون الأعذار المثيرة للشفقة لما هُم عليه من لا فِكر ولا وعي ولا منطقية. ماذا ننتظر من مساكين يأخذون الثقافة والمنطق من باسم يوسف ويتعلمون التاريخ الإسلامي من إبراهيم عيسى ويتذوقون الحكمة من توفيق عكاشة؟

شكراً لهذه العيّنات من أشباه البشر...يمكن لبعضنا الاطمئنان على فِكره أحياناً.

—ياسين رُكَّه

الأربعاء، يوليو 17

بعيداً عن مرسي والإخوان والسلفيين، وفي قلب القضية

عزيزي مؤيد المشروع الإسلامي، قبل أن تتحدث مع إخوانوفوبي أو إسلاموفوبي أو ليبرالي متأسلم، مؤمن إيماناً شديداً بأن الإخوان والسلفيين منافقين متأسلمين انتهازيين، اسأله هل يؤمن بأنه لا دين في السياسة؟ اسأله ماذا يفعل الشعب المسلم بالقوانين الإسلامية؟ ناقشه في شمولية الإسلام، أو أن الإسلام نظام إدارة كامل لكل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان. وشاهد فيديوهات واقرأ مقالات—وكتباً إن أمكن—واقرأ مناقشات في هذا الموضوع على المواقع الاجتماعية ومنتديات النقاش، كي ترى كيف يتناقش الناس في هذه القضية، وما هي النقاط المقنعة فيها، والدلائل القرآنية والسنية والمنطقية التي يمكن إثبات وجهات النظر بها.

إن لم يقتنع بشمولية الإسلام وأهميته كمنظومة قانونية ونظام حُكم، فلا يمكن أن يقتنع بأن أي سياسي ذي مرجعية إسلامية خالص النية. يجب أن يقتنع أن السياسي ذا المرجعية الإسلامية له ضرورة، لأنه طالما يؤمن بأن ليس له أي أهمية، فسيظل يؤمن أن ما يُدْعَى ب’الإسلامي‘ هو شخص متسلق وتاجر دين وإلى آخره.

القضية في جذرها ليست قضية الإخوان أو السلفيين أو اللحية، وليست حتى قضية رجوع د. محمد مُرسي (وإن كان هذا هو الحق بناء على الديمقراطية لأن من أتى بانتخاب يجب أن يرحل بانتخاب أو استفتاء)، وإنما هي قضية الرضا بالقوانين الإسلامية وقبول الإسلام كنظام لإدارة الدولة والمجتمع، أو نظام للحُكم. ابدأ بهذا، ثم بعد الانتهاء منه—إن انتهيت، يمكنك الحديث في دلائل التطبيق المخْلِص لأي جهة، سواء الإخوان أو السلفيين أو أبو إسماعيل، للقوانين الإسلامية واستخدام الإسلام كنظام حُكم.

وهذه هي القضية التي تستحق التمسك بها؛ لا يعنينا أصلاً إذا كان من يطبق الإسلام كنظام حُكم من الإخوان أو من السلفيين أو مستقلا؛ ما يعنينا هو أن يتم بالفعل هذا التطبيق. بعد هذا، نختار من السياسيين المتاحين ذوي المرجعية الإسلامية بحسب الجدارة لإدارة البلاد. فمثلاً، من يختار الإخوان قد يختارهم لأنهم أقدم مؤسسة خيرية وحزب سياسي معارض في تاريخ مصر ولأنهم بارزون في الإدارة؛ ومن يختار السلفيين قد يختارهم لأن تطبيقهم للإسلام سيكون ’الأحوط‘ اتجاهاً والأكثر بعداً من الشبهات أو الأصح من منظورهم؛ ومن يختار أبو إسماعيل قد يختاره لأنه مستقل عن هؤلاء وهؤلاء إلى حد كبير، وقد ينجح في جمع الأطراف على قضية واحدة لاستقلاليته هذه. وقتها نكون متفقين على المبدأ وعلى نظام الحُكم، ومختلفين فقط فيمن نراه الأنسب للمرحلة. وهو اختلاف لا يسمح للكراهية أن تنمو فيه.

فمرة أخرى، لنحاول قدر الإمكان أن نقنع الآخرين بالقضية نفسها، بالمشروع الإسلامي نفسه، بالقوانين الإسلامية وأهميتها، بالإسلام كنظام حُكم. إقناع الناس بشيء مثل هذا أسهل بكثير من إقناع الناس بأن الإخوان—مثلاً—حلوين وقمامير أو أن د. محمد مُرسي حَبُّوب!

—ياسين رُكَّه

الجمعة، يوليو 5

هل هي فتنة وانقسام بين مجتهدين اليوم؟

لا علاقة حقيقية بين الفتنة وقت معاوية وعليّ بن أبي طالب والانقسام الشعبي في مصر اليوم، وهذا ليس لأنه لا يوجد مقارنة بيننا وبين الصحابة، بل إن المقارنة أحياناً صالحة طالما حافظنا على مكانة الصحابة كلهم وعرفنا فضلهم علينا جميعاً، وإنما لا يوجد علاقة حقيقية أو مقارنة صالحة لأن الاختلاف وقتها كان بين صحابين جليلين، فضلهما الاثنين على رأسنا، عليّ بن أبي طالب وهو غنيّ عن التعريف، ومعاوية بن أبي سفيان، كاتب الوحي وقائد الجيوش الإسلامية. يعني إن شئنا أن نقارنه باختلاف في الوقت المعاصر، لكان واجباً أن نقارنه بموقف بين رجلين قائدين يريدان أن يطبقا شرع الله وقوانينه مثلاً، بغض النظر عن هويتهما؛ وبناءً على الوضع السياسي في مصر اليوم، لا يوجد شخصيات مثل هذه يمكن أن تأتي من أي أحزاب إسلامية سوى حزب الحرية والعدالة وحزب النور وحزب الراية (حازم صلاح أبو اسماعيل). ولا أقول أن أي شخص يأتي من هذه الأحزاب يصبح في منزلة الصحابة—لا سمح الله، بل أقول أنه إن اختار أي من هذه الأحزاب قائداً للولاية أو للوطن، فهذه القادة هم من يمكن مقارنة الاختلاف بينهم أو عليهم بالاختلاف بين صحابيين جليلين، ولا مقارنة بين منزلة الصحابة الجليلة ومنزلتنا المتواضعة. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل أهل المعارضة اليوم معهم قائد من حزب أعلن صراحة هدف تطبيق شريعة الله وقوانينه؟ هل مثلاً حركة تمرد تريد شخصية سياسية سواء من حزب الحرية والعدالة أو حزب النور أو حزب الراية؟ هل يريد الفنانون المصريون قائداً من هذه الأحزاب؟ هل يريد الأقباط قائداً من هذه الأحزاب؟ الفلول؟ هل يريد أي مُعارض اليوم رئيساً ذا مرجعية إسلامية ويعرف من هو؟ أم أنهم جميعاً يبحثون عن قائد ليبرالي أو عالماني أو عسكري؟

وبناءً عليه، فلا مقارنة على الإطلاق هنا. وإذا كان أهل المعارضة فيهم كل هؤلاء الذين ذكرتهم (وجهات أخرى تحارب الإسلام والشريعة سراً وعلانية)، ثم انضم إليهم بعض ما نعرف عنهم التديّن (والله أعلم بالقلوب)، فلا يسعني سوى أن أقول: خسارة، وإنه لشيء مُحزن.

حقيقة، لا يمكنني أن أتخيل...كيف يقف مُعارض مسلم متدين اليوم في ميدان التحرير بجانب الفلول أو مؤيدي نظام مبارك وبجانب الليبراليين وبجانب العالمانيين وبجانب الكثير من الفنانين الكارهين للشريعة والسنة وبجانب الفوضويين والأقباط (من الذين لم يخرجوا في ثورة ٢٥ يناير أصلاً وفقط خرجوا الآن وهم أكثر الأقباط) والملاحدة والمغتصبين...كيف تقفوا بجانب كل هؤلاء، وما زلتم تظنون أنكم على حق أو أن الأمر غير واضح الضلال والبطلان؟

ألا يجب أن نسأل أنفسنا من الذين يقف معنا اليوم في موقفنا، كي نفهم إذا كنا على حق أم لا؟ نعم، لا يُعرَف الحق بالرجال، ولكن عندما نرى أطرافاً وجهات إسلاموفوبية أو كارهة للإسلام وشريعته بهذه الكثرة، تقف معنا في نفس الموقف الذي نتخذه، ألا يتسرب الشك إلى قلب الإنسان الذي لم تعميه العاطفة أو يغسل مخه الإعلام الكاذب؟

سبحان الله. أتفهم المسلم الذي يعارض الإخوان كي يختار السلفيين أو أبو إسماعيل والراية مثلاً، أو أي قائد سياسي أعلن صراحة ورسمياً مرجعيته الإسلامية. ولكن تعارض الإخوان كي تختار مَنْ؟ ليبرالي أو عالماني أو عسكري؟ والله إنه لشيء مخزي، ولا يوجد أصلاً أي شك أو ضبابية في الموضوع.

خسارة. خذلني اليوم الكثير والكثير ممن كنت ألتمس فيهم الحكمة وصلاح بوصلة القلب.

—ياسين رُكَّه

الاثنين، يونيو 17

أيخدعوننا أم يخدعون أنفسهم؟

يتشدقون بكلمة ’الاعتصام‘، وأبو اعتصام منهم بريء. يتشدقون بكلمة ’سِلْمِيَّة‘، والحاجّة سلمية منهم بريئة. لم يقل لي الإخوان أو إعلام الإخوان أو مرشدهم أو برنجانهم شيئاً عن هذا، بل رأيت بعيني. والله العظيم رأيت بعيني في عدة فيديوهات، المولوتوف والحجارة تُقذف قذفاً على أسوار قصر الرئاسة وتقذف داخله، ورأيته في أحداث غير الاتحادية؛ إن كان هذا ’اعتصامكم وسِلْمِيَّتكم وثورتكم وتظاهركم‘، فتباً لكم ولما تفعلون وما تدعون إليه وما تأفكون بألسنتكم الكاذبة وأقلامكم الآثمة؛ تبّاً لكم ثم تبّاً وسُحقاً.

فإن رأينا المولوتوف والحجارة في ’اعتصامكم السلمي‘ يوم ٣٠ يونيو تُقذف على أملاك الدولة ومباني الدولة الحساسة، وظللتم تتشدقون بالاعتصام والسلمية، فأسأل الله ألا يكون في حلقي كلاماً حينئذ، بل يكون بصاقاً؛ فأبصق ثم أسكت، لأني وقتها أكون بالفعل قلت ما عندي في جبروت هذا التمثيل والكذب الوقح.

من تبقى في عقله ذرة عقل، لأدرك أن التغيير يأتي بالصندوق الآن. فإن كانت المعارضة على حق وكانت فعلاً الأغلبية، وإن كانت محترمة أصلاً، لاستخدمت انتخابات البرلمان لتأتي بحزب أغلبية جديد يخفف الإدارة السلبية المزعومة للرئيس، ثم لاستخدمت انتخابات الرئاسة بعدها لتتخلص تماماً من بُعبُع الإخوان. ولكن...مفلس الفِكر لا يسعه سوى الكذب واستخدام الحيل اللغوية كي يغسل أمخاخ الناس، مثلاً بأن المولوتوف اعتصام سلمي؛ ومفلس العشيرة لا يسعه سوى استخدام القوة السلاحية والمؤامرات كي يفرض رأيه على الأغلبية. نخبة ليس معها سوى إفلاس...إفلاس فِكري وإفلاس تأييد؛ ولكن هناك جيل رضع وفُطِم على إعلام هذه النخبة، ثم نشأ كلٌ منهم كَتِرس في ماكينتهم العملاقة؛ ثم هناك جيل آبائهم الذي نشأ عليه لعشرات من السنوات. فقد لا يكون من العجيب أن يسمع لهم بعض من ضلّوا من أهل هذين الجيلين.

والطريف في الأمر أنهم يقولون علينا نحن مغسولي الأمخاخ وخرفان ونسمع لكلام المرشد أو لإعلام الإخوان (لمن ليس في الجماعة)! وأين هو إعلام الإخوان بالضبط من إعلام الإفك والدياثة، بأمواله ولمعانه وأضوائه وبغاياه وديّوثيه؟ أصلاً من الأشياء التي أنتقدها بشدة في الإخوان هي أدائهم الذي يُرثى له في مجال الإعلام—بل بدائيتهم في الإعلام!

النخبة والمعارضة يقولون علينا مغسولي الأمخاخ ومضحوك علينا، ونحن نقول عليهم مغسولي الأمخاخ ومضحوك عليهم؛ كان من الممكن أن أحتار في الأمر قليلاً وأحتاج إلى التفكّر وسؤال نفسي مثلاً: ماذا لو أنهم على حق؟ ولكن هذه المرة، الموضوع لا يحتاج إلى الكثير من التأمل، لأنني عندما أسأل نفسي—قبل أي شخص آخر: ما الذي [يُمْكِن] أن يغسل مُخي؟ أين هو الإعلام أو البروباجاندا التي يمكن أن تغسل مخي؟ أسأل نفسي ماذا يمكن أن يكون مصدر مثل هذه الخديعة والبرمجة العقلية واللغوية، فلا أجد أي إجابة أو أي اختيارات محتملة؛ لأن إعلام الإخوان يكاد يكون منعدماً من الأصل، أو يبدو كقزم مسكين بجانب عملاق، مقارنة بإعلام المعارضة والفلول والنخبة! أنا لا أشاهد تليفزيون من الأصل، وإن شاهدت أمثلة في الماضي، يمكنني بسهولة الحكم على الفرق الشاسع بين ميزانية وقدرات وخبرات وأضواء وجنود النخبة الإعلامية وكاريزميتهم على جانب، وهزالة وبؤس الإعلام الإخواني على الجانب الآخر. فإعلام الإخوان يكاد يكون منعدماً، وإن تواجد، فأنا أصلاً لا أتعاطاه على الإطلاق. فإما أني غسلت مخي بنفسي، وهذا لا أرى له مكاناً في المنطق أو الواقعية؛ وإما أني بالفعل فكرت وقارنت هذه الأمور بموضوعية.

وبعيداً عن الإخوان أو المعارضة أو السياسة كلها، إني أعلم أنه مبدئاً في الحياة وحقيقة باطنة أنه مهما كانت ظروف شعب ما سيئة، إن لم يكن هناك دلائل قاطعة على تورط طرف ما في هذه الظروف، إن لم يكن هناك علاقات مباشرة—لا جدل فيها—تربط الدلائل بطرف ما، فلا يمكن للعاقل المحايد المتفكر إلا أن يستنتج أن الناس ترى ما تريد أن تراه أغلب الأوقات، وأن الضيق والمشاكل في الحقيقة نابعة من داخلهم هم أنفسهم؛ والدليل القرآني على ذلك قاله الله تعالى لنا في كتابه الكريم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}—الأنفال: ٥٣، وقال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}—الرعد: ١١.

فمن الذي يرى مشاكلاً ومساوءاً أكثر من حلولاً ومبشرات خير؟ ومن السبب في أي مشاكل في الوطن اليوم؟ الحكومة أم الأمن والشرطة أم الناس أنفسهم؟ أم أن لكل من هؤلاء دور في مشاكل محددة، وفي النهاية أكبر مسئول عن المشاعر السلبية هم الناس أنفسهم؟ من الذي يجب أن يتغير اليوم، الحكومة أم الناس؟

من المضحوك عليه هنا؟ من الخادع ومن المخدوع؟

{يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}—البقرة: ٩.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، يونيو 11

الجهل فوضى وجاهلية وظلم في ثياب مسئولية

المشكلة في جذورها وأصلها دائماً مشكلة جهل، جهل المتعلمين وخريجي المؤسسات الأكاديمية قبل جهل البسطاء؛ ثم مشكلة طغيان عاطفة على الرؤية العقلية، فيُعمِي القلب الأعمى العقل عن رؤية الأمر من منظور عقلاني موضوعي محايد. الجهل يؤدي إلى ضبابية فكرة مثل «المسئولية». الإنسان الجاهل لا يدرك أين تبدأ مسئوليته الشخصية، وأين تنتهي؛ أين تبدأ مسئولية رئيس الحيّ، وأين تنتهي؛ أين تبدأ مسئولية المحافظ، وأين تنتهي؛ أين تبدأ مسئولية رئيس الدولة، وأين تنتهي؛ الإنسان الجاهل عنده كل هؤلاء ’حكومة‘، المحافظ ورئيس الحيّ ورئيس الدولة؛ ولأن كلهم حكومة، فتقصير أحدهم هو تقصير للحكومة كلها. على وتيرة أن المرأة السويدية العارية تعني أن كل السويديات عاريات؛ وأن الشيعي الذي يضرب نفسه يعني أن كل الشيعة يضربون أنفسهم؛ وإلى آخره. والإنسان الذي أعمته العاطفة عن العقل والمنطق، يرى أن ’الحكومة‘ تساوي ’الإخوان‘. والإنسان الجاهل الفاشل الكسول يلخص كل هذا في شخص واحد، مثل رئيس الدولة، ويخرج نفسه تماماً من المعادلة والمسئولية؛ أو يعتبر أن قيامه بوظيفته كي يكسب المال هي مسئوليته وفقط، وبقية الدنيا كلها مسئولية هذا الشخص الواحد.

ومن الجهل العام تأتي ضبابية الكثير من الأمور والأفكار، فتصبح أشياء وأفكار لها تعريفات محدودة، مثل المسئولية، أمور جدلية قابلة للاختلاف عليها، كُلّ بحسب رأيه الشخصي، بدلاً من أن يكون الأمر متفق عليه وله تعريف محدد يرجع إليه المتعلم وطالب العلم.

عندما تكون الدائرة دائرة جهلاء بمؤهلات أكاديمية، فالساحة مفتوحة لأرخص سيناريوهات التضليل والتعتيم الإعلامي. جاهلان يتحدثان عن أمر يظنّان أنه محل جدل ولا تعريف له وراجع إلى الرأي الشخصي، فماذا تظن سيحدث عندما يسمع أحدهما أو كلاهما كلمة تؤيد رأيه الجاهل في الإعلام الموجه؟

والجهل نرى منه الجاهل بدينه يزعم أنه يعرف دينه جيداً. ونرى منه الجاهل في السياسة يعطي رأيه في السياسة والسياسيين. الجهل. الجهل فوضى وجاهلية. وهو تماماً ما نرى الكثير من الناس عليه اليوم...فوضى وجاهلية، وظلم في ثياب مسئولية.

—ياسين رُكَّه

الاثنين، مارس 4

انتصر لله وللإسلام!

Triumph-for-God

لا واللّهِ لستُ مُدَّعِي تدَيُّن، بل مُذنب يدعو إلى التديُّن.

الوقوع في الذنب سرّاً لا يبرر الإعلان عنه أو السكوت على ظهوره في المجتمع.

لا تأخذ دينك منِّي، ولا من أيّ فرد واحد؛ بل خذ الحق منِّي ومن الكثير غيري، ثم كُنْ بطلاً للحق أينما كان.

انتصر للّه وللإسلام، وإن خذلتك ذنوبك. لا تخذل الله أو الإسلام أبداً...أبداً!

أَنْتَصِرُ لِلّه…وإن خذلت نفسي بذنوبي.

—ياسين رُكَّه

الأحد، مارس 3

مصير مصر وزيادة قوة الإخوان بكراهيتهم

أكثر ما يقلقني في وجود الكراهية العمياء تجاه الإخوان المسلمين هو أن هذه الكراهية، والظلم المرتبط بها، قد يُزيدا من شعبية الإخوان—بمحبة الجانب الآخر—وفي نفس الوقت يُغضبا بعض الإخوان فيفسدون!

أولاً، الكارهون مصيرهم الفشل، لأنهم لن يتغلبوا على حب الأغلبية للإخوان؛ هذه ببساطة هي الحقيقة التي يعميهم غرورهم وعزتهم برأيهم عن رؤيتها. وحُجَّتهم هي أن المحبين غنم؛ والحقيقة قد تكون أن الكارهين هم الغنم الذين لا يرون الحقائق؛ وبغض النظر، القضية ليست كيف يكره أو يحب هذان الفريقان، بل القضية أنهما موجودان وأن المحبين أغلبية حتى الآن. ثانياً، وهو الأهم، الكارهون لا يشجعون سوى محبة أكثر تجاه الإخوان، لأن لكل فعل رد فعل، فعندما تكون هناك كراهية عمياء وغير مبررة من منظور العقلاء، فردّ الفعل سيكون حب أعمى لمقاومة هذه الكراهية العمياء. تزيد الكراهية ويزيد الهجوم المسعور ويزيد السبّ والظلم ضد الإخوان، وهم بالفعل براء اليوم من نظريات المؤامرة والظنّ السيء والفوبيا أو السُعار المجنون ضدهم (وقد لا يكونوا براء بعد عشر سنوات!)، فتزيد مقاومة الجانب الآخر من المحبين والمؤيدين، ويزيد تشبث هؤلاء المؤيدين بالإخوان. ضع نفسك مكانهم: تخيل أنك تؤيد فريقاً ما بمنتهى الهدوء، ولكن فجأة تأتي عصابة وتحاول أن تعتدي على هذا الفريق بالضرب والافتراء، وأنت في استطاعتك أن تحميهم مع بعض الأصدقاء؛ ألن تهب لنجدة الفريق المظلوم ودفاعك عنه يبني رباط محبة بينكما؟ وكلما زاد واستمر هذا الموقف، كلما قوِيَ رباط المودة والمحبة هذا. وكما يوجد كارهون مجانين وعُمي، فيوجد مُحِبُّون مجانين وعُمي أيضاً. ثالثاً، هذه الكراهية العمياء لا يمكن وصفها بأقل من الظلم، وكما أن الظلم قد يؤدي إلى محبة عمياء، فهو أيضاً قد يؤدي إلى غضب في قلب بعض ضعاف النفوس من المظلومين. والغضب مع القدرة أو السلطة من أشد وأصعب الاختبارات على أي إنسان في الدنيا، سواء إخواني أو سلفي أو ليبرالي عالماني؛ هذا النوع من الاختبار شديد على أي نفس بغض النظر عن الهوية الفِكرية. فإن لم يكن الإخوان فاسدين اليوم بأغلبيتهم، فإن الظلم المستمر تجاههم، مع السلطة، قد يؤديا إلى تغلب الغضب وروح الثأر على قلوب بعضهم. ولهذا قلت أنهم قد لا يكونوا براء بعد عشر سنوات. ولكن وقتها، يكون قد فات الأوان؛ لأن الكارهين العُمي وقتها يكونوا قد كوّنُوا جيشاً من المحبين العُمي على الجانب الآخر، وقاموا أيضاً بزرع الغضب والثأر في قلوب عدد كافي من الإخوان.

فكما تروا...هذه الكراهية العمياء مرض أشد خطراً من السرطان في صفوف أي شعب. فليت هؤلاء الكارهين يستبدلون الكراهية بِنَقْد بنّاء ومعارضة شريفة موجهة ضد أفعال وسياسات محددة، بدون قعود على الواحدة وتصيّد أخطاء وهفوات وتفاهة. لأن توجيه الكراهية إلى أشخاص الإخوان أو الإخوان أنفسهم، أو الأضل سبيلاً: حصر القضية كلها في شخص واحد، مثل المرشد أو محمد مُرسي، هو سذاجة وغباء وسطحية. أنت يمكنك أن تضغط على شخص كي يغير سياسة أو قانون أو فعل، ولكنك لن تغير شيئاً باستبدال شخص واحد؛ ولن يمكنك استبدال فريق كامل إلا بعدد كافي من  المؤيدين، وهو ما لا تملكه المعارضة اليوم بمنتهى الوضوح.

فإن لم يعي الإخوانوفوبيون كل هذا قريباً، فأملي هو أن الله رَبَّى الإخوان واختبرهم خلال أكثر من ٨٠ عام من الاضطهاد والسجن والتعذيب والقتل، كي ينجحوا في اختبار مقاومة الاضطهاد والظلم من الإخوانوفوبيين اليوم بصبر وجلد واحتساب عند الله، فلا يزور الغضب أو الثأر قلوبهم أبداً. وقد يكون شاهد هذا هو حكمة الله في اختيار رئيس مثل محمد مُرسي، يسميه الكارهون ’استبن‘، لا يضرب بيد من حديد كما يطلب منه بعض المؤيدين، ولا يواجه حتى المولوتوف بالعنف. قد يكون هذا شاهد صبر السنين على الظلم والاضطهاد، وأسأل الله أن يتعلم الجيل الجديد من الإخوان، الجيل الذي لن يتربى على نفس الظروف الصعبة، من كل هذه الشواهد والدروس والعبر.

ولكن مرة أخرى، على الجانب الآخر، ليت الكارهين يستبدلون الكراهية بنقد بنّاء ومعارضة شريفة؛ وليت الكارهين يوجهون رفضهم إلى الأفعال والسياسات، لا الأفراد، لأن هذا هو أملهم الوحيد في استبدال الإخوان يوماً ما، وهذا هو الطريق الوحيد للسلام والخير في أرض الوطن. الكراهية لا يمكن أن تجلب أي خير.

—ياسين رُكَّه

السبت، فبراير 23

كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟

كل كلمة نكتبها ونقولها، سنحاسَب عليها. كل كلمة!

{مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}—ق: ١٨.

أي كلمة نكتبها أو نقولها قد تكون ترساً من أتراس ماكينة الحرب في النهاية، أو أحد أسباب التبسّم في اتفاقية السلام والتعاون؛ أي كلمة قد تدخل في معادلات تسلسلية تؤدي إلى نتيجة لم نكن أبداً نتخيلها عندما كتبنا تلك الكلمة، تماماً مثل القنبلة الذرية، في حجم الثلاجة، ولكن تدخل في ردود أفعال تسلسلية تدمر مدينة بأكملها.

«إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ—مِن رضوانِ اللهِ، لا يُلقي لها بالًا، يرفعُه اللهُ بها درجاتٍ؛ وإنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ—مِن سخطِ اللهِ، لا يُلقي لها بالاً، يَهوي بها في جهنَّمَ!» الراوي: أبو هريرة | المحدث:السيوطي | المصدر: الجامع الصغير - الصفحة أو الرقم: ٢٠٦٠ | خلاصة حكم المحدث: صحيح.

وكل من قال ’لا إله إلا الله‘ (وإن علمنا أنه لا يؤمن بها!) دمه حرام على المسلم. فقبل أن تكتب كلاماً أو تنشر صوراً تزيد الكراهية ضد الشيعة، وتحث على معاداتهم، وتمهد الطريق إلى حرب ضدهم، تُراق فيها دماء من الجانبين تؤمن بلا إله إلا الله، تذكر آيات الله وأحاديث الرسول، واعلم أنك لا يجب أن تكون من يطلق الرصاص أو يستخدم النصل في القتل؛ إن كنت ممن تسببت في بدء الحرب بلسانك وقلمك، فأنت مسئول وقتها. وكلمة لا إله إلا الله وحدها ستكون خصمك يوم القيامة بجانب الشيعي الذي تسببت في قتله بكلمة منك، بدلاً من أن تدعو إلى الحوار معه.

«أجمع لي نفراً من إخوانك حتى أحدثهم. فبعث رسولاً إليهم. فلما اجتمعوا جاء جندب وعليه برنس أصفر. فقال: تحدثوا بما كنتم تحدثون به. حتى دار الحديث. فلما دار الحديث إليه حسر البرنس عن رأسه. فقال: إني آتيكم ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله؛ وإن رجلاً من المسلمين قصد غفلته. قال: وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد. فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله. فقتله. فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله فأخبره. حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع. فدعاه. فسأله، فقال: ”لم قتلته؟“ قال : ’يا رسول الله، أوجع في المسلمين. وقتل فلاناً وفلاناً. وسمى له نفراً. وإني حملت عليه، فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله.‘ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”أقتلته؟“ قال: ’نعم‘. ”فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟“ فجعل لا يزيده على أن يقول: ”كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟“» الراوي: جندب بن عبدالله | المحدث: مسلم | المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: ٩٧ | خلاصة حكم المحدث: صحيح.

”كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟“

”كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!“

كم سئمت الجهل

”كم سئمت الجهل وقناعة الجاهلين به. ما كرهت في الدنيا أكثر من الظلم والجهل والكِبر؛ فإن اجتمعوا، قتلوا. أسالوا الدماء أنهاراً.“—ياسين رُكَّه

محاولة أخرى لكبح جموح كراهية الشيعة

كتبت على إحدى الصفحات، تحت موضوع يضع الاثنين، الإخوان والشيعة، أمام مدفع الكراهية:

أنا مشترك في الصفحة، يعني أؤمن بوجود بعض المؤامرات السياسية تحت مظلة الربيع العربي الحالية. وفي نفس الوقت مؤيد للمشروع الإسلامي السياسي في المنطقة، وخاصة مصر؛ وأغار على ديني وتطبيقه بكليّته وشموليّته. هذه الخلفية ذكرها مهم، لأني سأقول أن أختلف معكم في بعض الأمور أيضاً. أختلف مع الكثير في قضية الإخوان؛ فأنا أؤيدهم حتى الآن، ولم أرى دليلاً واحداً قاطعاً أو حتى شاهداً مقنعاً أنهم ليسوا مخلصين، دعك من شريرين أو موالين للشيعة! وثانياً، أنا سنّي وليس لي أي انتمائات حزبية أو سياسية أو دينية، ولكني في نفس الوقت مختلف معكم ومع الكثير من المسلمين، ممن لا يؤمنون بالمؤامرات من الأصل، ولكن سبحان الله تجدهم يكرهون الشيعة بسبب الإشاعات التي يسمعونها؛ يعني أختلف مع الكثير في هذه الكراهية العمياء التعميمية للشيعة.

يا إخواني، [بعض] أئمة الشيعة يتطاولون على الصحابة؛ وأضع عشرة خطوط تحت كلمة [بعض]، لأنه من التطرف الفِكري والمبالغة الجاهلة المتهورة أن نعمم. بعض الشيعة يقوم بشعائر متطرفة ليست من الإسلام في شيء. ما المشكلة الاستثنائية في هذا؟ ألا يوجد عندنا، في بلاد وأهل السنة، أئمة متطرفون فِكرياً؟ ألا يوجد عندنا جهلاء يعبدون أهل المقابر؟ فالكثير من عيوبهم موجودة فينا!

وأنتم، هنا، على هذه الصفحة، ألا تؤمنون أن قيادات الدول هي الفاسدة ومن أفسدت الدولة بالإعلام الفاسد المضلل؟ فلماذا لا تطبقون نفس المبدأ على الشيعة؟! قيادات كثيرة في بلاد الشيعة فاسدة، ولكن تحدث مع الشيعي البسيط، المواطن العادي، واسأله إذا كان يسب الصحابة أو يسب عائشة! اسأل الشيعي البسيط إذا كان يؤمن بقتل السنيين وأي شخص في الدنيا اسمه عُمَر! شيء عجيب أن نأخذ فيديوهات من يوتيوب لخمسة شيوخ شيعة، ولشعائر تقوم بها قبيلة محددة من أهل الشيعة، ثم ننشرها ونقول: ’انظروا على الشيعة‘! وعندما يفعل السياسيون الأمريكيون نفس الشيء ضد المسلمين كلهم، كي يغسلوا أمخاخ الشعب الأمريكي، نشتكي ونتظاهر ونقول بروباجاندا وغسيل مخ. فعلاً، سبحان الله على ازدواجية المعايير التي لا يسلم منها أي إنسان اليوم—على ما يبدو.

يا إخوة، أدعوكم إلى بعض الإنصاف وبعض الوسطية؛ ابتعدوا عن التعميم والتطرف في الآراء والأفكار. وإني لست بصدد دعوتنا أن نصاحب الشيعة، ولكن يا إخوة على الأقل نركز على عدونا المشترك، الصهيونية العالمية والرأسمالية الروثتشايلدية العالمية، ثم عندما نأمن على الأمة الإسلامية كلها، سنة وشيعة، من هذا الخطر وهذا العدو المشترك، وقتها نجلس مع قيادات الشيعة ونتحدث عن مشاكلنا واختلافاتنا! أو نعادي الشيعة حتى، إن شئتم وقتها! ولكن على الأقل نكون أمِنَّا على أمتنا الإسلامية كَكُل من عدونا المشترك.

ونعم، أعرف أن الكلام الموضوعي أحياناً لا جدوى منه مع [بعض] الناس، لأن الرد على هذا الكلام جاهز عندهم، خاصة من المتطرفين في البحوث المؤامراتية: الشيعة موالون للصهاينة! ولكني، ومع إيماني بوجود بعض المؤامرات بالفعل، لا أتطرف فِكرياً إلى الحد الذي يجعلني أردد اتهام شنيع مثل هذا ضد موحدين يؤمنون بالله ورسوله. هدانا الله جميعاً إلى الحق ورزقنا اتباعه.

هذه أمثلة التعليقات التي كتبها بعض المسلمين المؤيدين للمشروع الإسلامي، والمفترض أنهم أكثر عِلماً في الإسلام من الليبراليين والعالمانيين:

’ياسين انت عايش في كوكب تاني البوست بيحكي عن ناس اتقتلت من الروافض بسبب ان اسمهم عمر يبقى لو اتمكنوا من رقابنا هيعملوا فينا ايه .....اصمت يرحمك الله‘

خُد بالك من القناعة: قُتِلوا لأن اسمهم عُمَر! والله العظيم إني لأضحك على الكلام! أكاد لا أصدق أن سذاجة البعض وصلت إلى هذا المستوى! يعني لا وجود أصلاً عندهم لاحتمال أن هناك من فعل هذا فقط كي يضع بذرة وجود هذا التطرف في الشيعة، وأن من فعل هذا وخطط له من الأصل لا هو بشيعي ولا مسلم من الأصل! لا وجود عندهم لهذا الاحتمال على الإطلاق.

’ياسين دين الشيعه سب ام المومنين والصحابه وقتل المسلمين والاجزام بان ابي بكر وعمر وزوجات النبي في النار والشهاده عند الشيعه للدخول في دينهم ان يسب ويلعن الصحابه انت جاي تمثل علينا يا عم فوقوا بقي‘

وانظر إلى الفِكر واختيار الألفاظ: ’دين الشيعة سب‘...أصبح الدين نفسه، وهو ليس بشخص ولا يمكنه الكلام، بل الدين هو منظومة من الشعائر والإيمانيات والسياسات والقوانين والقواعد، أصبح الفِكر نفسه، الغير مشخصن، قادر على السب والشتيمة!

’ياياسين هما بياخدوا دينهم وعقيدتهم من الائمة بتوعهم مش من القران ,,وصعب جدا جدا وصول اى رجل دين عندهم لمكانة الامامة لازم يمر بأمور عديدة صعبة جدا وسب الصحابة وامهات المسلمين دى مش تطرف دى فى صلب عقيدتهم وكل الطقوس الشيعيه بيمارسها الشيعة كلهم باختلاف طبقاتهم المجتمعيه .يعنى لو مش عمل كدا يبقى كافر بالنسبة للمذهب الشيعى .الدين كله عندهم محرف ياياسين ,الازهر طلب من نجاد فى زيارته لمصر باصدار تشريع يحرم سب الصحابة وزوجات الرسول وهو رفض الطلب لانه اخلال بعقيدته الشيعية ومش مجرد تطرف او اختلاف فى وجهات النظر فى بعض امور الدين ددددددددددددى عقيدة عندهم .‘

لاحظ أيضاً عجب العجاب في التعليق أعلاه...عجب العجاب: أصبح المسلم، الذي يوحد الله ويؤمن برسول الله، لا يأخذ دينه من القرآن! ومش بعضهم، لا [كلهم]...كلهم كده! وصاحب التعليق يعرف يقيناً أن وصول الشيعي للإمامة لا يأتي بدخول الجامعات الإسلامية في بلاد الشيعة، وحفظ القرآن وتعلم الحديث، لا، بل يأتي بطقوس عديدة صعبة جداً (وكأنهم مجتمع سري ماسوني!)، وأحد هذه الطقوس بقه...يأمره أن يردد خلف الإمام الشيعي الأكبر بترنيمة سبّ الصحابة وآل البيت! فعلاً، كأننا نشاهد فيلماً عن المجتمعات السرية والماسونيين، وليس عن الشيعة! لا، وإيه، سبّ الصحابة...أصبح من [العقيدة]! العقيدة يا خلق هُوه، مش مثلاً جزء من السيرة النبوية واختلاف على بعض الأحداث التاريخية، لا، لا، ده جزء من العقيدة...يعني جزء من الإيمان بالله، وهوية الله، وصفات الله وكده...جزء من الكلام ده، سب الصحابة! لا حول ولا قوة إلا بالله. وكافر عندهم اللي ميشتمش الصحابة! الناس دي بتجيب القصص دي منين!!!!!!! نفسي أفهم! نفسي الناس دي تروح تزور إيران سياحة كده، تدخل مساجد هناك، وتتكلم مع الإيرانيين عربي أو إنجليزي، وتتعرف عليهم، وتشوف أفكار المواطن الشيعي العادي، وتروح الجامعات الإسلامية في إيران، ويتكلموا مع الأساتذة هناك، ويدخلوا كمان محاضرات باللغة العربية أو الإنجليزية عشان يسمعوا اللي بيتقال...ثم يرجعوا مصر، ويشوفوا كده لو لسه متأكدين إن الشيعة هم شياطين الإنس في الأرض!

عجبت لك يا مسلم! ثم عجبت لك يا إنسان. ولم أعجب للزمن، فإن الله هو الدهر، كما في الحديث الصحيح.

—ياسين رُكَّه

الجهل النقاشيّ في أمتنا

من مظاهر الجهل الشديد في النقاش والحوار في أمتنا هي استنتاج كلاماً على أمزجتنا، لم يقله الشخص الذي نحاوره. مثلاً، يقول الشخص أن نسبة الأمّيين في الريف المصري كذا وكذا، ثم يردد المذيع بعده ’يعني كل الفلاحين في مصر أميين؟ لا حول ولا قوة إلا بالله‘، وهو إما مذيع جاهل أو أنه يريد أن يضع كلاماً على لسان الضيف لم يقله الضيف؛ أو تجد الجرائد العربية في اليوم التالي منشورة بعنوان مثل ’المسئول الفلاني في الحكومة يفجر تصريحاً بأن الفلاحين أميين!‘ ومثال آخر نراه بكثرة في الإعلام والشارع عامة هو أن يقول الناقد ’هذا فِكر عَالَمَاني، ولا يمتّ أصلاً للأكاديمية بصلة‘، فيكون رد فعل الطرف الآخر على وتيرة ‘وتتهمني أني عَلَمَاني؟! سنترك لحضرتك الأكاديمية والعِلم في كل شيء!‘

شيء فعلاً مخزي؛ شيء يُرثى له ويقطر جهلاً. وبالمناسبة، عندما يقوم مشاهير الإعلام وتقوم الجرائد الكبيرة بمثل هذه الأفعال، فماذا تنتظر من المواطن البسيط الذي يناقشك أو يتحاور معك في قضية ما؟ ما هو وقتها، هذا المذيع المشهور وهذه الجريدة الكبيرة تعتبر بمثابة القدوة في نظر المواطن البسيط، وهو يقلدها! هذه هي الحقيقة. المواطنون البسطاء يبحثون عن أي مثال يقلدونه، لأنهم نشئوا على ذلك؛ بل وهذه هي الطبيعة البشرية الاجتماعية التي يقل جداً من يقاومها؛ إنها فطرة اجتماعية بحتة أن نبحث عن مثال أو قدوة نحتذي بها، كي نشعر بالانتماء والوحدة الروحية مع من حولنا. فإن لم نعرف تفاصيل كافية عن قدوة حقيقية مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا تظن أننا نفعل؟ إننا نبحث عن أي قدوة أو مثال آخر! فإن لم يجد المواطن مثالاً يُحتذى به في الحوار والنقاش وتفسير ما يقوله الطرف الآخر، فماذا سيفعل؟ بالتأكيد سيستخدم أول مثال أمامه في الحوار والنقاش؛ وما هو أول مثال في الحوار والنقاش يمكنك أن تجده في عالم اليوم؟ مذيع على شاشة التليفزيون يفسر ويعيد كلاماً ويناقش ضيفاً ما!

فعندما يكون أسلوب هذا المذيع بهذا الجهل والتخلّف أو بهذا الخبث والتزوير المخزي، فما الذي سيلتقطه المشاهد؟

ما ذكّرني بهذه القضية، بعد سيل من الفيديوهات—على يوتيوب—المنشورة بعناوين مبالِغة أو مُضَلِّلَة جداً ولا علاقة لها بمحتوى الفيديو خلال الشهور الأخيرة، هو فيديو يُنشر هذه الأيام عن استهزاء جمال عبد الناصر ومن حوله بالحجاب وبالثقافة الإسلامية التي تمنع الفن السافر؛ وبالرغم من أني أعي جيداً أن عبد الناصر كان يحارب شريعة الله، ويعذّب الإخوان المسلمين في المعتقلات، وساعد في استوطان إسرائيل بحركة في منتهى الدهاء وهي إرسال يهود مصر إلى إسرائيل تحت ستار إعلامي من ’طرد اليهود من مصر‘ (ويا له من دهاء سياسي إعلامي!)، إلا أن كل هذا لا يعني أن أبالغ أو أكذب في تصريح قام هو به.

كان هذا تعليقي على الفيديو:

عنوان الفيديو مضلل ويضع كلاماً على لسان عبد الناصر هو لم يقله، فللأسف لا أستطيع إعادة النشر، لأن هذا هو نفس أسلوب المعارضة وإعلام الكذب والدعارة السياسية الذي يضع كلاماً وهمياً على ألسنة الرئيس وساسة الأحزاب الإسلامية؛ فلماذا نقبل على خصومنا ما نرفضه على أنفسنا؟ لا لازدواجية المعايير، ونعم للخصومة الشريفة.

وهذا ليس دفاعاً عن عبد الناصر بالتأكيد؛ هذا الرجل كان محارباً لشريعة الله بما لا يدع مجالاً للشك، وعذب الكثير من الإخوان في المعتقلات؛ ولكن كل هذا لا يبرر أن نتبع نفس أسلوب خصومنا في وضع كلام على لسان الغير هو لم يقله. هذه ثقافة جاهلة كاذبة، أرجو من العرب نبذها وتركها، لأنها حقيقة تخلف ثقافي ومستوى متدني في الحوار، أعاني منه شخصياً مع الكثير من الناس ممن يستنتج كلاماً على مزاجه مما أقوله، ثم يقوّلني كلاماً لم أقله. الله يهدينا جميعاً.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، فبراير 19

سياسات الإخوان وقيادات السلفيين وقضية الشيعة

سياسات الإخوان وقيادات السلفيين وقضية الشيعة

(انقر هنا لتحميل الملف الصوتي إن أردته)

بسم الله، والحمد لله.

تأملت في الأحداث الأخيرة، مواقف قيادات حزب النور السلفيّ، التي بدا منها أنهم على استعداد للتحالف مع قوى خارج التيار الإسلامي حتى عندما تكون في معارضة الحكومة الإسلامية الحالية. صاحب تلك المواقف تصريحات المتحدث الرسمي للحزب، نادر بكّار، المتحاملة والناقدة بحدة للحكومة والرئيس، بل وأحياناً، تصريحات تطالب مسئولاً في الحكومة مباشرة بالاستقالة. خذلت تلك المواقف والتصريحات الكثير من الجماهير المؤيدة للمشروع الإسلامي كَكُلّ، وأدت إلى مشاعر خيبة أمل في قيادات حزب النور.

والبعض يفهم أن هذه المناورات السياسية والتصريحات، التي يعتبرها البعض مخزية، ما هي إلا ضربات تحت الحزام واستغلال غير شريف للظروف والجو السياسي في الوطن. ولماذا؟ من أجل مكاسب سياسية بالية، يبدو أن قيادات حزب النور تظنها هامة. ولماذا قد تكون تلك المكاسب هامة من منظورهم، على الرغم من أنهم مسلمين المنهج قبل أن يكونوا سياسيين؟ مثلاً، لأنّ منهجهم السلفي أفضل وأصح من المنهج الإخواني، من منظورهم! فيستحق منهجهم كل المناورات والحيل المخزية من أجل إعطائه التمكن السياسي أو السلطاني. وكأن الأمة الإسلامية، خلاص، تخلصت من كل مشاكلها الخارجية، وتغلبت على أعدائها الأجانب، فلم يتبقى سوى النزاع الداخلي على السلطة السياسية لنشر المنهج والفِكر الإسلامي ’الأصحّ‘!

ولمن يؤيد هذا التحليل أو الرأي، أقول أننا قد نتفق في هذه النقطة، ولكن نختلف في نقطة أخرى ذات صلة، وهي متعلقة بإيران والشيعة. من حيث أقف فِكرياً اليوم، أرى أن الكثير في التيار الإسلاميّ ينظرون إلى الشيعة بطريقة أراها مشابهة بعض الشيء لطريقة نظر قيادات حزب النور السلفي إلى الإخوان. قد تكون هذه العبارة مفاجئة للبعض، ولكني سأشرح وجهة نظري: أدرك أن الشيعة قد يكون لهم خطط للتوسع ونشر عقائدهم وتعاليمهم؛ أدرك أن بعض أئمتهم، ولا أقول كلهم، بعضهم يتطاولون على بعض الصحابة؛ ولكن، إيران على الأقل لا تعترف بالكيان الصهيوني وتنتقده وتهاجمه في كل المؤتمرات الصحفية العالمية؛ فعلينا أولاً التركيز على أعداء الأمة الحقيقيين، ثم بعدها نلتفت لاختلافاتنا مع الشيعة ونتحاور معهم ونطالبهم بكذا وكذا. وإن خشينا على بلادنا منهم، فعلينا أن نمنع أي انتشار رسمي لهم، وأن نُعلّم أهل بلادنا المذهب السني بلا كراهية ولا تخويف من الطرف الآخر. ولكن ما أراه أحياناً هو أن هناك سُعار ورعب اسمه الشيعة في صفوف التيار الإسلامي وأهل السنة. سبحان الله، مع أنهم في النهاية موحدين ومؤمنين مثلنا برسول الله (ص)، وعدونا وعدوهم واحد. ألا تعادي إيران كدولة أمريكا المحتلة للعراق وأفغانستان؟ وتعادي إسرائيل المحتلة لفلسطين بل ولا تعترف بالكيان الصهيوني من الأصل؟

ولا أقول نصادقهم، وإنما أقول نركز على ما يجمعنا بهم، وخاصة العداء للمحتل الإسرائيلي والغربي في أراضي الإسلام. وبعد أن ننتهي من أعداء الإسلام، نلتفت للخصومات الداخلية (إن تبقت أصلاً!).

فمن يتعجّب مما يحدث من قيادات حزب النور تجاه الإخوان وحزبهم الحاكم، وهي مواقف مخزية للمشروع الإسلامي كَكُلّ، فعليه أن يراجع مشاعره وتوجهاته هو نفسه تجاه الشيعة، وما يعنيه هذا للأمة الإسلامية وقدر وحدتها أمام المحتل الصهيوني.

فرسالتي هنا هي: إن أردت أن تفهم الأسباب المحتملة لمواقف قيادات حزب النور ضد الحزب الإخواني الحاكم، فانظر في نفسِك وابحث عن أسباب عدائك للشيعة وإيران. قد تقول أن أسبابك متعلقة بما يقوله الشيعة عن الصحابة، ولكني سأسألك: هل سمعت كل الشيعة يسبّون الصحابة؟ أم أنك شاهدت بعض الفيديوهات؟ فإن كان كل ما تعرفه يأتي من بعض الفيديوهات والإشاعات، فلماذا تكره أن يبني المواطن الأمريكي أو الغربي رأيه عن الإسلام والمسلمين فقط من فيديوهات قليلة عن فتاوى متشددة وما شابه؟ ثم تسمح لنفسك أن تبني رأياً عن الشيعة بنفس الطريقة التي يبني بها الأمريكي رأيه عن المسلمين؟

والنقطة الثانية، هي أنه الأولى بنا كمسلمين سنة، ومؤيدي التيار الإسلامي، أن نوحد صفوفنا مع إيران والشيعة، وهم يقولون لا إله إلا الله، محمد رسول الله، حتى نسترد أراضينا ونوقف سيل الدماء المسلمة في أنحاء الأرض. ثم بعدها…نجلس مع الشيعة ونناقش مشاكلنا واختلافاتنا في قضية الصحابة!

إن لم تجد في قلبك الرغبة والقدرة على فعل ذلك، فلا تنتظر من قيادات حزب النور السلفيّ أن تتجاهل اختلافاتهم الفِكرية والفقهية مع المنهج الإخواني، وتؤثر الوحدة الإسلامية عليها في هذه المرحلة الحرجة للمشروع الإسلامي كله.

—ياسين رُكَّه

أخونة الدولة، أخونة الدولة

ياسين رُكَّه - أخونة الدولة، أخونة الدولة

(انقر هنا لتحميل الملف الصوتي إن أردته)

هُمَّ مش بيقولوا #أخونة #الدولة؟ غيظهم وقولهم أنا مش #إخوان، وعاجبني بقه أخونة الدولة! آآآخون الدولة يا ريّس. هوّه بقه كده النظام. قولها بصياعة كده وبلطجة وبجاحة في وشهم. آه، عاجبني.

ماهو أصلي لو أخونة الدولة يعني محافظين زي سعد الحسيني، محافظ كفر الشيخ، ووزير زي باسم عودة، وزير التموين، ونائب محافظ زي حسن البرنس في الإسكندرية، ناس زي دي تبقى مسئولة عن الدولة، يبقى أخون أم الدولة كلها، وعاجبني. واللي مش عاجبه عنده الصندوق، يخسر قدامنا ثم يضرب دماغه في الحيط...أو يحدف طوب.

—ياسين رُكَّه

غَتِّتْ عليهم!

ياسين رُكَّه - غتّت عليهم!

(انقر هنا لتحميل الملف الصوتي إن أردته)

شوفوا يا جماعة الخير، الناس دي مش مابتفهمش بس، هُمَّ مش عايزين أصلاً يفهموا. يعني...حتى لو ينفع تفهّمه، هوّه مش عايز يفهم. فالحل إيه؟ غتّت عليهم.

قولهم: الريّس مُرسي ده...أحسن رئيس في الوطن العربي كله، على مدار التاريخ المعاصر!

حيقولّك: يا سلام، وده بأمارة إيه ده؟ النهضة اللي مش شايفنها؟

قولّه: لأ. إنما أحسن رئيس، على الإطلاق، غتاته كده. هوّه كده، أحسن رئيس.

حيقولّك: يا خروووف!

قولّه: أحلى حاجة...البرسيم! عارف...اللي مش إخوان، بيأيّدنا عشان الزيت والسكر؛ عارف انت بقه، إحنا بننضم للجماعة ليه؟

حيقولّك: ليه؟

قولّه: عشان البرسيم! البرسيم الإخواني ده...لا يُعلى عليه. برسيم بس إيه...عايز بُقّك. عايز...بُقّك!

حيقولّك: أديك اعترفت أهو!

قولّه: المهم انت تكون انبسطت. إن شالله تكون ارتحت كده لمّا سمعت الحقيقة. ارتحت نفسياً كده؟

يمكن...على دِه، ما يعرفش يردّ. لإنه وقتها، يمكن...أخيراً يكتشف، إن مفيش حاجة حتريّحُه.

ولو ردّ...غَتِّتْ عليه!

—ياسين رُكَّه

الجمعة، فبراير 15

تجربتي وشهادتي عن الإخوان

أكتب في ١٥ فبراير ٢٠١٣: أقسم بالله العظيم أن الحقيقة كما أتذكرها اليوم هي أني بقى لي سنتين في هذا الموّال، ثورة وسياسة مصرية ونقاشات وحوارات مع المئات من المصريين من مختلف الأطياف والاتجاهات الفِكرية، وجدت أن ٨ في كل عشرة إخوان قابلتهم كانوا في منتهى الأدب معي حتى وأنا أشاركهم بعض النقد البنّاء المتأدب عن تقصير الجماعة وحزب الحرية والعدالة في أمور معيّنة، ولم يبرروا أو يدافعوا بالباطل أو ما شابه؛ وعلى الجانب الآخر، ٨ في كل عشرة إخوانوفوبيين أثبتوا لي بما لا يدع مجالاً للشك أنهم مفلسون فِكريّاً، ولا يملكون سوى الإشاعات والأكاذيب (مثل الإشاعات حول عزة الجرف وإشاعات كاذبة عن تصريحات مُلفّقة أسبوعياً) والمبالغات والتحامل، وحوالي ٦ من هؤلاء الثمانية (أي ثلاثة أرباعهم) عندما تُقام عليهم الحُجة ويروا أنهم مفلسون فِكريّاً، يفزعون إلى السباب والشتيمة، وإتهامي بأني إخواني وخروف، أو ينزلون إلى مستوى الفُحش عليّ وعلى مُرسي والإخوان كلهم.

هذه شهادتي بمنتهى الحيادية والأمانة، وبناءً عليه لا يسعني سوى أن أقول أن أغلب الإخوان ليسوا عبيداً ولا غنم، وأغلب الإخوانوفوبيين مغسولي الأمخاخ ورعاع همج، بناءً على تجربتي الشخصية. والله على ما أقول شهيد.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، فبراير 5

غسيل المخ: ما هي إيَّتُك؟

هل غسيل المخ فقط من التليفزيون؟ هل غسيل المخ فقط للأغبياء؟

يبدو أن هناك توجه فكري يتم الترويج له وتبنّيه ببطء من قبل الكثير من الناس هذه الأيام، بأن غسيل المخ فقط من التليفزيون، وأن ’الأذكياء‘ آمنون من غسيل المخ. والمفارقة المضحكة هنا هي أن هذه الفكرة في حد ذاتها غسيل مخ! بعض الناس تُغسل أمخاخهم بها.

من حيث أقف اليوم متأملاً، يمكنني بسهولة أن أخبرك أنّ لا أحد آمن من غسيل المخ، لأن هناك وسائط مكرسة وقنوات إدّعائية لكل طبقة في المجتمع ولكل نوع من الناس. غسيل المخ ليس فقط تخدير الأغبياء ليزدادوا غباءً؛ بل هو أيضاً إشغالك بالتفاهات وبالأفكار والأنشطة الهدّامة، لا البنّاءة؛ هو إبهار وإقناع الذكي كي يصبح متعصباً. ما هو التعصب؟ التعصب هو الاستمرار في الصراع على الرغم من أن الحرب انتهت بالفعل، الصراع بعد الحرب. أي أن التعصب هو الصراع من أجل الصراع، بأسباب ضعيفة إلى منعدمة أصلاً لتبرير الصراع. هل الأذكياء أو المتعلّمون آمنون من غسيل المخ في هذا السبيل؟ أبداً؛ بل إن الأذكياء والمتعلمين هم بالتحديد الشريحة المستهدفة من فطيرة المجتمع في سبيل هذا النوع من البقاء أو أسلوب الحياة.

’الإيّات‘ وسائط شائعة جداً لهذا النوع من التجنيد؛ لو معي الإيّة المناسبة لك، يمكنني أن أجنّدك كبَيْدق متعصب في سبيل قضيتي المزعومة. الإيّات تتضمن الليبرالية، والليبرتاريالية (التحررية)، والرأسمالية، والاشتراكية، والإنسانية الإحسانية، والإنسانية التحضرية، وهلم جرا، بلا آخر، حرفياً بلا نهاية، ولكن الإيّة المفضلة للنخبة، وأكثر الإيّات شعبية عند الناس، وأكثرها تأثيراً وأيسرها تكيّفاً هي…الحريّة.

إن كنت تؤمن بأي [إيّة] بحماس وعاطفة، فقد تؤمن بها على نحو أعمى أيضاً؛ إن كنت تناضل وتصارع من أجل أي إيّة، فقد تم غسيل مخك بالفعل منذ زمن بعيد. والأهم من ذلك، تعلّقك وصراعك من أجل إيّة يعني أن مبادئك تتغير وتتأقلم باستمرار لتتماشى مع الإية الأرضية، التي هي من صنع الإنسان، والتي يتم مراجعتها وتغييرها باستمرار لتتلائم مع أجندة أو برنامج الصانع من أهل النخبة. ناهيك عن المبادئ المعلّقة التي لم يتم الفصل فيها في أي إيّة، مثل الإجهاض وعقوبة الموت وقضايا الأجناس. فعندك إيّة مثل الحريّة، كانت بالأمس تعني حرية الأبيض ليستعبد الأسود وحرية المرأة لتظهر شعرها، وأصبحت اليوم حرية أصحاب البنوك ليستعبدوا الشعوب وحرية المرأة لتظهر كل جسمها فيما عدى الصدر والعضو التناسلي، والله أعلم كيف سيغير النخبة معنى الحرية غداً.

ما هو المخرج؟ ابحث عن ثابت، بدلاً من البحث عن المتغير بلا نهاية. اطلب فكراً أقامه وجود أعلى، بدلاً من فكر أسسه إنسان مثلك، بالتأكيد عرضة للخطأ، ربما متحيّز، وجلياً قصير العمر. التمس طريقك العائد إلى مصدرك، الصمد الثابت، الآخر الوارث، الخبير الباطن، الواحد الأحد. واهدي غيرك باللين إلى طرقهم العائدة إلى الصمد، حاول أن تنقذهم من الإيّات. قد يغسل الإنسان مخ أخيه الإنسان، وباستخدام الدين نفسه، ولكن الله لا يغسل أمخاخ عباده أبداً؛ التمس طريقك إليه، طريقك إلى مصدرك الصمد، بدون أن تسمح لأي إنسان أن يغسل مخك خلال الطريق، لأنّه—تذكر—لا يوجد أحد آمن من غسيل المخ، خصوصاً إن كنت تقرأ، أو تشاهد، أو تسمع للآخرين باستمرار، بدلاً من أن تجاهد كي تسمع مصدرك: ربّك.

—ياسين رُكَّه