‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإصلاح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإصلاح. إظهار كافة الرسائل

السبت، أكتوبر 5

الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة

هذه رسالةٌ إلى كلِّ المصريين المسلمين، بغضِّ النظر عن انتمائاتِهم ومواقفِهم الحالية، ثوارِ رابعة ومؤيدي الانقلاب، مستقلين وأحزاب، إخوان وسلفيين، مؤيدي الشرعية ومؤيدي الجيش، مؤيدي مرسي ومؤيدي السيسي، مؤيدي الحكمِ الديمقراطي ومؤيدي الحكمِ العسكري، وإلى آخرِه، طالما أنت مسلم وتحبُّ الله ورسولَه ودينَك، فرسالتي موجهةٌ إليك.

كنت قد كتبتُ سابقاً عدة مقالات عن أهميةِ قانونِ الدولةِ أو الدستور، وشرحتُ الفرقَ بين الدستور والشريعة، وأكدتُ أنّ القانون، أو السلطان، أو الدستور هو أهمُّ ركنٍ من أركانِ الدولة، وهو أُسُّ الفساد أو منبعُ الإصلاح. بل إن التحكمَ في القانونِ أو الدستور أهمُّ من التحكمِ في البنوكِ أو الجيوش. ومن هذا المنطلق، أكتبُ هذه المقالة.

أبدأ رسالتي بالجزء الموجه إلى أهل رابعة أو الثوار، وخاص إخواني من الشبابِ الثوريّ فيهم: لا تغتروا بأنفسِكم، ولا بقوتِكم، ولا بذكائِكم؛ ولا تغتروا بشعاراتٍ جوفاء مثل ’سلميّتُنا أقوى من الرَّصاص‘، فهذه أساطيرٌ أيضاً مثل أساطير الإعلامِ الكذوب الإسلاموفوبي. طيّب، ما هي الحقيقة إذن؟ الحقيقةُ هي ما قالها اللهُ سبحانه تعالى في كتابِه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}—سورة محمد: ٧. يعني أنتم أنفسُكم لستم أقوى من العسكر؛ لا أجسادُكم ولا شبابُكم أقوى من رصاصِ العسكر؛ وبمنتهى اليقين، سلميتُكم ليست أقوى من رصاصِ وبنادقِ ومدرعاتِ العسكر؛ ولكن...الله! اللهُ أقوى من العسكرِ ورصاصِ ودباباتِ ومدرعاتِ العسكرِ وأقوى من أمريكا ومن الناتو ومن كل شيء؛ الله أكبر. ومفيش حاجة اسمها أكبر من إيه أو من مين؛ الله أكبر. نقطة. انتهى الموضوع: الله أكبر.

طيّب، طالما الموضوع كذلك، والله قال: {إن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، [يبقى عشان تنتصروا على العسكر، لازم تنصروا الله. عشان لما بنادق العسكر تتصوب تجاهكم، ولما يطلع من البنادق رصاص حيّ، تثبت أقدامكم، مالكُمش اختيار]…لكي تثبت أقدامُكم في هذه اللحظة، ليس لكم خيارٌ سوى أن تنصروا الله...فينصركم ويثبت أقدامَكم.

فالسؤالُ الذي يفرض نفسَه: هل أنت تنصر الله عندما تنصر ’الشرعيةَ‘ مثلاً؟ [جائز شيخك، أو العالم اللي بتثق فيه، بيقولّك أيوه،] نعم، أنت بنصرتك للشرعية، تنصر رجوعَ الحقِّ لأصحابه، وبالتالي تنصر الله. ماشي. لن أجادل في هذا، ولكنّي سأسألك: إن كان بإمكانك نُصرةَ الشرعية وبإمكانك نصرةَ الشريعة في لحظة الموت، أيهما أولى بنصرتِك؟ إن كنت تعلمُ أنك ستموت اليوم...اليوم؛ في ظنك، ما الأولى؟ نصرةُ الشرعية، أم نصرةُ الشريعة؟ هذا سؤالٌ لك، ولشيخك أو إمامك، أيا كان.

وبناءاً عليه، أيهما يتعلق أكثر بنصرِ الله؟ مرة ثانية، أيهما يتعلق أكثر بنصر الله؟ أيهما علاقتُه باللهِ أوثق...أقرب؟ شرعيةُ إنسانٍ ونظام؟ أم شريعةُ الله؟ أيهما أقربُ إلى اللهِ وإلى نصرِ الله؟ هذا سؤال لك، ولشيخك إن كان لك شيخ.

وبالإجابة على هذه الأسئلة، يمكنك أن تحدد ما  الذي يستحق موتَك، ما الذي يستحق تضحيتَك، ما الذي يستحق نضالَك وكفاحَك، شرعيةَ الحاكمِ والنظام، أم شريعةَ الله؟ وما الذي سيجلب نصرَ اللهِ لك ولفريقِك، أسرع وبتأثير أقوى على الظالم؟ نصرتُك لشرعيةِ حاكمٍ ونظام، أم نصرتُك للشريعة؟

ومرةٌ أخرى، إن قال قائلٌ أن بنصرتِك للشرعية، أنت تنصر رجوعَ الحقِّ لأصحابِه، وهم الإسلاميين، فتنصر الإسلامَ نفسَه بطريقةٍ غيرِ مباشرة، لإن الإسلاميين يريدون تطبيقَ شرعِ الله، أو الشريعة، فعندي الرد على هذا أيضاً: بفس هذا المنطق، منطق ذلك القائل، أنت بنصرتِك للشريعة، تنصر الشرعيةَ بطريقةٍ غيرِ مباشرة. كيف؟ لأنه إذا كان الإسلاميون—سواءاً الإخوانُ المسلمون أو غيرُهم—فعلاً يريدون تطبيقَ شرعِ الله، أو الشريعة، وفي نفس الوقت، العسكرُ لا يريدون تطبيقَ الشريعة، فأنت بنصرتِك للشريعة، بالتأكيد تنصر الإسلاميين، وتنصر شرعيتَهم على العسكر. لأنك تريد شيئاً، والعسكر لا يريد هذا الشيء، أما الإسلاميون فيريدونه؛ فأنت بنصرتك لهذا الشيء، تنصر الإسلاميين أيضاً.

طيّب، ولماذا لا أنصر الإسلاميين أو شرعيتَهم مباشرة؟ لأنك بتأييدك لفكرةٍ بدلاً من شخص، وبنصرتك لشيءٍ وثيقِ الصلةِ بالإسلام، بالدينِ نفسِه، تضمن أن من تنصره (الشخص) عندما يأتي، سيعلم جيداً لماذا نصرته! ما هو سببُ نصرتِك له. سيعلم جيداً أنك نصرته لأنك تنصر الشريعة؛ وبالتالي، إن كان به من قبل بعض التذبذب أو الحيرة أو التردد في تطبيق الشريعة، كل هذا سيختفي تماماً عندما يرى أن من نصره، نصره أساساً...من أجلِ تطبيقِ الشريعة. وبالتالي، الكلُّ يفوز وينتصر! الإسلامُ ينتصر بنصرةِ شريعتِه، وأنت تنتصر بالثوابِ الذي أخذته لنصرةِ الإسلامِ والشريعة، والإسلاميون ينتصرون برجوع الحقِّ لهم، وفي نفس الوقت، بتيسيرِ مهمةِ تطبيقِهم للشريعة؛ حيث أن وقتَها، لا يوجد حُجَّة عندهم لتأجيلِ تطبيقِ الشريعة أو لاتباعِ الفكرِ الفاسد الذي يقول بتدرجِ تطبيقِها؛ لأنهم سيروا أن من نصروهم، نصروهم من أجل الشريعة، وليس من أجل شيءٍ آخر، لا العيش أو الخبز، ولا الحرية، ولا العدالة الاجتماعية المزعومة، ولا الباذنجانية...بل نصروهم من أجل الشريعة.

فكما ترى، أنت بنصرتك للشريعة، تنصر الشرعية، وتنصر الإسلاميين، وتنصر نفسك أيضاً، لأنك بنصرتك للشريعة، أنت تنصر الطريقةَ الوحيدةَ لتحكيمِ اللهِ، لتأكيد ربوبيةِ ووحدانيةِ الله بترسيخِ حاكميتِه وحدِه سبحانه وتعالى، وبالتالي تنصر الله بطريقة مباشرة، فتفوز في الآخرة وتنتصر في الدنيا أيضاً: {إن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

هذا، وإن العملَ على نصرةِ فكرةٍ أو قضيةٍ مثل شريعةِ الله سيجمع شملَ أكبر عدد ممكن من المصريين والثوارِ الشرفاء. كيف؟ لأننا اليوم في مصر انقسمنا إلى عدةِ أقسام، بغض النظر عن نسب أو أحجام تلك الأقسام. والأقسام الرئيسية التي انقسمنا إليها أعتقد أنها أربعةُ أقسام: قسمٌ يؤيد حكومةَ مرسي والإخوان، قسمٌ يؤيد حكمَ العسكرِ ويؤيد الجيش، قسمٌ يرفض الاثنين: الإخوانَ والعسكر، وقسم لا يهتم أو بالكاد يهتم اهتماماً سطحياً من بابِ الدرايةِ والعلمِ بالشيء، ولهذا فلن أهتم بهذا القسم في كلامي.

القسم الذي يؤيد حكومة مرسي والإخوان يؤيد الشريعة أيضاً بمنتهى الوضوح والسهولة، وهم أغلب أهل رابعة. أما القسمان الآخران ففيهما قولان: ظني بالقسم الذي يؤيد العسكرَ هو أن معظمَهم، ولا أقول كلَّهم، ولكن معظمُهم يؤيدون العسكرَ من بابِ الوطنية وحبِّ الوطن، وهم في نفس الوقتِ يؤيدون الإسلامَ ويحبون الله ورسولَه صلى الله عليه وسلم، ولو على الأقل شفهياً عندما تسألهم، حتى وإن كانت طريقةُ حياةِ بعضهم أو عاداتُهم لا تدل على ذلك؛ على الأقل إن حاورتَ بعضَهم، لأكدوا لك انتماءَهم للإسلامِ وحبَّهم للهِ ولرسولهِ صلى الله عليه وسلم. وبناءاً عليه، إن سألت بعضَهم: من أهم عندك، اللهُ ورسولُه أم السيسي؟ ما الأهم عندك، الإسلام أم الجيش؟ إن قال لنا: ’السيسي والجيش أهم‘، فقد كفر ولا نتحدث معه أكثر من ذلك. إن قال لنا: ’الاثنين ولا يوجد تناقض‘، فنسأله: أتضع الإسلامَ، دينَ الله، في نفس المنزلةِ مع مجموعةٍ من الجنود؟ هان عليكَ دينُك؟ أتضع الله سبحانه وتعالى في نفس المنزلةِ مع بشر، قائدِ جيش؟ هان عليكَ اللهُ لهذه الدرجة؟ أما إن قال لنا: ’اللهُ والإسلامُ أهم عندي من أي شيء، ولكن مرسي ليس نبيّاً مرسلاً أو والياً من أولياء الصاحلين، والإخوانُ لا يمثلون الإسلام‘؛ نقول له: متفقون على هذا تماماً. لا نعطي مُرسي فوق قدرِه، والإسلامُ أعظمُ من أن يمثله فصيلٌ أو حزبٌ واحد. ولهذا فإني أدعوك ألا تؤيد مرسي أو الإخوان، ولكن تؤيد شريعةَ الله، تنصر اللهَ معي، فتطالب بتطبيقِ الشريعة. وبهذا، نحن نبعد عن الجدلِ العقيم في مسألةِ من هو الخائنُ ومن الأمين، من هو الكاذبُ ومن الصادق، وإلى آخره. نبعد تماماً عن هذا الجدلِ العقيم، ونركز في نقطةٍ محددة، هي كفيلة بأن تُظهر الحق. تعالى معي، نؤيد الشريعةَ ونطالب بها، فننصر الله سوياً. والله وعد في كتابه الكريم أننا إن فعلنا، لنصرنا اللهُ وثبت أقدامَنا. وبناءاً عليه، نحن وقتها لا نؤيد لا مرسي ولا الإخوان ولا الإسلاميين ولا السيسي ولا الجيش، بل نؤيد فقط الله، وننصر فقط الله. وبهذا، إما أننا سندعو الجميعَ إلى نصرةِ الله أيضاً، أو أن الله سيُظهر الحقَّ على أيدينا، عندما نرى من سيحاربنا ويقاومنا على الرغمِ من أننا لا نشخصن، لا نؤيد أشخاصاً ولا أطرافاً، وإنما فقط نؤيد شريعةَ الله، فقط ننصر الله. وقتها من يحاربنا، سيثبت أنه يحارب الله ودينَ الله. وقتها نعرف من الخائن ومن الوفي لله؛ من الكاذب ومن الصادق في حبه لله وفي تأييده لما يرضي الله.

شيءٌ بديهيٌ أن الحكمَ بما أنزل الله، تحكيمَ شرائع الله، استخدامَ شريعةِ الله في السلطة، يرضي الله. فكل ما علينا القيامُ به هو أن نؤيد نحن هذا بالتحديد، نؤيد نحن، وبمنتهى القوة والعزيمة والإصرار والإيمان، تحكيمَ شريعةِ الله علينا وجعلَها قانونَنا ودستورَنا؛ ووقتها، ليس علينا سوى أن نرى ردودَ أفعالِ الأطرافِ المختلفة، فنرى من يحاربنا وبالتالي يحارب الله وحاكميَّتَه بمحاربةِ شريعةِ الله، ومن يؤيدنا ويساعدنا بصدقٍ وإخلاص.

وبتثقيف أنفسنا وتعليم أنفسنا حقائقِ الشريعة، يمكننا أيضاً أن نكشف المخادعين الذين يزعمون أنهم يطبقون الشريعة، ولكن في الحقيقة هم لا يفعلون ذلك ويقبلون بقوانين وضعية عالمانية—ولو جزئياً—بدلاً من قوانين الله؛ فإن انكشف خداعُ أحدٍ تسلق علينا بالكذب، ثرنا ضده ورفضناه وطردناه وطالبنا بمن يصدق في تطبيق الشريعة.

أما من يقول أنه لا داعي لتطبيقِ الشريعة الآن أو أنها غيرُ مناسبة للوقتِ والزمان أو أن نطبقها بالتدرج، فالردُّ على هذا الكلامِ أيضاً بفهم شريعتِنا فهماً سليماً، وبفهم ما إذا كان تطبيقُ الشريعةِ شيئاً اختيارياً أصلاً، أم مثله مثل الصلاةِ على أوقاتها خمس مرات في اليوم—فرض، بل مثل شهادةِ ’لا إله إلا الله‘، وجزء لا يتجزأ من هذه الشهادةِ نفسِها—أمر يتعلق بالعقيدة وما دونه كفر وشرك!

وبالنسبة إلى القسم الثالث، الذي يرفض الاثنين: الإخوانَ والعسكر، فبعض هؤلاء ليبراليون وعالَمانيون يزعمون الانتماءَ إلى الإسلامِ وفي نفس الوقتِ يؤيدون قلباً وقالباً أنظمةً سياسيةً مثل الليبرالية والعالَمانية، وهؤلاء لا يستحقون أكثر من أقل القليل من الكلامِ معهم عن أهميةِ الشريعة وكونِها جزء لا يتجزأ من شهادة لا إله إلا الله؛ فإن سمِعوا واقتنعوا بالأدلةِ والمنطق، فأهلا وسهلاً بهم في الفهمِ الصحيحِ لدينِ الإسلام؛ وإن لم يسمعوا وأصروا على تأييدِ أنظمةٍ معاديةٍ للإسلامِ بشموليته وكليّته، فلا داعي لتضييع الوقت معهم ونسأل الله لهم الهداية. ولكن من بين هؤلاء الرافضين للإخوانِ والعسكرِ معاً، أناس ينتمون إلى الإسلامِ بصدقٍ، أو على الأقل يريدون أن ينتموا إلى الإسلام بصدق، بل ويحاولون أن يؤيدوا التيار الإسلامي أحياناً، ولكنهم تأثروا مثلاً بأخطاءِ الإخوانِ وبالإشاعاتِ التي تحوم حولهم من الإعلامِ الفاسد، فانتهى بهم الأمرُ إلى كراهية—أو على الأقل رفضِ—الإخوانِ أيضاً؛ «حركة أحرار» وبعض ثوار ما يسمى بالميدان الثالث أمثلة جيدة لهذا القسم من الناس في مصر اليوم. وهؤلاء، الرسالةُ لهم مشابهةٌ بعض الشيء للرسالةِ التي وجهتُها لمؤيدي العسكر—مع الاعتراف بالفرق الشاسع في التفكير بالتأكيد؛ بل إن أمرَ هؤلاءِ المؤيدين للمشروعِ الإسلاميّ أسهلُ بكثير، لأن قضيةَ هؤلاءِ ليست مشخصنة أصلاً، وهم ببساطة حائرون بين الجهاتِ الموجودة، ويكرهون أو ينفرون من أغلبيتها العظمى. فمعظم هؤلاء قد يرون المنطقَ والجمالَ والقبولَ في قضيةِ تأييدِ الشريعة ونصرةِ الله بهذه الطريقة، مع الوعد لهم أن نظل كلُّنا على العهد، فلا نؤيد سوى الشريعة، ولا نعين سوى من يطبق الشريعة بصدق؛ وأن نرفض ونثور ضد أي جهةٍ أو شخص، كائناً من كان، من أول لحظة نتأكد فيها أنهم يخادعوننا ولا يطبقون شريعةَ اللهِ فعلياً وبصدق. نعدهم ونعاهدهم على أن تكون قضيتُنا الشريعة، وألا نؤيد أحداً إلا إذا تأكدنا أنه يطبق الشريعةَ بالفعل، لا ينوي أو يهدف إلى تطبيقِ الشريعة، بل يطبقها فعلياً ومن أولِ يوم.

يعني، أهل الميدان الثالث، تعالوا لنوحد الصفَّ ونثور مع بعضنا البعض، لا لأحزابٍ أو أشخاص، بل لفكرةٍ وقضية، وهي الشريعة؛ ولننشر هذا الفكرَ قدر الاستطاع ونطلب من الثوارِ أن يغيروا فكرَهم وشعاراتِهم بإحلالِ الشريعةِ مكان الشرعية، وإخلاصِ النية لله والتمسكِ به بدلاً من التمسكِ بأشخاص؛ ولكن لن يمكنكم توصيلَ هذه الرسالةِ إلى الثوارِ الآخرين وأهلِ رابعة إلا إذا وحدتم الصفَّ، ورأوكم معهم في مواجهةِ الظلمِ والاستبدادِ والحربِ الحالية على دين الله. يجب أن يراكم أهل رابعة معهم، موحدين للصف، كي يسمعوا رسالتَكم ويقتنعوا بها. وأرجو منكم عذر بعضهم إن لم يقتنعوا؛ فإن قلة الوعي والعلم متفشية في كل مكان في الدنيا اليوم، وعاطفة الشخصنة أو الارتباط بأشخاص شيء متأصل في الكثير من البسطاء؛ أرجو أن تعذروا هؤلاء وتستمروا في نشر رسالتكم للآخرين. ولعلكم تقتنعوا أن الرئيس والبرلمان المنتخب لهم شرعية اختيار أغلبية الشعب لهم، وإن كانت شرعية ثانوية ومشروطة بتطبيق الشريعة؛ ولعلكم توافقوني، إخواني من الميدان الثالث، على أن هذا الرئيسِ المعتَقَل والبرلمانيين المسجونين، قد دفعوا ثمن أخطائِهم، ولعل بعضُهم أدرك أنه فرط في حقِّ الله؛ وأيضاً هؤلاء يمكننا الضغطَ عليهم ومعارضتَهم ومحاسبتَهم بما وعدونا به ثم أخلفوا؛ أما العسكر، فهم لم يعطوا أي وعودٍ بتطبيق الشريعة، بل ويبدو أنهم يحاربون دينَ اللهِ نفسَه اليوم؛ أنا لست بصدد التأكيد على أي إتهامات ضد أي جهة في مقالي هذا، ولكن هذا ما يراه البعض. النقطة التي أهتم بها هنا هي أن الشرعية التي ينادي بها بعض أهل رابعة ليست باطلة تماماً، لأن الرئيس والبرلمان قد يكونوا وقعوا في أخطائهم عن جهل، وفي نفس الوقت هم فعلاً اختيار الأغلبية؛ وبالتالي، فشرعيتهم قد لا تكون باطلة تماماً، ولكني أوافقكم أنها شرعية ثانوية ومشروطة بتطبيق الشريعة؛ فتسقط عنهم حتماً في حالة التأكد من رفضهم لتطبيق الشريعة عن عمد وعلم؛ ولكن يجب قبل إسقاط شرعيتِهم التأكد من تعمدِهم وعلمِهم ببطلانِ وفسادِ ما يقومون به في حقِّ الشريعةِ الإسلامية.

هل كل هذا يعني أننا سنقطع يد السارق ونجلد الزاني من أول يوم، وغيرها من الاسطوانات التي يرددها الإعلام الإسلاموفوبي أو الكاره للإسلام؟  هذا يدخل في تفاصيل وشروط تطبيق أي شرع من شرائع الله، وهذه التفاصيل وهذا النوع من العمق في الشريعة ليس قضيتَنا؛ بل إن قضيتَنا هي مصيبة أننا نكفر ونشرك بالله إن لم نعترف بفرضية تطبيق أوامر الله، قوانين الله، شرائع الله. مرة أخرى، أي شخص يكفر ويشرك بالله إن لم يطبق قوانينَ الله ويعترف بفرضيتها. وبالنسبة لهذه التفاصيل، فلن نكون أبداً أرحمَ على الناسِ من الله، لن نكون أبداً أعلم بما ينفع الناسَ ويناسبهم أكثر من اللهِ سبحانه وتعالى. وليس للدخول في التفاصيل الآن، ولكن لإعطاء مثال سريع لإثبات أن هناك مساحة لمناقشة التفاصيل لاحقاً بالمنطق وبما يطمئن قلبَ أيِ إنسانٍ قد يكون عنده القليلُ من الشكِّ نتيجة قلةِ العلم، مثلاً، حد السرقة لا يطبق على من سرق لسدِّ جوعِه أو لحاجةٍ ملحةٍ تعني الفرقَ بين الحياةِ والموت. بمعنى آخر، عدم تطبيق حدٍّ ما أحيانا يَعني ببساطة تطبيقَ الشريعة، لأن الشريعة هي التي تحدد حكماً آخر في هذا الموقف. أكرر، عدم تطبيق حدٍّ ما أحيانا يَعني تطبيقَ الشريعة، لأن الشريعة هي التي تحدد حكماً آخر في هذا الموقف. وكما ذكرت، الدخولُ في هذه التفاصيلِ والجدلُ فيها ليس قضيتَنا اليوم إطلاقاً؛ وإنما قضيتَنا هي إثباتُ الأهميةِ القصوى لتطبيقِ قوانين الله، والمطالبة بها؛ والاعتراف بأن أكثر الآلياتِ الديمقراطية، أو أساليبِ العملِ السياسي حالياً، والتي انخرط فيها الإسلاميون أنفسُهم في حكومةِ ما بعد الثورة، هي آليات أو أساليب مخالفة لدين الله، ولا يرضى اللهُ عنها؛ ويكاد يقسم الكثيرُ أن هذه المخالفاتِ هي أسبابُ تخلي اللهِ عنا في المرحلة السابقة وعودتِنا إلى الذلِّ والمهانةِ والقتلِ والتعذيب. وبالتالي، فلا عزةُ لنا، ولا عودةٌ إلى التمكينِ للمشروع الإسلامي إلا إذا كان فعلاً إسلامياً وفعلاً يرضي الله. ولن يكونُ المشروعُ الإسلاميُّ بالفعل إسلامياً إلا إذا طَبَّقَ قوانينَ الإسلامِ من أولِ يومٍ في السلطةِ والحكم.

وفي النهاية، ألخص رسالتي في دعوةِ كلِّ المصريين المسلمين، من يحبون الله ورسولَه والإسلام، حباً حقيقياً، سواءاً كانوا إخوان أو سلفيين، وطنيين أو مؤيدين للنظام السابق، عسكريين أو مؤيدين للجيش المصري من باب الوطنية، طالما أنتم تحبون الله ورسوله والإسلام فوق أي شيء، فتعالوا إلى كلمةٍ سواء، لا نشخصن، لا نتبع أي شخص أو أشخاص، سواءا رئيساً أو قائدَ جيش، حزباً سياسياً أو جنوداً، تعالوا نتبعد تماماً عن الشخصنة أو تأييدِ أي أشخاص؛ وتعالوا لننصر الله، ولا أحدَ غيرَ الله. تعالوا لنُحَكِّم الله ورسولَه علينا؛ كيف؟ بتحكيم القرآنِ والسنةِ علينا. كيف؟ بتحكيم شريعةِ الله علينا، قوانينِ الله. تعالوا كلنا نجتمع على هذا، ونعاهد بعضَنا على هذا، ولا شيء غير هذا. فننظر من سيؤيدنا في قضيتِنا هذه، ومن سيحاربنا. ونحن بالفعل جربنا أحزاباً إسلامية أقنعتنا أنها ستطبق قوانينَ الله، ولكن أثبتت التجرُبةُ أنهم اتبعوا آلياتٍ وسياساتٍ فاسدةً وغيرَ شرعية، أيْ طرقاً وسياساتٍ مخالفةً للشريعةِ وتستبدلها بالقوانينِ الوضعيةِ في بعض الأمور؛ ورأينا بأنفسنا فشلَ هذا الطريقِ وإذلالَ اللهِ للكثيرِ منا بسبِبه؛ فبإذن اللهِ لن نقع في نفسِ الفخِّ مرة أخرى، ولن نسمح لأيِّ حزبٍ أو رئيسٍ أن يخدعنا نفسَ الخدعةِ مرةً أخرى. هذه المرة، إما آليات وسياسات تطبق قوانينَ اللهِ بحذافيرِها، ومن أولِ يوم...وإما الثورة مستمرة. ودعوتي لكل من يقتنع برسالتي هذه، هي أن يوحدَ الصفَّ تحت شعارِ رابعة وفي مظاهراتِ رابعة، مع دعوةِ الناسِ باستمرارٍ إلى التخلي عن شعاراتِ الشرعية، واستبدالِها بشعاراتِ الشريعة، ومع التماسِ العذرِ لأي مجموعات من الناس لا تقتنع بهذه الرسالة، والاستمرار في توحيدِ الصفِّ معهم. لماذا نعذرهم مؤقتاً ونوحد الصفَّ معهم؟ لأني رسالتي ليست ’لا للشرعية، ونعم للشريعة‘؛ بل أقول: الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة؛ أي أن شرعيةَ القائدِ أو الرئيسِ المستمدةَ من اختيارِ أغلبيةِ الشعب هي شرعيةٌ مؤقتةٌ وثانويةٌ ومشروطةٌ بتطبيقِ الشريعة؛ فنعم، لها وزن وأهمية، ولكن هذه الشرعية لا يمكن الاحتفاظ بها إلا بالشريعة. وبالتالي، يمكننا أن نعذر من منعته العاطفة أو قلة العلم عن الاقتناع برسالتنا في المرحلة الحالية، ويمكننا أن نوحد الصفَّ معهم على أية حال في هذه المرحلة، مع التركيز على رسالتنا والاستمرار في الدعوة إليها: الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة.

—ياسين ركه

ملحوظة: من أراد أن يسمع ويرى الأدلة على منطقيةِ وعدالةِ وصحةِ تطبيق الشريعة، كاملةً ومن أول يوم، وحتمية تطبيق الشريعة للاحتفاظ بإسلامنا نفسه، فليستثمر وقته لمشاهدة سلسلة «نصرةً للشريعة» للدكتور إياد قنيبي.

الخميس، أغسطس 22

حلم الليبراليين في أربع مراحل نصفها وهمي!

القراءة الصوتية للمقالة

مرحلتان فقط في هذه الأربعة هما الحقيقة: حرية ديمقراطية، ثم فاشية دينية، ثم فاشية عسكرية، ثم حرية ليبرالية.

بعد الثورة المصرية، بالفعل جاءت مرحلة [حرية ديمقراطية]، والمفترض أن هذه المرحلة أنجبت [فاشية دينية] (نتيجة غير منطقية أصلاً)؛ تم التخلص من المرحلة الثانية بال [فاشية العسكرية]، وهذه حقيقة، لأن مؤيدي العسكر أنفسهم يؤمنون بوجوب استخدام القوة، ويبررون ذلك بحُجّة أن الفاشية الدينية المزعومة هي التي بدأت باستخدام القوة؛ والمفترض أن مرحلة الفاشية العسكرية ستنجب [حرية ليبرالية]! أو هذا ما يحلمون به.

بعض أهل النخبة في مصر، من أمثال البرادعي وباسم يوسف، يلقنون جماهيرهم اسطوانة التحذير من الوقوع في الفاشية الليبرالية بعد التخلص من الفاشية الدينية. هذه النخبة تظن نفسها عاقلة، وتلاميذهم وجماهيرهم يستمتعون بهذه العقلانية المزعومة.

ولكن المنطق والعقل والتاريخ يردون عليهم: المفترض أننا نصدق أن فاشية دينية أتت من انتخابات ديمقراطية واختيار حر، ونشعر بالرضا عن نزع هذه الفاشية الدينية المزعومة بالقوة. والمفترض أننا حالياً في مرحلة ليبرالية أو تهيأة لليبرالية، وقد تكون هذه الرؤية مستمدة من وجود بعض الليبراليين في الحكومة الحالية، والذين هم موظفون للعسكر في حقيقتهم، وليسوا ممثلين للشعب أو لاختيار الشعب. المفترض أن المرحلة الحالية، سواء اعتبرناها مرحلة ليبرالية مزعومة—حصلنا عليها بدون انتخابات أو اختيار حر—أو اعتبرناها مرحلة فاشية عسكرية، المفترض أنها ستنجب شيئاً غير الفاشية. المفترض أن حرية ليبرالية يمكن أن تأتي من مرحلتنا الحالية. المفترض أننا نصدق أن الاختيار الحر أدى إلى الفاشية، وأن القوة والإجبار سيؤديا إلى حرية.

والمفترض أن تحذيرات النخبة من عدم الوقوع في الفاشية الليبرالية تعبر عن صوت العقل! المفترض أن التحذير من هذه النتيجة...سينفع!

يا سادة، ما بني على باطل فهو باطل؛ قاعدة كونية لا تتغير. وبذرة القهر لا تُنبت حرية أو أحراراً. إن كنتم تظنون أن ليبراليتكم التي أتت بالفاشية العسكرية ستؤدي إلى حرية، فيا له من وهم أجوف. هيهات هيهات يا نخبة، ويا جماهير النخبة!

—ياسين ركه

شعب رداح بالتلقين!

القراءة الصوتية للمقالة

هُوَّ الصوت العالي والردح العوالمي والجعجعة والتهزيء العَلَني من المذيعين المصريين على التليفزيون أمام الشعب كله ده المفروض إنه يكون ’إعلام‘؟ المفروض دي برامج تليفزيونية؟ والشعب قاعد بيتعلم إزاي ينقد وإزاي يرفض وإزاي يتكلم من المذيعين دُول؟ هُوَّ ده مصدر تلقين شعبنا وأطفالنا ومراهقينا والبسطاء وكمان المتعلّمين أنفسهم بحُكم العادة والتعود و’أُلفة‘ القبح والإثم والإسفاف؟ تخيّل لما المواطن المصري، سواء متعلم أو غير متعلم، ’يألف‘ الإسفاف والجعجعة والصوت العالي في النقد والرفض! عارف يعني إيه أُلْفِة القبح؟ إنك تألف القبح وتاخد عليه وياخد عليك؟ إلى إنه يصبح ده...العادي؟!!

الناس دي لو مكنش فيه جمهور ليها بيفتح التليفزيون ويبعت كل واحد فيهم الإشارة (السِجْنال) إن مُشاهد آخر عمل اتصال أو صلة ما بين جهازه في البيت والبث التليفزيوني من البرج، لو مفيش جمهور بيفتح ويتفرج ويزوّد شهرة البرنامج، لا يمكن كان البرنامج يستمر. اللوم مش على المذيعين واللي مشغلينهم فقط، وإنما اللوم على مئات الآلاف أو الملايين اللي بيتفرجوا.

محدش يقول لي إحنا شعب ’متدين‘ بالفطرة...إحنا شعب تافه بالفطرة، شعب سفيه بالفطرة، شعب جعجاع وحلانجي وفهلوي ورَدَّاح بالفطرة! في الحقيقة...الجنس البشري كله، سواء عرب في قبائل بدوية بتدبّح في بعض عشوائياً بسبب وبدون سبب قبل ما يهذبهم الإسلام، أو قراصنة اسكندنافيين (فايْكِنْجْزْ) في قرى همجية بتعمل غارات على بعضها البعض وعلى جيرانها بسبب أو بدون سبب قبل ما تهذبهم المسيحية الأصيلة قبل ظهور الإسلام، الجنس البشري كله...همجي ودموي بالفطرة، لولا رسل الله ورسائل الله له—الجنس البشري. وإن لم يكن شعبٌ ما دموياً لأن القوانين تمنعه، فهو مريض لا محالة بدون الله (ولنا في اسكندنافيا اليوم عبرة وأنا منهم).

لكن غالباً، تكرار كلمة ’بالفطرة‘ هنا غلط ولا يجوز؛ غالباً، أنا غلطان إني أكرر الكلمة في هذا السياق. أعتذر؛ مش للشعب ولا للجنس البشري، وإنما أعتذر لله سبحانه وتعالى. لأن اللهَ يقولُ في كتابهِ الكريم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}—سورة الروم: ٣٠. يعني إحنا كجنس بشري لو لينا أي ميزة بالفطرة، فإحنا موحدين مؤمنين بالله وحده ومستسلمين ليه بالفطرة. إذن، فما هي المشكلة؟ ومن أين أتت كل هذه الدموية والهمجية؟ في فهمي، هي أتت بالتلقين. فكما أن ’كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانِه أو يُنَصِّرانِه‘، فكل مولودٍ بالتأكيد يولد على الفطرة السليمة، فأبواه ومعلمينه وإعلامه وحكومته وقنواته التليفزيونية ورموزه التاريخية يفقدونه إنسانيتَهُ ورفيعَ خلقِهِ وتحضرهِ وأدب حواره وكلامه. فقد نكون شعباً وجنساً بشرياً موحداً وإنسانياً بالفطرة، ولكننا نتحول إلى همج ورعاع وحيوانات بالتلقين والتعليم والتقليد من رموزنا الحاضرة، ومنهم مشاهير وإعلاميين همج ورعاع.

نعم، يا سادة، إننا شعبٌ…رَدَّاح بالتلقين.

—ياسين ركه

السبت، يوليو 20

يا ترى بتكره مين أكثر؟

تعليقاً على موضة نشر صور للمجرمين والخونة وسؤال جمهور الصفحات على المواقع الاجتماعية: من تكره أكثر، هذا السيكوباتي أم هذا القاتل أم هذه الكذابة أم هذا المنافق؟ كتبت...

يا جماعة الخير، يا ريت سيبنا من الكلام في الكراهية، وتركزوا على الأخبار المؤكدة والتفكير المنطقي والنقد العقلاني. يا ريت نرتقي بفِكر المسلمين وبفِكر مؤيدين المشروع الإسلامي.

نكره الشر والخائنين وكل حاجة، ولكن مش لازم نركز على النقطة دي إعلامياً يعني! الشعوب العربية مش ناقصة أصلها كراهية؛ كلنا بنمارس العنف والكراهية بالقدر الكافي وأكثر. فيا ريت لما يكون واحد مدير صفحة على فيسبوك مثلاً، يحاول يرتقي بفِكر الناس، خاصة لما يكون الجمهور مسلمين متدينين ومؤيدين للمشروع الإسلامي. تحدث إلى عقول الناس أكثر بكثير مما تتحدث إلى قلوبهم؛ هكذا يمكننا الارتقاء بفِكر شعوبنا والأمة.

نصيحتي لكل أخ: لا تشارك في هذه الاستفتاءات، خاصة عندما يكون واضحاً أن لا فائدة منها أصلاً، لا إعلامياً ولا إخبارياً. واكتب تعليق تنصح به مدير الصفحة بالرسالة التي ذكرتها أعلاه، ويبقى جزاك الله خيراً.

—ياسين رُكَّه

الخميس، يوليو 18

لماذا ثاروا ولماذا نعتصم؟

من ثار من أجل الكهرباء والبنزين والأمان من البلطجية، فلا يستحق سوى الكهرباء والبنزين والأمان من البلطجية (حياة الليبرالي اليوم، ولاحظ انعدام الكرامة واستيراد العيش واختفاء الحرية).

ومن ثار من أجل العيش والكرامة والحرية، فلا يستحق سوى العيش والكرامة والحرية (حياة الكثير من المصريين في عهد مُرسي، مؤيدين ومعارضة، ولاحظ شكوى الناس من قلة الدين وعدم وجود وحدة وافتقار هواء الوطن إلى رضا الله).

ومن ثار من أجل إرجاع رجل إلى كرسيّ، فلا يستحق سوى رجوع ذلك الرجل إلى الكرسيّ.

ومن ثار من أجل إعلاء كلمة الله، من أجل تحكيم شرع الله، من أجل الله—وإن كان جزء من هذا هو رجوع الحق لأصحابه، فلا يستحق سوى الله. وكفى بالله كل حاجة في الدنيا والآخرة.

«إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى؛ فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيُبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه.»
الراوي:    عمر بن الخطاب | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: ١ | خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

—ياسين رُكَّه

الفتنة نائمة والظالمون يهلكون الظالمين والطعام لذيذ

’اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين‘.

كيف تربي السلبية وحب الدنيا في شعب مسلم وتصنع أشباه متدينين؟ ارفع صوتك بهذا الدعاء، ركّز عليه، كرره على مسامع المسلمين؛ وفي نفس الوقت، اشتكي وقل لهم أن الأدعية المستحدثة التي يدعون بها ليس لها دليل في السنة وأن الأولى والأرجح الدعاء بما دعا به الرسول عليه الصلاة والسلام. ولكننا لا نعرف عن الرسول (ص) دعائه بذلك الدعاء أبداً، فلماذا يدعو به الشيخ المُفتي في الخُطب والدروس؟!

إذا أصبحت أمنية المسلم هي أن يُهلِك الله الظالمين بالظالمين ويخرجه من بينهم سالمين، فما هي وظيفة المسلم؟ ما هي شغلانة المسلم إذن؟ ما هي فائدته للناس ولله وللأرض؟

لو الظالمين يتضربوا بالظالمين، أُمَّال انت بتعمل إيه؟ بتتفرّج؟

أليس هذا الدعاء مثل قول: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}—المائدة: ٢٤؟

كيف تصنع السلبية وانعدام النخوة والخوف صناعة في قلوب أشباه المتدينين؟ كلما قام أحدهم للوقوف أمام ظالم أو جندي مرتزق من جنود الظالم، تحدث عن ’الفتنة‘. تحدث عن الفتنة كثيراً، وطنطن بها مراراً وتكراراً في آذان أشباه المتدينين؛ الفتنة راحت والفتنة أتت، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.

أهي الفتنة حقاً التي كانت نائمة؟ أهي الفتنة حقاً التي استيقظت؟ ومن الذي يريدون عودته إلى النوم؟ الفتنة؟ أم قلبك وضميرك؟ أنت.

لعنة الله على الجهل، وشفانا الله جميعاً من سهولة غسيل الأمخاخ.

يا أهل العقل، الحق في غير مكانه قد يكون باطلاً؛ الحق لغير أهله قد يصبح ظلماً. وأعطيك مثالاً واضحاً: فكرة أن إله الكون واحد، أليست حقاً؟ فما ظنك بشخص يؤمن بأن هذا الإله الواحد ليس في السماء، بل هو أمامه...تمثال أو صنم أمامه؟ فعندما يتحدث هذا الشخص عن الإله والرب الواحد، قد تعجب بكلامه، وتراه على حق؛ ولكنك قد تُصعق عندما تكتشف أن الإله الذي يتحدث عنه موجود في حجرته على هيئة صنم!

إذن، فقبل أن تقبل الحق تأكد من مكان الحق في الزمان والمكان، تأكد من العلاقات بين هذا الحق وما حوله، تأكد من نسبيّته أو إطلاقه. يعني، هل التوقيت مناسب؟ وهل هذا هو مكان التطبيق السليم لهذا الحق؟ وهل الحق في هذا المكان يُظهر علاقات صحية بينه وبين ما حوله من أفكار أو حقائق أو أفراد؟

في زماننا هذا، نرى شبه يومياً أمثلة لموقف ’حق يراد به باطل‘. وبإسقاط الكلام كله على مثال ذكرته مناسب لأحداث اليوم، نعم، يوجد شيء اسمه الفتنة وعلينا أن نتقيها؛ ولكن هل للفتنة علاقة بالوقوف أمام الظالم أو زبانية الظالم؟ بالتأكيد لا. فلا تدع المغسولين مخياً والجهلاء وأشباه المتدينين يخدعونك بما خدعوهم به النخبة والإعلام الكاذب ومشايخ الحكومات.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، يوليو 16

لولا من في رابعة

لولا من في رابعة، لقلت أن هذا الشعب لا يستحق أن يختار رئيسه بالانتخاب،

بل أن يداس بالنعال ويُحكم بالإرهاب.

لولا من في رابعة، لسكتّ على الانقلاب العسكري متبسّماً، متشفيّاً، في أناس يستحقونه ويستحقون الرجوع إلى أيام العذاب.

هل اللوم على نخبة فاسقة، بدون الدماء والزنا ليس لها منصب أو اكتساب؟

أم اللوم على رعاع جاهلة، بدون القهر والإهانة، إلى العمل لن تخرج من باب؟

أم اللوم على فرعون ودبّابة، بدون صناعة العدو في ثوب الإسلام، لم تكن لتجلس على كرسي مُحاط بالكلاب؟

من ألوم في هذا المثلّث، مثلث الشرّ والجهل والنجاسة، يا أولي الألباب؟

لولا من في رابعة، لانشغلت بالسؤال واللوم عن جثث الأطفال والساجدين في دماء وثياب أهباب.

لولا من في رابعة، لانشغلت بمقت الكلاب وأولاد الكلاب.

لولا من في رابعة، لم أكن لأرى سوى الذئاب تعتلي الكلاب.

لولا من في رابعة، لكنت بلا بيت في وطني، بلا أمل، ولا آداب.

لأن من في رابعة هم سبب أدبي، ورابعة اليوم بيتي، في وطن يفتقر إلى الأسباب.

لولا من في رابعة، لامتلأ القلب بالمقت والاكتئاب.

لولا من في رابعة، لاشتعل الرأس شيباً ثم شاب.

لولا من في رابعة من أطفال ونساء وملائكة ورجال وشيوخ وشباب.

لولا من في رابعة...أيا أولي الألباب.

—ياسين رُكَّه

الجمعة، يوليو 5

إلى الفرحانين والشامتين...الساذجين

بعض أهل المعارضة فرحانين بعزل الرئيس السابق د. محمد مُرسي. بعضهم شامتون. وبعضهم ساخرون ومتهكمون. وبعضهم...نافش ريشه عامة.

طبطب على كل واحد فيهم بابتسامة شفقة، وقُل له: ’مبروك حلّ مشاكل مصر يا حبيبي!‘

مساكين.

وبالمناسبة، كان هذا هو ردّ فعلي نفسه منذ أكثر من عامين، عندما كان يحتفل المساكين—وغير المساكين—بتنحّي الرئيس السابق محمد حسني مبارك. هم يحتفلون، وكنت أنا أقول في نفسي: مساكين...يظنون أنهم حققوا إنجازاً أو حلّوا مشاكل الوطن.

قد يظنه البعض اليوم إنجازاً بالفعل، ولكن هذا لأنهم يعرفون اليوم ما حدث بعد تنحيه؛ أما في ذلك اليوم نفسه بدون أن أعرف المستقبل، لم أكن أعتبر هذا إنجازاً على الإطلاق، لأني كنت أتذكر أن مطالب الثورة لم يكن لها أي علاقة بتنحي الرئيس مبارك نفسه، وإنما كانت تتعلق بقانون الطوارئ والفساد والبرلمان المزوّر! كانت هذه هي التغييرات الوحيدة التي تستحق الاحتفال. أما اليوم...فيكفي أن أهل المعارضة فرحوا ورضوا بعزل الرئيس محمد مُرسي. بل يكفي أصلاً أن هذا هو كان هدفهم! اضحك!!

فعلاً...مساكين. يظنونه نصراً. ما أسهل اللعب بقلوب وعقول الشعوب اليوم. إنها سنوات عجيبة.

فهم من فهم، وجهل من جهل.

المهم، النقطة هي أن أهل المعارضة فعلاً مساكين، فعلى مؤيدي التيار الإسلامي والمشروع الإسلامي أن يظلوا على ثقة بالله، وأن يشفقوا على سذج المعارضة، لأن عزل الرئيس محمد مُرسي لا يغير أي شيء للأسوأ أو للأفضل، تماماً مثل تنحي مبارك منذ أكثر من عامين. كلها أشياء تافهة لإدارة عواطف الجماهير الساذجة.

ابتسم إن لم تكن ساذجاً...أو أفقت لتوّك من سذاجتك.

—ياسين رُكَّه

هل هي فتنة وانقسام بين مجتهدين اليوم؟

لا علاقة حقيقية بين الفتنة وقت معاوية وعليّ بن أبي طالب والانقسام الشعبي في مصر اليوم، وهذا ليس لأنه لا يوجد مقارنة بيننا وبين الصحابة، بل إن المقارنة أحياناً صالحة طالما حافظنا على مكانة الصحابة كلهم وعرفنا فضلهم علينا جميعاً، وإنما لا يوجد علاقة حقيقية أو مقارنة صالحة لأن الاختلاف وقتها كان بين صحابين جليلين، فضلهما الاثنين على رأسنا، عليّ بن أبي طالب وهو غنيّ عن التعريف، ومعاوية بن أبي سفيان، كاتب الوحي وقائد الجيوش الإسلامية. يعني إن شئنا أن نقارنه باختلاف في الوقت المعاصر، لكان واجباً أن نقارنه بموقف بين رجلين قائدين يريدان أن يطبقا شرع الله وقوانينه مثلاً، بغض النظر عن هويتهما؛ وبناءً على الوضع السياسي في مصر اليوم، لا يوجد شخصيات مثل هذه يمكن أن تأتي من أي أحزاب إسلامية سوى حزب الحرية والعدالة وحزب النور وحزب الراية (حازم صلاح أبو اسماعيل). ولا أقول أن أي شخص يأتي من هذه الأحزاب يصبح في منزلة الصحابة—لا سمح الله، بل أقول أنه إن اختار أي من هذه الأحزاب قائداً للولاية أو للوطن، فهذه القادة هم من يمكن مقارنة الاختلاف بينهم أو عليهم بالاختلاف بين صحابيين جليلين، ولا مقارنة بين منزلة الصحابة الجليلة ومنزلتنا المتواضعة. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل أهل المعارضة اليوم معهم قائد من حزب أعلن صراحة هدف تطبيق شريعة الله وقوانينه؟ هل مثلاً حركة تمرد تريد شخصية سياسية سواء من حزب الحرية والعدالة أو حزب النور أو حزب الراية؟ هل يريد الفنانون المصريون قائداً من هذه الأحزاب؟ هل يريد الأقباط قائداً من هذه الأحزاب؟ الفلول؟ هل يريد أي مُعارض اليوم رئيساً ذا مرجعية إسلامية ويعرف من هو؟ أم أنهم جميعاً يبحثون عن قائد ليبرالي أو عالماني أو عسكري؟

وبناءً عليه، فلا مقارنة على الإطلاق هنا. وإذا كان أهل المعارضة فيهم كل هؤلاء الذين ذكرتهم (وجهات أخرى تحارب الإسلام والشريعة سراً وعلانية)، ثم انضم إليهم بعض ما نعرف عنهم التديّن (والله أعلم بالقلوب)، فلا يسعني سوى أن أقول: خسارة، وإنه لشيء مُحزن.

حقيقة، لا يمكنني أن أتخيل...كيف يقف مُعارض مسلم متدين اليوم في ميدان التحرير بجانب الفلول أو مؤيدي نظام مبارك وبجانب الليبراليين وبجانب العالمانيين وبجانب الكثير من الفنانين الكارهين للشريعة والسنة وبجانب الفوضويين والأقباط (من الذين لم يخرجوا في ثورة ٢٥ يناير أصلاً وفقط خرجوا الآن وهم أكثر الأقباط) والملاحدة والمغتصبين...كيف تقفوا بجانب كل هؤلاء، وما زلتم تظنون أنكم على حق أو أن الأمر غير واضح الضلال والبطلان؟

ألا يجب أن نسأل أنفسنا من الذين يقف معنا اليوم في موقفنا، كي نفهم إذا كنا على حق أم لا؟ نعم، لا يُعرَف الحق بالرجال، ولكن عندما نرى أطرافاً وجهات إسلاموفوبية أو كارهة للإسلام وشريعته بهذه الكثرة، تقف معنا في نفس الموقف الذي نتخذه، ألا يتسرب الشك إلى قلب الإنسان الذي لم تعميه العاطفة أو يغسل مخه الإعلام الكاذب؟

سبحان الله. أتفهم المسلم الذي يعارض الإخوان كي يختار السلفيين أو أبو إسماعيل والراية مثلاً، أو أي قائد سياسي أعلن صراحة ورسمياً مرجعيته الإسلامية. ولكن تعارض الإخوان كي تختار مَنْ؟ ليبرالي أو عالماني أو عسكري؟ والله إنه لشيء مخزي، ولا يوجد أصلاً أي شك أو ضبابية في الموضوع.

خسارة. خذلني اليوم الكثير والكثير ممن كنت ألتمس فيهم الحكمة وصلاح بوصلة القلب.

—ياسين رُكَّه

الأحد، يونيو 30

شتان بين الثورة والنجاسة

يحاول البعض أن يقارن بين ثورة قامت ضد نظام أخطبوطي ’كَوِّش‘ على السلطة لأكثر من ثلاثين عام، بل لأكثر من مائة عام—من أيام النظام الملكي، يحاول البعض أن يقارن تلك الثورة بامتداد نجس لها؛ امتداد قام ضد نظام يزعم البعض أنه أخطبوطي و’مكوّش‘ على السلطة لمدة...عامين؟ فحتى إن صح الزعم بأن الحكومة كلها إخوان والبرلمان كله إخوان—وهذه خزعبلات وسفاهة مغيّبين، حتى إن صح هذا الهراء، فهل هناك مقارنة بين ثورة على نظام حَكَم على الأقل لمدة ثلاثين عام من الفساد والطغيان والاعتقالات—وقد يكون حكم لمدة مائة عام من منظور النظام بدلاً من منظور شخصنة النظام، بنظام حكم لمدة عامين على الأكثر...بالكاد سنتين؟ وبناء عليه، فهل هناك أي مقارنة بين ثورة ٢٥ يناير والامتداد المُغتصَب والمُغتصِب النجس لها يوم ٣٠ يونيو؟؟

فعلاً يعني، من انتظر ثلاثين عاماً قبل أن ينبت له عامود فقري ويصبح عنده شجاعة، لا يستطيع أن ينتظر أربعة أعوام كي يغير النظام بالانتخاب؟ أم أنه استحلى الثورة والثورة حلوة ومُوضة؟ وهل كانت ثورة يناير رخيصة على الدماء والاقتصاد لدرجة أنه من السهل على البعض محاولة إعادة نفس السيناريو بسبب عامين؟ هل الثورة فعلاً رخيصة إلى هذه الدرجة عند البعض؟ نحاول أن نعيد إشعالها عشان الشارع ريحته وحشة والبلد لسه مش جنة الله في أرضه بعد سنتين؟

ما لكم، كيف تحكمون؟ والله إن كل ما يصيبكم هو مما كسبت أيديكم...ومن جهلكم.

—ياسين رُكَّه

الاثنين، يونيو 17

أيخدعوننا أم يخدعون أنفسهم؟

يتشدقون بكلمة ’الاعتصام‘، وأبو اعتصام منهم بريء. يتشدقون بكلمة ’سِلْمِيَّة‘، والحاجّة سلمية منهم بريئة. لم يقل لي الإخوان أو إعلام الإخوان أو مرشدهم أو برنجانهم شيئاً عن هذا، بل رأيت بعيني. والله العظيم رأيت بعيني في عدة فيديوهات، المولوتوف والحجارة تُقذف قذفاً على أسوار قصر الرئاسة وتقذف داخله، ورأيته في أحداث غير الاتحادية؛ إن كان هذا ’اعتصامكم وسِلْمِيَّتكم وثورتكم وتظاهركم‘، فتباً لكم ولما تفعلون وما تدعون إليه وما تأفكون بألسنتكم الكاذبة وأقلامكم الآثمة؛ تبّاً لكم ثم تبّاً وسُحقاً.

فإن رأينا المولوتوف والحجارة في ’اعتصامكم السلمي‘ يوم ٣٠ يونيو تُقذف على أملاك الدولة ومباني الدولة الحساسة، وظللتم تتشدقون بالاعتصام والسلمية، فأسأل الله ألا يكون في حلقي كلاماً حينئذ، بل يكون بصاقاً؛ فأبصق ثم أسكت، لأني وقتها أكون بالفعل قلت ما عندي في جبروت هذا التمثيل والكذب الوقح.

من تبقى في عقله ذرة عقل، لأدرك أن التغيير يأتي بالصندوق الآن. فإن كانت المعارضة على حق وكانت فعلاً الأغلبية، وإن كانت محترمة أصلاً، لاستخدمت انتخابات البرلمان لتأتي بحزب أغلبية جديد يخفف الإدارة السلبية المزعومة للرئيس، ثم لاستخدمت انتخابات الرئاسة بعدها لتتخلص تماماً من بُعبُع الإخوان. ولكن...مفلس الفِكر لا يسعه سوى الكذب واستخدام الحيل اللغوية كي يغسل أمخاخ الناس، مثلاً بأن المولوتوف اعتصام سلمي؛ ومفلس العشيرة لا يسعه سوى استخدام القوة السلاحية والمؤامرات كي يفرض رأيه على الأغلبية. نخبة ليس معها سوى إفلاس...إفلاس فِكري وإفلاس تأييد؛ ولكن هناك جيل رضع وفُطِم على إعلام هذه النخبة، ثم نشأ كلٌ منهم كَتِرس في ماكينتهم العملاقة؛ ثم هناك جيل آبائهم الذي نشأ عليه لعشرات من السنوات. فقد لا يكون من العجيب أن يسمع لهم بعض من ضلّوا من أهل هذين الجيلين.

والطريف في الأمر أنهم يقولون علينا نحن مغسولي الأمخاخ وخرفان ونسمع لكلام المرشد أو لإعلام الإخوان (لمن ليس في الجماعة)! وأين هو إعلام الإخوان بالضبط من إعلام الإفك والدياثة، بأمواله ولمعانه وأضوائه وبغاياه وديّوثيه؟ أصلاً من الأشياء التي أنتقدها بشدة في الإخوان هي أدائهم الذي يُرثى له في مجال الإعلام—بل بدائيتهم في الإعلام!

النخبة والمعارضة يقولون علينا مغسولي الأمخاخ ومضحوك علينا، ونحن نقول عليهم مغسولي الأمخاخ ومضحوك عليهم؛ كان من الممكن أن أحتار في الأمر قليلاً وأحتاج إلى التفكّر وسؤال نفسي مثلاً: ماذا لو أنهم على حق؟ ولكن هذه المرة، الموضوع لا يحتاج إلى الكثير من التأمل، لأنني عندما أسأل نفسي—قبل أي شخص آخر: ما الذي [يُمْكِن] أن يغسل مُخي؟ أين هو الإعلام أو البروباجاندا التي يمكن أن تغسل مخي؟ أسأل نفسي ماذا يمكن أن يكون مصدر مثل هذه الخديعة والبرمجة العقلية واللغوية، فلا أجد أي إجابة أو أي اختيارات محتملة؛ لأن إعلام الإخوان يكاد يكون منعدماً من الأصل، أو يبدو كقزم مسكين بجانب عملاق، مقارنة بإعلام المعارضة والفلول والنخبة! أنا لا أشاهد تليفزيون من الأصل، وإن شاهدت أمثلة في الماضي، يمكنني بسهولة الحكم على الفرق الشاسع بين ميزانية وقدرات وخبرات وأضواء وجنود النخبة الإعلامية وكاريزميتهم على جانب، وهزالة وبؤس الإعلام الإخواني على الجانب الآخر. فإعلام الإخوان يكاد يكون منعدماً، وإن تواجد، فأنا أصلاً لا أتعاطاه على الإطلاق. فإما أني غسلت مخي بنفسي، وهذا لا أرى له مكاناً في المنطق أو الواقعية؛ وإما أني بالفعل فكرت وقارنت هذه الأمور بموضوعية.

وبعيداً عن الإخوان أو المعارضة أو السياسة كلها، إني أعلم أنه مبدئاً في الحياة وحقيقة باطنة أنه مهما كانت ظروف شعب ما سيئة، إن لم يكن هناك دلائل قاطعة على تورط طرف ما في هذه الظروف، إن لم يكن هناك علاقات مباشرة—لا جدل فيها—تربط الدلائل بطرف ما، فلا يمكن للعاقل المحايد المتفكر إلا أن يستنتج أن الناس ترى ما تريد أن تراه أغلب الأوقات، وأن الضيق والمشاكل في الحقيقة نابعة من داخلهم هم أنفسهم؛ والدليل القرآني على ذلك قاله الله تعالى لنا في كتابه الكريم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}—الأنفال: ٥٣، وقال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}—الرعد: ١١.

فمن الذي يرى مشاكلاً ومساوءاً أكثر من حلولاً ومبشرات خير؟ ومن السبب في أي مشاكل في الوطن اليوم؟ الحكومة أم الأمن والشرطة أم الناس أنفسهم؟ أم أن لكل من هؤلاء دور في مشاكل محددة، وفي النهاية أكبر مسئول عن المشاعر السلبية هم الناس أنفسهم؟ من الذي يجب أن يتغير اليوم، الحكومة أم الناس؟

من المضحوك عليه هنا؟ من الخادع ومن المخدوع؟

{يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}—البقرة: ٩.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، يونيو 11

عندما تصبح الوطنية خنجراً آخر في ظهر الإسلام

ليت أهل العلم والفقه يستخدمون فقه الواقع ليقولوا قولاً فاصلاً اليوم في القومية، بالذات القومية المحلية، أو ما يسميها البعض ’وطنية‘ ليعطيها طابعاً حميداً. أعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كانت أحب البلاد إليه مكة المكرمة، فقد يجد بعض العلماء حرجاً من أن يذموا الوطنية أو القومية، بحُجّة أنها حب للوطن، وأن حب الوطن شيء حميد. ولكن في نفس الوقت، إننا نرى اليوم الكثير من الشرّ يأتي من القومية أو الوطنية.

أي أن فقه الواقع قد يحتم علينا اتخاذ موقف مختلف اليوم مع القومية والوطنية؛ وأنا أكتب هذا كدعوة، لعل أحد الإخوة الذين يقرأون تعليقاتي يرسلها إلى شيخ أو عالم ما. إننا نرى الكثير من التفرقة بين المسلمين بسبب الوطنية أو القومية المحلية؛ فنرى بعض المصريين يزرعون البغضاء ضد الجزائريين (والعكس)، ونرى بعض المصريين يزرعون البغضاء ضد الإماراتيين أو الخليجيين بشكل عام (والعكس)، ونرى بعض السودانيين يزرعون البغضاء ضد المصريين (والعكس)، وهكذا؛ وهذا لا يرضي الله في شيء، ويضر بالمسلمين كثيراً، خاصة أننا في أمس الحاجة إلى الوحدة اليوم.

ثم في الحقبة الأخيرة، بالذات وقت الثورة وبعدها، وبعد انتشار التيار الإسلامي في الصفوف السياسية في مصر، أصبحنا نرى مسلمين يستعينون بالقومية والوطنية ضد الإخوان، ثم أصبحنا نرى مسلمين يستعينون بالقومية المصرية ضد الإسلام نفسه! مثلاً، لقد رأيت مؤخراً صورة تنشرها بعض المسلمات الليبراليات عبارة عن حشد من المنتقبات في نقاب أسود، ووسطهم امرأة فرعونية مكشوفة الكتفين والشعر، وعلى رأسها ما يدل على أنها فرعونية، وهي وحدها المرسومة بالألوان. الصورة ترسل رسائل عديدة للمشاهد الليبرالي، فالمرأة ترمز إلى مصر في ذهن المشاهد، وتريد أن ترسخ أصالة مصر وجمالها بألوانها، وحولها الكثير من النقاب (إقرأ: الإسلام) الأسود الرتيب الذي لا شخصية أو ميزة له! إن لم تكن القومية المصرية والقومية العربية شيء لا يجد فيه أكثر علمائنا حرجاً، للم نجد هذا الكم من الطعن الخفيّ والغير مباشر في الإسلام نفسه وفي تعاليمه ورموزه؛ والطعن يأتي من مصريين ومصريات يصرّون أنهم مسلمين! ولكن هيهات أن يحارب المسلم الحق الإسلام بما ينشر من فِكر هادم ومضلل.

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد. فإن استطاع أحد القراء أن يمرر هذا الكلام لبعض العلماء، للعلم بالشيء، فجزاه الله خيراً.

—ياسين رُكَّه

الثورة مرحلة أم أسلوب حياة؟

فيه ناس بيقولوا إن لو شفيق كان ماسك، مش مُرسي، وحصل سوء الإدارة ده في البلد، كنا أكيد لو بنحب مصر حننزل نعمل ثورة، مش نقول ندي لشفيق فرصته وننتظر لغاية نهاية مدته. الظاهر إن فيه ناس فاكرة إن الوطنية معناها إن الثورة تصبح أسلوب حياة، مش مرحلة! أي فِكر ده بالظبط؟؟ إياهم يكونوا فاكرين إن رئيس زي أوباما مثلاً بيصحى ثاني يوم بعد ما يمسك، يلاقي الخمسين في المِيّه اللي كانوا ضده فجأة أصبحوا بيؤيدوه والشعب كله مبسوط، وعشان كده مفيش ثورة في أمريكا؟ نص الشعب الأمريكي إنهارده غير راضي عن أداء أوباما وحكومته. حد شاف الشعب الأمريكي بيتكلم في ثورة وانقلابات وميليشيات واعتصامات وبرنجان مصري مخلل؟؟

الظاهر إن فيه بعض المصريين، أو الكثير منهم، استحلى الثورة، شافها موضة أو حاجة مسلية، وعايزها تبقى أسلوب حياة، مش شيء استثنائي مرحلي للتخلص من أكثر من ثلاثين سنة، بل مائة سنة من القمع والفساد ونهب الثروات. قولولهم إن تضحيات الثورات مش بالرخص ده...قولولهم ما يسترخصوش التضحيات بالأرواح والاقتصاد لدرجة إن الثورة تصبح عندهم أسلوب حياة.

أي بلد ديمقراطي محترم بينتظر لغاية انتهاء مدة الرئيس والحزب المنتخب. خليكم محترمين بقه الله لا يسيئكم، مش همج ورعاع بتوع صوت عالي وحدف طوب ليل نهار.

—ياسين رُكَّه

الاثنين، مارس 4

انتصر لله وللإسلام!

Triumph-for-God

لا واللّهِ لستُ مُدَّعِي تدَيُّن، بل مُذنب يدعو إلى التديُّن.

الوقوع في الذنب سرّاً لا يبرر الإعلان عنه أو السكوت على ظهوره في المجتمع.

لا تأخذ دينك منِّي، ولا من أيّ فرد واحد؛ بل خذ الحق منِّي ومن الكثير غيري، ثم كُنْ بطلاً للحق أينما كان.

انتصر للّه وللإسلام، وإن خذلتك ذنوبك. لا تخذل الله أو الإسلام أبداً...أبداً!

أَنْتَصِرُ لِلّه…وإن خذلت نفسي بذنوبي.

—ياسين رُكَّه

الأحد، مارس 3

مصير مصر وزيادة قوة الإخوان بكراهيتهم

أكثر ما يقلقني في وجود الكراهية العمياء تجاه الإخوان المسلمين هو أن هذه الكراهية، والظلم المرتبط بها، قد يُزيدا من شعبية الإخوان—بمحبة الجانب الآخر—وفي نفس الوقت يُغضبا بعض الإخوان فيفسدون!

أولاً، الكارهون مصيرهم الفشل، لأنهم لن يتغلبوا على حب الأغلبية للإخوان؛ هذه ببساطة هي الحقيقة التي يعميهم غرورهم وعزتهم برأيهم عن رؤيتها. وحُجَّتهم هي أن المحبين غنم؛ والحقيقة قد تكون أن الكارهين هم الغنم الذين لا يرون الحقائق؛ وبغض النظر، القضية ليست كيف يكره أو يحب هذان الفريقان، بل القضية أنهما موجودان وأن المحبين أغلبية حتى الآن. ثانياً، وهو الأهم، الكارهون لا يشجعون سوى محبة أكثر تجاه الإخوان، لأن لكل فعل رد فعل، فعندما تكون هناك كراهية عمياء وغير مبررة من منظور العقلاء، فردّ الفعل سيكون حب أعمى لمقاومة هذه الكراهية العمياء. تزيد الكراهية ويزيد الهجوم المسعور ويزيد السبّ والظلم ضد الإخوان، وهم بالفعل براء اليوم من نظريات المؤامرة والظنّ السيء والفوبيا أو السُعار المجنون ضدهم (وقد لا يكونوا براء بعد عشر سنوات!)، فتزيد مقاومة الجانب الآخر من المحبين والمؤيدين، ويزيد تشبث هؤلاء المؤيدين بالإخوان. ضع نفسك مكانهم: تخيل أنك تؤيد فريقاً ما بمنتهى الهدوء، ولكن فجأة تأتي عصابة وتحاول أن تعتدي على هذا الفريق بالضرب والافتراء، وأنت في استطاعتك أن تحميهم مع بعض الأصدقاء؛ ألن تهب لنجدة الفريق المظلوم ودفاعك عنه يبني رباط محبة بينكما؟ وكلما زاد واستمر هذا الموقف، كلما قوِيَ رباط المودة والمحبة هذا. وكما يوجد كارهون مجانين وعُمي، فيوجد مُحِبُّون مجانين وعُمي أيضاً. ثالثاً، هذه الكراهية العمياء لا يمكن وصفها بأقل من الظلم، وكما أن الظلم قد يؤدي إلى محبة عمياء، فهو أيضاً قد يؤدي إلى غضب في قلب بعض ضعاف النفوس من المظلومين. والغضب مع القدرة أو السلطة من أشد وأصعب الاختبارات على أي إنسان في الدنيا، سواء إخواني أو سلفي أو ليبرالي عالماني؛ هذا النوع من الاختبار شديد على أي نفس بغض النظر عن الهوية الفِكرية. فإن لم يكن الإخوان فاسدين اليوم بأغلبيتهم، فإن الظلم المستمر تجاههم، مع السلطة، قد يؤديا إلى تغلب الغضب وروح الثأر على قلوب بعضهم. ولهذا قلت أنهم قد لا يكونوا براء بعد عشر سنوات. ولكن وقتها، يكون قد فات الأوان؛ لأن الكارهين العُمي وقتها يكونوا قد كوّنُوا جيشاً من المحبين العُمي على الجانب الآخر، وقاموا أيضاً بزرع الغضب والثأر في قلوب عدد كافي من الإخوان.

فكما تروا...هذه الكراهية العمياء مرض أشد خطراً من السرطان في صفوف أي شعب. فليت هؤلاء الكارهين يستبدلون الكراهية بِنَقْد بنّاء ومعارضة شريفة موجهة ضد أفعال وسياسات محددة، بدون قعود على الواحدة وتصيّد أخطاء وهفوات وتفاهة. لأن توجيه الكراهية إلى أشخاص الإخوان أو الإخوان أنفسهم، أو الأضل سبيلاً: حصر القضية كلها في شخص واحد، مثل المرشد أو محمد مُرسي، هو سذاجة وغباء وسطحية. أنت يمكنك أن تضغط على شخص كي يغير سياسة أو قانون أو فعل، ولكنك لن تغير شيئاً باستبدال شخص واحد؛ ولن يمكنك استبدال فريق كامل إلا بعدد كافي من  المؤيدين، وهو ما لا تملكه المعارضة اليوم بمنتهى الوضوح.

فإن لم يعي الإخوانوفوبيون كل هذا قريباً، فأملي هو أن الله رَبَّى الإخوان واختبرهم خلال أكثر من ٨٠ عام من الاضطهاد والسجن والتعذيب والقتل، كي ينجحوا في اختبار مقاومة الاضطهاد والظلم من الإخوانوفوبيين اليوم بصبر وجلد واحتساب عند الله، فلا يزور الغضب أو الثأر قلوبهم أبداً. وقد يكون شاهد هذا هو حكمة الله في اختيار رئيس مثل محمد مُرسي، يسميه الكارهون ’استبن‘، لا يضرب بيد من حديد كما يطلب منه بعض المؤيدين، ولا يواجه حتى المولوتوف بالعنف. قد يكون هذا شاهد صبر السنين على الظلم والاضطهاد، وأسأل الله أن يتعلم الجيل الجديد من الإخوان، الجيل الذي لن يتربى على نفس الظروف الصعبة، من كل هذه الشواهد والدروس والعبر.

ولكن مرة أخرى، على الجانب الآخر، ليت الكارهين يستبدلون الكراهية بنقد بنّاء ومعارضة شريفة؛ وليت الكارهين يوجهون رفضهم إلى الأفعال والسياسات، لا الأفراد، لأن هذا هو أملهم الوحيد في استبدال الإخوان يوماً ما، وهذا هو الطريق الوحيد للسلام والخير في أرض الوطن. الكراهية لا يمكن أن تجلب أي خير.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، فبراير 26

القدس: الصفعة الدائمة

رسم للمسجد الأقصى ومصلى قبة الصخرة

أرسلت لي أخت تطلب منّي أن أكتب شيئاً عن القدس، فكتبت لها هذا الخطاب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أشكركِ على رسالتكِ.

القدس...إن مجرد التفكير في الكتابة عن القدس يجعل عيني تكاد تدمع. قد يكون هذا من أسباب عدم كتابتي عن القضية الفلسطينية سوى بطريقة غير مباشرة عن طريق ذكر العدو الصهيوني. ما يحدث في أرض فلسطين هو صفعة دائمة، مستمرة، على وجه كل مسلم تبقى في قلبه ولو ذرة من العزة والكرامة والحب لهذا الدين، صفعة دائمة على وجه كل من يشعر بالأخوة التي تملأ القلب—لا محالة—تجاه كل من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله. المسلم الحق لا يمكن أن يشعر بأي شيء سوى الأخوة العميقة لأي موحد لم يُبدِ الكراهية له أو للإسلام؛ وأقول هذا لأن في زماننا هذا للأسف يوجد موحدون—أو هكذا يقولون—يُظهِرون الكراهية لمسلم لأنه تجرأ على إخراج الإسلام من المسجد وإدخاله في السياسة مثلاً. وكأن هذه الأمة لها أي أمل في استرداد أراضينا المغتصبة وثرواتنا المسروقة بدون إدخال الإسلام في السياسة؛ وكأنّ أي حاكم عربي من العالمانيين والليبراليين الذين حكموا بلادنا في المائة سنة السابقة عندهم أي نيّة لإيقاف الجيش الصهيوني والجيش الأمريكي عند حدودهم. ولكني أستطرد...

ولكن استطرادي مبرر! مبرر لأنه لا يوجد فائدة من البكاء، لا يوجد فائدة من سماع الأناشيد الإسلامية الحماسية، لا يوجد فائدة حتى من الكتابة والحديث عن القضية الفلسطينية إن لم ندرك أنه لن يكون هناك حل جذري للقضية أبداً إلا إذا قويت شوكة الإسلام سياسياً. لأن لا أمريكا ولا الجيش الإسرائيلي يسمعوا إلى أي لغة سوى لغة القوة والردع والمصالح؛ فنعم، نكتب ونتحدث، ولكن في إطار القوة السياسية الإسلامية ثم الوحدة الإسلامية التي تتبعها. فعندما ترى الدولة العالمانية سياسياً والمسلمة عقائدياً وشعائرياً أن الدولة المسلمة سياسياً أصبحت قوية، وقتها يسمع الشعب الخانع القابل بالليبرالية أو العالمانية، يسمع للإسلام السياسيّ بل ويغار ويخجل من ضعف بلده المسلمة فيبدأ يرى فائدة الإسلام في السياسة ويطالب به، وبالتالي تأتي الوحدة الإسلامية؛ تأتي الولايات العربية المتحدة (واسمها الأصلي القديم هو الخلافة الإسلامية ولكن معظم المسلمين المعاصرين لا يدركون هذا ويظنون الخلافة شيئاً رجعياً متخلّفاً). وعندما تأتي الوحدة الإسلامية، حتى ولو بين دول إسلامية قليلة ولكن ذات وزن وأهمية جغرافية لقضية فلسطين، يمكن لهذه الوحدة الإسلامية (هذه البذرة للخلافة أو للولايات العربية المتحدة) أن تتحدث بقوة إلى أمريكا والجيش الإسرائيلي، وتطالب بمطالب حازمة، على الأقل توقف سيل الدماء وتضمن للشعب الفلسطيني حياة كريمة وآمنة...إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً وتأتي الحرب الأخيرة التي نعرفها جميعاً من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ويعرفونها اليهود جيداً. ولكن إلى أن يأتي هذا اليوم، فإني أسأل الله أن نرى على الأقل بذرة الوحدة الإسلامية في حياتنا، ونرى هذه البذرة قوية سياسياً؛ تطلب بمنتهى الحزم مطالباً عادلة للشعب الفلسطيني، ولا يملك أمامها الحكومة الإسرائيلية والحكومة الأمريكية سوى تلبيتها أمام الرأي العام العالمي، وخوفاً من الغضب الذي يملأ شعوب هذه الوحدة الإسلامية.

هذا هو أملي ودعائي، وهذه هي رؤيتي لإخواني وأخواتي في فلسطين المحتلة والقدس العزيزة. لأني لا أعرف متى تأتي حرب آخر الزمان، وبغض النظر عن هذه الحرب الموعودة، أتمنى على الله أن أرى إخواني وأخواتي في فلسطين بلا مذلة ولا بكاء ولا خوف ولا هدم ولا تعذيب ولا سجن ولا حصار ولا قتل؛ أتمنى على الله أن أراهم سالمين آمنين مرفوعي الرأس...على الأقل من أجل السبب الأنانيّ النابع من الأخوة الطاغية على قلبي، من غيرتي على عرض أختي الفلسطينية…كي لا أشعر أنا بالصفعة الدائمة على وجهي: القدس المغتصبة.

—ياسين رُكَّه

السبت، فبراير 23

لا يغرّنك الكثرة، ولا الصغر

رسم لطريق ينتهي بمفترق طرق، الاتجاه إلى اليمين بزاوية عالية ينتهي بنور متمثل في اللون الأبيض الناصع ويتبع هذا الاتجاه فرد واحد فقط، والاتجاه الأيسر بزاوية عالية ينتهي بظلام متمثل في لون متدرج السواد، ويسلك الاتجاه أعداد كثيرة من الناس

’لا يغرّنك في طريقِ الباطـلِ كَثرةُ الهالكين. ولا يوحشنّك في دربِ الحقِ قِلةُ السالكين.‘—الفضيل بن عياض

نسخة أخرى من هذه الصورة تُنشر في بعض الصفحات الإسلامية؛ لم تعجبني النسخة الأصلية لسببين: طريق أو درب الحق فيها في الناحية الشمال، وخيال الشخصيات باللون الأبيض. قمت بتغيير تلك النسخة الأصلية إلى النسخة الموضحة هنا؛ ترى فيها درب الحق في الناحية اليمنى، نهايته نور؛ وطريق الباطل في الناحية الشِمال، نهايته ظلام. وترى خيال الأفراد باللون الطبيعي.

قال الله تعالى في كتابه الكريم:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ}—الحاقة: ١٩. وقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}—الحاقة: ٢٥.

وليس المقصود أن الناحية اليُمنى دائماً هي الصواب أو الخير أو الحق، أو أن الناحية الشِمال دائماً خطأ؛ وإنما في الرسوم والصور البيانية والرمزية، هذه التفاصيل لها تأثير على العقل الباطن، فالأفضل أن تكون الرسالة الضمنية والرمزية في أي صورة مطابقة للحق وللفِكر الإسلامي كما نعرفه من القرآن والسنة.

بعض الناس قد تظن أن هذه التفاصيل غير هامة، ولكني أؤمن أن طريقة التفكير هذه، الاستخفاف بالتفاصيل، هي من أسباب تخلف العرب والمسلمين اليوم؛ إنها نفس طريقة تفكير الشخص الذي يلقي المهملات في الشارع ويقول أن ورقته الصغيرة لن تحوّل الشارع إلى مزبلة؛ وهي نفس طريقة تفكير العامِل في المصنع الذي لا يتقن قياس القطعة التي ينتجها قائلاً أنّ ملّيمتراً واحداً بسيطاً ناقص هنا أو هناك لن يجعل المنتج ناقصاً. وللأسف، هذا هو ما يجعل شوارع بلادنا ملوثة ومتسخة؛ وهو ما يجعل بعض صناعاتنا لا يُعتمد عليها على المدى الطويل.

أرجو أن يأتي اليوم الذي يعي فيه معظم العرب والمسلمين أن التفاصيل في أحيان كثيرة تكون مهمة جداً؛ وأن كل كلمة وكل فعل، مهما صغر، قد يدخل في ردود أفعال متسلسلة، فيؤدي إلى نتائج مهيبة الحجم في النهاية.

لا يغرّنّك الكثرة…ولا الصغر.

—ياسين رُكَّه

محاولة أخرى لكبح جموح كراهية الشيعة

كتبت على إحدى الصفحات، تحت موضوع يضع الاثنين، الإخوان والشيعة، أمام مدفع الكراهية:

أنا مشترك في الصفحة، يعني أؤمن بوجود بعض المؤامرات السياسية تحت مظلة الربيع العربي الحالية. وفي نفس الوقت مؤيد للمشروع الإسلامي السياسي في المنطقة، وخاصة مصر؛ وأغار على ديني وتطبيقه بكليّته وشموليّته. هذه الخلفية ذكرها مهم، لأني سأقول أن أختلف معكم في بعض الأمور أيضاً. أختلف مع الكثير في قضية الإخوان؛ فأنا أؤيدهم حتى الآن، ولم أرى دليلاً واحداً قاطعاً أو حتى شاهداً مقنعاً أنهم ليسوا مخلصين، دعك من شريرين أو موالين للشيعة! وثانياً، أنا سنّي وليس لي أي انتمائات حزبية أو سياسية أو دينية، ولكني في نفس الوقت مختلف معكم ومع الكثير من المسلمين، ممن لا يؤمنون بالمؤامرات من الأصل، ولكن سبحان الله تجدهم يكرهون الشيعة بسبب الإشاعات التي يسمعونها؛ يعني أختلف مع الكثير في هذه الكراهية العمياء التعميمية للشيعة.

يا إخواني، [بعض] أئمة الشيعة يتطاولون على الصحابة؛ وأضع عشرة خطوط تحت كلمة [بعض]، لأنه من التطرف الفِكري والمبالغة الجاهلة المتهورة أن نعمم. بعض الشيعة يقوم بشعائر متطرفة ليست من الإسلام في شيء. ما المشكلة الاستثنائية في هذا؟ ألا يوجد عندنا، في بلاد وأهل السنة، أئمة متطرفون فِكرياً؟ ألا يوجد عندنا جهلاء يعبدون أهل المقابر؟ فالكثير من عيوبهم موجودة فينا!

وأنتم، هنا، على هذه الصفحة، ألا تؤمنون أن قيادات الدول هي الفاسدة ومن أفسدت الدولة بالإعلام الفاسد المضلل؟ فلماذا لا تطبقون نفس المبدأ على الشيعة؟! قيادات كثيرة في بلاد الشيعة فاسدة، ولكن تحدث مع الشيعي البسيط، المواطن العادي، واسأله إذا كان يسب الصحابة أو يسب عائشة! اسأل الشيعي البسيط إذا كان يؤمن بقتل السنيين وأي شخص في الدنيا اسمه عُمَر! شيء عجيب أن نأخذ فيديوهات من يوتيوب لخمسة شيوخ شيعة، ولشعائر تقوم بها قبيلة محددة من أهل الشيعة، ثم ننشرها ونقول: ’انظروا على الشيعة‘! وعندما يفعل السياسيون الأمريكيون نفس الشيء ضد المسلمين كلهم، كي يغسلوا أمخاخ الشعب الأمريكي، نشتكي ونتظاهر ونقول بروباجاندا وغسيل مخ. فعلاً، سبحان الله على ازدواجية المعايير التي لا يسلم منها أي إنسان اليوم—على ما يبدو.

يا إخوة، أدعوكم إلى بعض الإنصاف وبعض الوسطية؛ ابتعدوا عن التعميم والتطرف في الآراء والأفكار. وإني لست بصدد دعوتنا أن نصاحب الشيعة، ولكن يا إخوة على الأقل نركز على عدونا المشترك، الصهيونية العالمية والرأسمالية الروثتشايلدية العالمية، ثم عندما نأمن على الأمة الإسلامية كلها، سنة وشيعة، من هذا الخطر وهذا العدو المشترك، وقتها نجلس مع قيادات الشيعة ونتحدث عن مشاكلنا واختلافاتنا! أو نعادي الشيعة حتى، إن شئتم وقتها! ولكن على الأقل نكون أمِنَّا على أمتنا الإسلامية كَكُل من عدونا المشترك.

ونعم، أعرف أن الكلام الموضوعي أحياناً لا جدوى منه مع [بعض] الناس، لأن الرد على هذا الكلام جاهز عندهم، خاصة من المتطرفين في البحوث المؤامراتية: الشيعة موالون للصهاينة! ولكني، ومع إيماني بوجود بعض المؤامرات بالفعل، لا أتطرف فِكرياً إلى الحد الذي يجعلني أردد اتهام شنيع مثل هذا ضد موحدين يؤمنون بالله ورسوله. هدانا الله جميعاً إلى الحق ورزقنا اتباعه.

هذه أمثلة التعليقات التي كتبها بعض المسلمين المؤيدين للمشروع الإسلامي، والمفترض أنهم أكثر عِلماً في الإسلام من الليبراليين والعالمانيين:

’ياسين انت عايش في كوكب تاني البوست بيحكي عن ناس اتقتلت من الروافض بسبب ان اسمهم عمر يبقى لو اتمكنوا من رقابنا هيعملوا فينا ايه .....اصمت يرحمك الله‘

خُد بالك من القناعة: قُتِلوا لأن اسمهم عُمَر! والله العظيم إني لأضحك على الكلام! أكاد لا أصدق أن سذاجة البعض وصلت إلى هذا المستوى! يعني لا وجود أصلاً عندهم لاحتمال أن هناك من فعل هذا فقط كي يضع بذرة وجود هذا التطرف في الشيعة، وأن من فعل هذا وخطط له من الأصل لا هو بشيعي ولا مسلم من الأصل! لا وجود عندهم لهذا الاحتمال على الإطلاق.

’ياسين دين الشيعه سب ام المومنين والصحابه وقتل المسلمين والاجزام بان ابي بكر وعمر وزوجات النبي في النار والشهاده عند الشيعه للدخول في دينهم ان يسب ويلعن الصحابه انت جاي تمثل علينا يا عم فوقوا بقي‘

وانظر إلى الفِكر واختيار الألفاظ: ’دين الشيعة سب‘...أصبح الدين نفسه، وهو ليس بشخص ولا يمكنه الكلام، بل الدين هو منظومة من الشعائر والإيمانيات والسياسات والقوانين والقواعد، أصبح الفِكر نفسه، الغير مشخصن، قادر على السب والشتيمة!

’ياياسين هما بياخدوا دينهم وعقيدتهم من الائمة بتوعهم مش من القران ,,وصعب جدا جدا وصول اى رجل دين عندهم لمكانة الامامة لازم يمر بأمور عديدة صعبة جدا وسب الصحابة وامهات المسلمين دى مش تطرف دى فى صلب عقيدتهم وكل الطقوس الشيعيه بيمارسها الشيعة كلهم باختلاف طبقاتهم المجتمعيه .يعنى لو مش عمل كدا يبقى كافر بالنسبة للمذهب الشيعى .الدين كله عندهم محرف ياياسين ,الازهر طلب من نجاد فى زيارته لمصر باصدار تشريع يحرم سب الصحابة وزوجات الرسول وهو رفض الطلب لانه اخلال بعقيدته الشيعية ومش مجرد تطرف او اختلاف فى وجهات النظر فى بعض امور الدين ددددددددددددى عقيدة عندهم .‘

لاحظ أيضاً عجب العجاب في التعليق أعلاه...عجب العجاب: أصبح المسلم، الذي يوحد الله ويؤمن برسول الله، لا يأخذ دينه من القرآن! ومش بعضهم، لا [كلهم]...كلهم كده! وصاحب التعليق يعرف يقيناً أن وصول الشيعي للإمامة لا يأتي بدخول الجامعات الإسلامية في بلاد الشيعة، وحفظ القرآن وتعلم الحديث، لا، بل يأتي بطقوس عديدة صعبة جداً (وكأنهم مجتمع سري ماسوني!)، وأحد هذه الطقوس بقه...يأمره أن يردد خلف الإمام الشيعي الأكبر بترنيمة سبّ الصحابة وآل البيت! فعلاً، كأننا نشاهد فيلماً عن المجتمعات السرية والماسونيين، وليس عن الشيعة! لا، وإيه، سبّ الصحابة...أصبح من [العقيدة]! العقيدة يا خلق هُوه، مش مثلاً جزء من السيرة النبوية واختلاف على بعض الأحداث التاريخية، لا، لا، ده جزء من العقيدة...يعني جزء من الإيمان بالله، وهوية الله، وصفات الله وكده...جزء من الكلام ده، سب الصحابة! لا حول ولا قوة إلا بالله. وكافر عندهم اللي ميشتمش الصحابة! الناس دي بتجيب القصص دي منين!!!!!!! نفسي أفهم! نفسي الناس دي تروح تزور إيران سياحة كده، تدخل مساجد هناك، وتتكلم مع الإيرانيين عربي أو إنجليزي، وتتعرف عليهم، وتشوف أفكار المواطن الشيعي العادي، وتروح الجامعات الإسلامية في إيران، ويتكلموا مع الأساتذة هناك، ويدخلوا كمان محاضرات باللغة العربية أو الإنجليزية عشان يسمعوا اللي بيتقال...ثم يرجعوا مصر، ويشوفوا كده لو لسه متأكدين إن الشيعة هم شياطين الإنس في الأرض!

عجبت لك يا مسلم! ثم عجبت لك يا إنسان. ولم أعجب للزمن، فإن الله هو الدهر، كما في الحديث الصحيح.

—ياسين رُكَّه

الخميس، فبراير 14

الفرق بين المشروعين المادي العالماني والإسلامي

المؤرخ-محمد-إلهاميكتب المؤرخ، محمد إلهامي، وهو كاتب ورجل أكاديمي أعتبره من عباقرة الأمة المعاصرين كلاماً في منتهى الأهمية عن الفرق بين المشروع المادّيّ العَالَمَانيّ، والمشروع الإسلامي في تطوير ونهضة الوطن.

أعيد نشر ما كتبه على صفحته في فيسبوك وحسابه على تويتر كي تعم الفائدة وينتشر هذا الفكر قدر الإمكان في شعوبنا.

الرئيس بين المشروعين المادي والإسلامي:

١. حقيقة علمية: أقام النبي الدولة في المدينة تأسيساً للدين، وكان هذا مقدماً على الإنجاز الاقتصادي أو إثراء الفقراء، الشريعة أولا قولا وعملا.

٢. مخاطبة غرائز الناس واحتياجاتهم الاقتصادية وتقديمه على التأسيس للدين والتعلق به يسحب الحركة الإسلامية للفكر المادي ويسوقها للتنازل عن الدين.

٣. خطاب الدين والشريعة يفجر طاقات الناس ويثير بدائع الشعوب، أما خطاب المادية والعَلَمَانية فيجعلهم أسرى لحاجاتهم الاقتصادية التي لا تُشبع أبدا.

٤. شعوبنا المسلمة لا تحتاج إلى لقمة العيش بقدر ما تحتاج إلى قيادة تعيدها إلى عزتها النفسية النابعة من حملها الرسالة الخاتمة "أمة قائدها محمد"!

٥. الرئيس—في المسار المادي العلماني—سيحرق نفسه في العمل على إشباع الحاجات الاقتصادية والشعب ينتظر ويراقب ويقيم ويثور إذا لم يعجبه الإنجاز.

٦. بينما الرئيس—في السياق الإسلامي—باعث نهضة تستند إلى العزة والكرامة والرسالة، وحينها سيبذل الشعب حتى وإن لم يدرك الثمرة وإن كان به خصاصة.

تبعاً لما سبق: الشعوب التي تتوق للعزة وتحمل رسالة بل وتطلب الشهادة خير للحكام من الشعوب التي تنتظر ارتفاع مستوى الدخل ثم الرفاهية ثم اللذة.

الفرار يوم الجهاد من الكبائر في الإسلام رغم أنه من أبسط الحقوق والحريات في الفكر المادي العلماني، ولهذا آثار بعيدة وكبيرة وفارقة ومصيرية.

تميز المجتمع النبوي بكونه مجتمعا من المجاهدين، لا يتخلف عن الجهاد إلا معذور أو منافق، وقد لقي الثلاثة المؤمنون تأديباً قاسياً لما تخلّفوا مرة واحدة.

وإذا انتشر الجهاد في المجتمع تعلق بالآخرة، فكان زاهداً في الدنيا، حاملاً للرسالة يبحث عن دوره في إصلاح الحياة لا منتظرا إنجازا يرفع مستوى دخله.

بنظرة بسيطة، سيكمن حل المشكلة الاقتصادية نفسها إذا زهد الناس في الدنيا وكانوا أخلص للدين (والرسالة) الذي يفرض عليهم دورا فاعلا في إصلاح الحياة.

خلاصة التغريدات السابقة كلها: المشروع الإسلامي والدولة الإسلامية نموذج مغاير ومفارق لنموذج الدولة العلمانية المادية القائمة، استيعاب هذا حتم. —المؤرخ محمد إلهامي

الأربعاء، فبراير 13

قضية سوريا ومجازرها والمساعدة من الخارج

بدون تكتل عربي أو إسلامي حول قضية سوريا، الجهاد والقتال الفردي أو الغير منظم ما هو مُسكّنات ألم، وهي واجبة على القادر من أبناء المدن السورية التي يتم الهجوم عليها؛ فالتعاون الضيق على مقاس خلايا صغيرة تعيش هناك وتقاوم قدر استطاعتها ليس موضوع مقالتي لأنه شيء ضروري وواجب. فليس المقصود التثبيط من همة إخواننا في سوريا ممن يدافعون عن أهلهم وأرواحهم وبيوتهم؛ لا، أبداً، أعانهم الله، وما يقومون به ضروري حتى ينقذوا ما يمكن إنقاذه. إنما رسالتي لغير المجبر على الجهاد وحده أو ضمن مجموعات صغيرة، رسالتي للمسلمين خارج سوريا: المقاومة في سوريا على هذا الشكل مسكّن ألم، ولا تعالج جذور المشكلة أو تعالجها معالجة مؤثرة. والمشكلة أكبر من بشّار نفسه؛ بل إن بشّار يمثل أكبر عائق غير مباشر لحل مشكلة سوريا، ليس لأنه القاتل المباشر، بل لأن الأغلبية العظمى من العرب، كعادتهم، تلومه هو شخصياً على كل ما يحدث في سوريا وكل المجازر؛ ونعم، القائد أكثر من يُلام، ولكن لا نضعه في قفص الاتهام على الارتكاب المباشر لكل الجرائم إلا بالدلائل أنه أعطى الأوامر بمجازر أو ما شابه. وبعض الشواهد تقول أن هناك طرف ثالث في سوريا، تماماً مثل الثورة في مصر.

يعني عندنا في مصر، بعض الثوار يتهمون قوات أمن الوطن في كل حوادث القتل التي حدثت لمتظاهرين؛ وعلى الجانب الآخر، قوات أمن الوطن تلوم المتظاهرين على حوادث القتل ضد الشرطة وتلوم الثوار على حوادث العنف بالمولوتوف والطوب. في رأيي أنّ كل ثائر بعد بدء انتخابات البرلمان، منذ وقت بعيد، سَهْل لومه لأنه سَهَّل لحدوث الفوضى والعنف، ولكنه ليس بالضرورة الفاعل المباشر لأعمال العنف، إلا قلة خائنة للوطن ولها مبادئ أناركية فوضوية وما شابه. وفي نفس الوقت، بالتأكيد لا تُلام قوات أمن الوطن على كل أو حتى أغلبية من قُتِلوا في الثورة؛ بل بالتأكيد هناك طرف ثالث متمثل في البلطجية مدفوعي الأجر والقتلة المحترفين الذين استخدموا أسلحة قنص وأسلحة كاتمة للصوت وسط المتظاهرين أنفسهم لقتل شخصيات محددة في الثورة.

وعلى نفس الوتيرة، هناك طرف ثالث في سوريا يقوم بالمجازر والقتل؛ ليسوا لطيفين مثل البلطجية في مصر الذين يقتلون أعداداً قليلة من الثوار وقوات الأمن، ولكنهم حيوانات تجردوا من الآدمية نفسها—بل أسوأ من الحيوانات، فهم قتلة وسفاحون مأجورون في سوريا.

كم واحد في الوطن العربي يفكر بهذه الطريقة؟ بل كم واحد عنده أصلاً الاستعداد لتصديق هذا بدلاً من الضحك والتشدق بالمصطلح السطحي ’نظريات مؤامرة‘؟

إذن فالمشكلة أكبر بكثير من بشّار وأكبر من سفاحين الطرف الثالث في سوريا. المشكلة فينا نحن كأمة؛ جَهْلنا وسطحيتنا وانفعالاتنا بدون تفكير ومبالغاتنا هي ما تقتلنا يومياً.

من أراد أن يساعد أهل سوريا من خارج سوريا، فنصيحتي له هي أن يحاول فهم ما يحدث في سوريا، معرفة الحقائق، ثم نشر وتوعية شعبه بهذه الحقائق، ثم توصيل الحقائق للمسئولين والسياسيين ودفعهم إلى إخبار سياسيين في دول عربية أخرى، ثم الضغط عليهم جميعاً ليتخذوا قرارات حازمة وسريعة بين تعاون عسكري ومناورات دبلوماسية مع بشّار الأسد وإلى آخره. عندما يرى الناس والسياسيون أن هناك حقائق تقول أن بشار الأسد ليس المتهم الوحيد في هذه القضايا، سيمكنهم على الأقل الحوار مع القائد—وهو مقصر وفاسد بالتأكيد، وعلى الأقل وقتها هو نفسه سيأمن على حياته ويعرف أن من يتحاورون معه لا يتحاورون معه على أساس أنه جزار وسفاح، بل على أساس أنه قائد دولة مقصر ويمكنه استخدام مساعدات من زملائه قادة بقية الدول العربية في إيجاد الطرف الثالث في سوريا وإنقاذ إخواننا السوريين، أعانهم وحفظهم الله. أو على الأقل نجد الدليل القاطع أنه هو السفاح الوحيد—إن كان! أليس كذلك؟

في رأيي، من أمكنه القيام بمجهود مثل هذا، فسيكون مجهوده بتوفيق الله أكثر فائدة بكثير—على المدى الطويل—من السفر إلى سوريا لحمل السلاح والمقاومة به، لأن هذا—كما ذكرت—أقرب إلى مسكّن الألم من حل جذريّ. ومن لم يمكنه القيام بهذا أو ذاك، فعلى الأقل يمتنع عن نشر الإشاعات الغير مؤكده، ويحاول أن يمد يد العون بالمال والدعاء لمساعدة إخواننا وأخواتنا السوريين من لاجئين خارجها وضحايا إرهاب داخل سوريا الشقيقة.

—ياسين رُكَّه