‏إظهار الرسائل ذات التسميات السلفيون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السلفيون. إظهار كافة الرسائل

السبت، أكتوبر 5

الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة

هذه رسالةٌ إلى كلِّ المصريين المسلمين، بغضِّ النظر عن انتمائاتِهم ومواقفِهم الحالية، ثوارِ رابعة ومؤيدي الانقلاب، مستقلين وأحزاب، إخوان وسلفيين، مؤيدي الشرعية ومؤيدي الجيش، مؤيدي مرسي ومؤيدي السيسي، مؤيدي الحكمِ الديمقراطي ومؤيدي الحكمِ العسكري، وإلى آخرِه، طالما أنت مسلم وتحبُّ الله ورسولَه ودينَك، فرسالتي موجهةٌ إليك.

كنت قد كتبتُ سابقاً عدة مقالات عن أهميةِ قانونِ الدولةِ أو الدستور، وشرحتُ الفرقَ بين الدستور والشريعة، وأكدتُ أنّ القانون، أو السلطان، أو الدستور هو أهمُّ ركنٍ من أركانِ الدولة، وهو أُسُّ الفساد أو منبعُ الإصلاح. بل إن التحكمَ في القانونِ أو الدستور أهمُّ من التحكمِ في البنوكِ أو الجيوش. ومن هذا المنطلق، أكتبُ هذه المقالة.

أبدأ رسالتي بالجزء الموجه إلى أهل رابعة أو الثوار، وخاص إخواني من الشبابِ الثوريّ فيهم: لا تغتروا بأنفسِكم، ولا بقوتِكم، ولا بذكائِكم؛ ولا تغتروا بشعاراتٍ جوفاء مثل ’سلميّتُنا أقوى من الرَّصاص‘، فهذه أساطيرٌ أيضاً مثل أساطير الإعلامِ الكذوب الإسلاموفوبي. طيّب، ما هي الحقيقة إذن؟ الحقيقةُ هي ما قالها اللهُ سبحانه تعالى في كتابِه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}—سورة محمد: ٧. يعني أنتم أنفسُكم لستم أقوى من العسكر؛ لا أجسادُكم ولا شبابُكم أقوى من رصاصِ العسكر؛ وبمنتهى اليقين، سلميتُكم ليست أقوى من رصاصِ وبنادقِ ومدرعاتِ العسكر؛ ولكن...الله! اللهُ أقوى من العسكرِ ورصاصِ ودباباتِ ومدرعاتِ العسكرِ وأقوى من أمريكا ومن الناتو ومن كل شيء؛ الله أكبر. ومفيش حاجة اسمها أكبر من إيه أو من مين؛ الله أكبر. نقطة. انتهى الموضوع: الله أكبر.

طيّب، طالما الموضوع كذلك، والله قال: {إن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، [يبقى عشان تنتصروا على العسكر، لازم تنصروا الله. عشان لما بنادق العسكر تتصوب تجاهكم، ولما يطلع من البنادق رصاص حيّ، تثبت أقدامكم، مالكُمش اختيار]…لكي تثبت أقدامُكم في هذه اللحظة، ليس لكم خيارٌ سوى أن تنصروا الله...فينصركم ويثبت أقدامَكم.

فالسؤالُ الذي يفرض نفسَه: هل أنت تنصر الله عندما تنصر ’الشرعيةَ‘ مثلاً؟ [جائز شيخك، أو العالم اللي بتثق فيه، بيقولّك أيوه،] نعم، أنت بنصرتك للشرعية، تنصر رجوعَ الحقِّ لأصحابه، وبالتالي تنصر الله. ماشي. لن أجادل في هذا، ولكنّي سأسألك: إن كان بإمكانك نُصرةَ الشرعية وبإمكانك نصرةَ الشريعة في لحظة الموت، أيهما أولى بنصرتِك؟ إن كنت تعلمُ أنك ستموت اليوم...اليوم؛ في ظنك، ما الأولى؟ نصرةُ الشرعية، أم نصرةُ الشريعة؟ هذا سؤالٌ لك، ولشيخك أو إمامك، أيا كان.

وبناءاً عليه، أيهما يتعلق أكثر بنصرِ الله؟ مرة ثانية، أيهما يتعلق أكثر بنصر الله؟ أيهما علاقتُه باللهِ أوثق...أقرب؟ شرعيةُ إنسانٍ ونظام؟ أم شريعةُ الله؟ أيهما أقربُ إلى اللهِ وإلى نصرِ الله؟ هذا سؤال لك، ولشيخك إن كان لك شيخ.

وبالإجابة على هذه الأسئلة، يمكنك أن تحدد ما  الذي يستحق موتَك، ما الذي يستحق تضحيتَك، ما الذي يستحق نضالَك وكفاحَك، شرعيةَ الحاكمِ والنظام، أم شريعةَ الله؟ وما الذي سيجلب نصرَ اللهِ لك ولفريقِك، أسرع وبتأثير أقوى على الظالم؟ نصرتُك لشرعيةِ حاكمٍ ونظام، أم نصرتُك للشريعة؟

ومرةٌ أخرى، إن قال قائلٌ أن بنصرتِك للشرعية، أنت تنصر رجوعَ الحقِّ لأصحابِه، وهم الإسلاميين، فتنصر الإسلامَ نفسَه بطريقةٍ غيرِ مباشرة، لإن الإسلاميين يريدون تطبيقَ شرعِ الله، أو الشريعة، فعندي الرد على هذا أيضاً: بفس هذا المنطق، منطق ذلك القائل، أنت بنصرتِك للشريعة، تنصر الشرعيةَ بطريقةٍ غيرِ مباشرة. كيف؟ لأنه إذا كان الإسلاميون—سواءاً الإخوانُ المسلمون أو غيرُهم—فعلاً يريدون تطبيقَ شرعِ الله، أو الشريعة، وفي نفس الوقت، العسكرُ لا يريدون تطبيقَ الشريعة، فأنت بنصرتِك للشريعة، بالتأكيد تنصر الإسلاميين، وتنصر شرعيتَهم على العسكر. لأنك تريد شيئاً، والعسكر لا يريد هذا الشيء، أما الإسلاميون فيريدونه؛ فأنت بنصرتك لهذا الشيء، تنصر الإسلاميين أيضاً.

طيّب، ولماذا لا أنصر الإسلاميين أو شرعيتَهم مباشرة؟ لأنك بتأييدك لفكرةٍ بدلاً من شخص، وبنصرتك لشيءٍ وثيقِ الصلةِ بالإسلام، بالدينِ نفسِه، تضمن أن من تنصره (الشخص) عندما يأتي، سيعلم جيداً لماذا نصرته! ما هو سببُ نصرتِك له. سيعلم جيداً أنك نصرته لأنك تنصر الشريعة؛ وبالتالي، إن كان به من قبل بعض التذبذب أو الحيرة أو التردد في تطبيق الشريعة، كل هذا سيختفي تماماً عندما يرى أن من نصره، نصره أساساً...من أجلِ تطبيقِ الشريعة. وبالتالي، الكلُّ يفوز وينتصر! الإسلامُ ينتصر بنصرةِ شريعتِه، وأنت تنتصر بالثوابِ الذي أخذته لنصرةِ الإسلامِ والشريعة، والإسلاميون ينتصرون برجوع الحقِّ لهم، وفي نفس الوقت، بتيسيرِ مهمةِ تطبيقِهم للشريعة؛ حيث أن وقتَها، لا يوجد حُجَّة عندهم لتأجيلِ تطبيقِ الشريعة أو لاتباعِ الفكرِ الفاسد الذي يقول بتدرجِ تطبيقِها؛ لأنهم سيروا أن من نصروهم، نصروهم من أجل الشريعة، وليس من أجل شيءٍ آخر، لا العيش أو الخبز، ولا الحرية، ولا العدالة الاجتماعية المزعومة، ولا الباذنجانية...بل نصروهم من أجل الشريعة.

فكما ترى، أنت بنصرتك للشريعة، تنصر الشرعية، وتنصر الإسلاميين، وتنصر نفسك أيضاً، لأنك بنصرتك للشريعة، أنت تنصر الطريقةَ الوحيدةَ لتحكيمِ اللهِ، لتأكيد ربوبيةِ ووحدانيةِ الله بترسيخِ حاكميتِه وحدِه سبحانه وتعالى، وبالتالي تنصر الله بطريقة مباشرة، فتفوز في الآخرة وتنتصر في الدنيا أيضاً: {إن تَنصُرُوا اللَّـهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

هذا، وإن العملَ على نصرةِ فكرةٍ أو قضيةٍ مثل شريعةِ الله سيجمع شملَ أكبر عدد ممكن من المصريين والثوارِ الشرفاء. كيف؟ لأننا اليوم في مصر انقسمنا إلى عدةِ أقسام، بغض النظر عن نسب أو أحجام تلك الأقسام. والأقسام الرئيسية التي انقسمنا إليها أعتقد أنها أربعةُ أقسام: قسمٌ يؤيد حكومةَ مرسي والإخوان، قسمٌ يؤيد حكمَ العسكرِ ويؤيد الجيش، قسمٌ يرفض الاثنين: الإخوانَ والعسكر، وقسم لا يهتم أو بالكاد يهتم اهتماماً سطحياً من بابِ الدرايةِ والعلمِ بالشيء، ولهذا فلن أهتم بهذا القسم في كلامي.

القسم الذي يؤيد حكومة مرسي والإخوان يؤيد الشريعة أيضاً بمنتهى الوضوح والسهولة، وهم أغلب أهل رابعة. أما القسمان الآخران ففيهما قولان: ظني بالقسم الذي يؤيد العسكرَ هو أن معظمَهم، ولا أقول كلَّهم، ولكن معظمُهم يؤيدون العسكرَ من بابِ الوطنية وحبِّ الوطن، وهم في نفس الوقتِ يؤيدون الإسلامَ ويحبون الله ورسولَه صلى الله عليه وسلم، ولو على الأقل شفهياً عندما تسألهم، حتى وإن كانت طريقةُ حياةِ بعضهم أو عاداتُهم لا تدل على ذلك؛ على الأقل إن حاورتَ بعضَهم، لأكدوا لك انتماءَهم للإسلامِ وحبَّهم للهِ ولرسولهِ صلى الله عليه وسلم. وبناءاً عليه، إن سألت بعضَهم: من أهم عندك، اللهُ ورسولُه أم السيسي؟ ما الأهم عندك، الإسلام أم الجيش؟ إن قال لنا: ’السيسي والجيش أهم‘، فقد كفر ولا نتحدث معه أكثر من ذلك. إن قال لنا: ’الاثنين ولا يوجد تناقض‘، فنسأله: أتضع الإسلامَ، دينَ الله، في نفس المنزلةِ مع مجموعةٍ من الجنود؟ هان عليكَ دينُك؟ أتضع الله سبحانه وتعالى في نفس المنزلةِ مع بشر، قائدِ جيش؟ هان عليكَ اللهُ لهذه الدرجة؟ أما إن قال لنا: ’اللهُ والإسلامُ أهم عندي من أي شيء، ولكن مرسي ليس نبيّاً مرسلاً أو والياً من أولياء الصاحلين، والإخوانُ لا يمثلون الإسلام‘؛ نقول له: متفقون على هذا تماماً. لا نعطي مُرسي فوق قدرِه، والإسلامُ أعظمُ من أن يمثله فصيلٌ أو حزبٌ واحد. ولهذا فإني أدعوك ألا تؤيد مرسي أو الإخوان، ولكن تؤيد شريعةَ الله، تنصر اللهَ معي، فتطالب بتطبيقِ الشريعة. وبهذا، نحن نبعد عن الجدلِ العقيم في مسألةِ من هو الخائنُ ومن الأمين، من هو الكاذبُ ومن الصادق، وإلى آخره. نبعد تماماً عن هذا الجدلِ العقيم، ونركز في نقطةٍ محددة، هي كفيلة بأن تُظهر الحق. تعالى معي، نؤيد الشريعةَ ونطالب بها، فننصر الله سوياً. والله وعد في كتابه الكريم أننا إن فعلنا، لنصرنا اللهُ وثبت أقدامَنا. وبناءاً عليه، نحن وقتها لا نؤيد لا مرسي ولا الإخوان ولا الإسلاميين ولا السيسي ولا الجيش، بل نؤيد فقط الله، وننصر فقط الله. وبهذا، إما أننا سندعو الجميعَ إلى نصرةِ الله أيضاً، أو أن الله سيُظهر الحقَّ على أيدينا، عندما نرى من سيحاربنا ويقاومنا على الرغمِ من أننا لا نشخصن، لا نؤيد أشخاصاً ولا أطرافاً، وإنما فقط نؤيد شريعةَ الله، فقط ننصر الله. وقتها من يحاربنا، سيثبت أنه يحارب الله ودينَ الله. وقتها نعرف من الخائن ومن الوفي لله؛ من الكاذب ومن الصادق في حبه لله وفي تأييده لما يرضي الله.

شيءٌ بديهيٌ أن الحكمَ بما أنزل الله، تحكيمَ شرائع الله، استخدامَ شريعةِ الله في السلطة، يرضي الله. فكل ما علينا القيامُ به هو أن نؤيد نحن هذا بالتحديد، نؤيد نحن، وبمنتهى القوة والعزيمة والإصرار والإيمان، تحكيمَ شريعةِ الله علينا وجعلَها قانونَنا ودستورَنا؛ ووقتها، ليس علينا سوى أن نرى ردودَ أفعالِ الأطرافِ المختلفة، فنرى من يحاربنا وبالتالي يحارب الله وحاكميَّتَه بمحاربةِ شريعةِ الله، ومن يؤيدنا ويساعدنا بصدقٍ وإخلاص.

وبتثقيف أنفسنا وتعليم أنفسنا حقائقِ الشريعة، يمكننا أيضاً أن نكشف المخادعين الذين يزعمون أنهم يطبقون الشريعة، ولكن في الحقيقة هم لا يفعلون ذلك ويقبلون بقوانين وضعية عالمانية—ولو جزئياً—بدلاً من قوانين الله؛ فإن انكشف خداعُ أحدٍ تسلق علينا بالكذب، ثرنا ضده ورفضناه وطردناه وطالبنا بمن يصدق في تطبيق الشريعة.

أما من يقول أنه لا داعي لتطبيقِ الشريعة الآن أو أنها غيرُ مناسبة للوقتِ والزمان أو أن نطبقها بالتدرج، فالردُّ على هذا الكلامِ أيضاً بفهم شريعتِنا فهماً سليماً، وبفهم ما إذا كان تطبيقُ الشريعةِ شيئاً اختيارياً أصلاً، أم مثله مثل الصلاةِ على أوقاتها خمس مرات في اليوم—فرض، بل مثل شهادةِ ’لا إله إلا الله‘، وجزء لا يتجزأ من هذه الشهادةِ نفسِها—أمر يتعلق بالعقيدة وما دونه كفر وشرك!

وبالنسبة إلى القسم الثالث، الذي يرفض الاثنين: الإخوانَ والعسكر، فبعض هؤلاء ليبراليون وعالَمانيون يزعمون الانتماءَ إلى الإسلامِ وفي نفس الوقتِ يؤيدون قلباً وقالباً أنظمةً سياسيةً مثل الليبرالية والعالَمانية، وهؤلاء لا يستحقون أكثر من أقل القليل من الكلامِ معهم عن أهميةِ الشريعة وكونِها جزء لا يتجزأ من شهادة لا إله إلا الله؛ فإن سمِعوا واقتنعوا بالأدلةِ والمنطق، فأهلا وسهلاً بهم في الفهمِ الصحيحِ لدينِ الإسلام؛ وإن لم يسمعوا وأصروا على تأييدِ أنظمةٍ معاديةٍ للإسلامِ بشموليته وكليّته، فلا داعي لتضييع الوقت معهم ونسأل الله لهم الهداية. ولكن من بين هؤلاء الرافضين للإخوانِ والعسكرِ معاً، أناس ينتمون إلى الإسلامِ بصدقٍ، أو على الأقل يريدون أن ينتموا إلى الإسلام بصدق، بل ويحاولون أن يؤيدوا التيار الإسلامي أحياناً، ولكنهم تأثروا مثلاً بأخطاءِ الإخوانِ وبالإشاعاتِ التي تحوم حولهم من الإعلامِ الفاسد، فانتهى بهم الأمرُ إلى كراهية—أو على الأقل رفضِ—الإخوانِ أيضاً؛ «حركة أحرار» وبعض ثوار ما يسمى بالميدان الثالث أمثلة جيدة لهذا القسم من الناس في مصر اليوم. وهؤلاء، الرسالةُ لهم مشابهةٌ بعض الشيء للرسالةِ التي وجهتُها لمؤيدي العسكر—مع الاعتراف بالفرق الشاسع في التفكير بالتأكيد؛ بل إن أمرَ هؤلاءِ المؤيدين للمشروعِ الإسلاميّ أسهلُ بكثير، لأن قضيةَ هؤلاءِ ليست مشخصنة أصلاً، وهم ببساطة حائرون بين الجهاتِ الموجودة، ويكرهون أو ينفرون من أغلبيتها العظمى. فمعظم هؤلاء قد يرون المنطقَ والجمالَ والقبولَ في قضيةِ تأييدِ الشريعة ونصرةِ الله بهذه الطريقة، مع الوعد لهم أن نظل كلُّنا على العهد، فلا نؤيد سوى الشريعة، ولا نعين سوى من يطبق الشريعة بصدق؛ وأن نرفض ونثور ضد أي جهةٍ أو شخص، كائناً من كان، من أول لحظة نتأكد فيها أنهم يخادعوننا ولا يطبقون شريعةَ اللهِ فعلياً وبصدق. نعدهم ونعاهدهم على أن تكون قضيتُنا الشريعة، وألا نؤيد أحداً إلا إذا تأكدنا أنه يطبق الشريعةَ بالفعل، لا ينوي أو يهدف إلى تطبيقِ الشريعة، بل يطبقها فعلياً ومن أولِ يوم.

يعني، أهل الميدان الثالث، تعالوا لنوحد الصفَّ ونثور مع بعضنا البعض، لا لأحزابٍ أو أشخاص، بل لفكرةٍ وقضية، وهي الشريعة؛ ولننشر هذا الفكرَ قدر الاستطاع ونطلب من الثوارِ أن يغيروا فكرَهم وشعاراتِهم بإحلالِ الشريعةِ مكان الشرعية، وإخلاصِ النية لله والتمسكِ به بدلاً من التمسكِ بأشخاص؛ ولكن لن يمكنكم توصيلَ هذه الرسالةِ إلى الثوارِ الآخرين وأهلِ رابعة إلا إذا وحدتم الصفَّ، ورأوكم معهم في مواجهةِ الظلمِ والاستبدادِ والحربِ الحالية على دين الله. يجب أن يراكم أهل رابعة معهم، موحدين للصف، كي يسمعوا رسالتَكم ويقتنعوا بها. وأرجو منكم عذر بعضهم إن لم يقتنعوا؛ فإن قلة الوعي والعلم متفشية في كل مكان في الدنيا اليوم، وعاطفة الشخصنة أو الارتباط بأشخاص شيء متأصل في الكثير من البسطاء؛ أرجو أن تعذروا هؤلاء وتستمروا في نشر رسالتكم للآخرين. ولعلكم تقتنعوا أن الرئيس والبرلمان المنتخب لهم شرعية اختيار أغلبية الشعب لهم، وإن كانت شرعية ثانوية ومشروطة بتطبيق الشريعة؛ ولعلكم توافقوني، إخواني من الميدان الثالث، على أن هذا الرئيسِ المعتَقَل والبرلمانيين المسجونين، قد دفعوا ثمن أخطائِهم، ولعل بعضُهم أدرك أنه فرط في حقِّ الله؛ وأيضاً هؤلاء يمكننا الضغطَ عليهم ومعارضتَهم ومحاسبتَهم بما وعدونا به ثم أخلفوا؛ أما العسكر، فهم لم يعطوا أي وعودٍ بتطبيق الشريعة، بل ويبدو أنهم يحاربون دينَ اللهِ نفسَه اليوم؛ أنا لست بصدد التأكيد على أي إتهامات ضد أي جهة في مقالي هذا، ولكن هذا ما يراه البعض. النقطة التي أهتم بها هنا هي أن الشرعية التي ينادي بها بعض أهل رابعة ليست باطلة تماماً، لأن الرئيس والبرلمان قد يكونوا وقعوا في أخطائهم عن جهل، وفي نفس الوقت هم فعلاً اختيار الأغلبية؛ وبالتالي، فشرعيتهم قد لا تكون باطلة تماماً، ولكني أوافقكم أنها شرعية ثانوية ومشروطة بتطبيق الشريعة؛ فتسقط عنهم حتماً في حالة التأكد من رفضهم لتطبيق الشريعة عن عمد وعلم؛ ولكن يجب قبل إسقاط شرعيتِهم التأكد من تعمدِهم وعلمِهم ببطلانِ وفسادِ ما يقومون به في حقِّ الشريعةِ الإسلامية.

هل كل هذا يعني أننا سنقطع يد السارق ونجلد الزاني من أول يوم، وغيرها من الاسطوانات التي يرددها الإعلام الإسلاموفوبي أو الكاره للإسلام؟  هذا يدخل في تفاصيل وشروط تطبيق أي شرع من شرائع الله، وهذه التفاصيل وهذا النوع من العمق في الشريعة ليس قضيتَنا؛ بل إن قضيتَنا هي مصيبة أننا نكفر ونشرك بالله إن لم نعترف بفرضية تطبيق أوامر الله، قوانين الله، شرائع الله. مرة أخرى، أي شخص يكفر ويشرك بالله إن لم يطبق قوانينَ الله ويعترف بفرضيتها. وبالنسبة لهذه التفاصيل، فلن نكون أبداً أرحمَ على الناسِ من الله، لن نكون أبداً أعلم بما ينفع الناسَ ويناسبهم أكثر من اللهِ سبحانه وتعالى. وليس للدخول في التفاصيل الآن، ولكن لإعطاء مثال سريع لإثبات أن هناك مساحة لمناقشة التفاصيل لاحقاً بالمنطق وبما يطمئن قلبَ أيِ إنسانٍ قد يكون عنده القليلُ من الشكِّ نتيجة قلةِ العلم، مثلاً، حد السرقة لا يطبق على من سرق لسدِّ جوعِه أو لحاجةٍ ملحةٍ تعني الفرقَ بين الحياةِ والموت. بمعنى آخر، عدم تطبيق حدٍّ ما أحيانا يَعني ببساطة تطبيقَ الشريعة، لأن الشريعة هي التي تحدد حكماً آخر في هذا الموقف. أكرر، عدم تطبيق حدٍّ ما أحيانا يَعني تطبيقَ الشريعة، لأن الشريعة هي التي تحدد حكماً آخر في هذا الموقف. وكما ذكرت، الدخولُ في هذه التفاصيلِ والجدلُ فيها ليس قضيتَنا اليوم إطلاقاً؛ وإنما قضيتَنا هي إثباتُ الأهميةِ القصوى لتطبيقِ قوانين الله، والمطالبة بها؛ والاعتراف بأن أكثر الآلياتِ الديمقراطية، أو أساليبِ العملِ السياسي حالياً، والتي انخرط فيها الإسلاميون أنفسُهم في حكومةِ ما بعد الثورة، هي آليات أو أساليب مخالفة لدين الله، ولا يرضى اللهُ عنها؛ ويكاد يقسم الكثيرُ أن هذه المخالفاتِ هي أسبابُ تخلي اللهِ عنا في المرحلة السابقة وعودتِنا إلى الذلِّ والمهانةِ والقتلِ والتعذيب. وبالتالي، فلا عزةُ لنا، ولا عودةٌ إلى التمكينِ للمشروع الإسلامي إلا إذا كان فعلاً إسلامياً وفعلاً يرضي الله. ولن يكونُ المشروعُ الإسلاميُّ بالفعل إسلامياً إلا إذا طَبَّقَ قوانينَ الإسلامِ من أولِ يومٍ في السلطةِ والحكم.

وفي النهاية، ألخص رسالتي في دعوةِ كلِّ المصريين المسلمين، من يحبون الله ورسولَه والإسلام، حباً حقيقياً، سواءاً كانوا إخوان أو سلفيين، وطنيين أو مؤيدين للنظام السابق، عسكريين أو مؤيدين للجيش المصري من باب الوطنية، طالما أنتم تحبون الله ورسوله والإسلام فوق أي شيء، فتعالوا إلى كلمةٍ سواء، لا نشخصن، لا نتبع أي شخص أو أشخاص، سواءا رئيساً أو قائدَ جيش، حزباً سياسياً أو جنوداً، تعالوا نتبعد تماماً عن الشخصنة أو تأييدِ أي أشخاص؛ وتعالوا لننصر الله، ولا أحدَ غيرَ الله. تعالوا لنُحَكِّم الله ورسولَه علينا؛ كيف؟ بتحكيم القرآنِ والسنةِ علينا. كيف؟ بتحكيم شريعةِ الله علينا، قوانينِ الله. تعالوا كلنا نجتمع على هذا، ونعاهد بعضَنا على هذا، ولا شيء غير هذا. فننظر من سيؤيدنا في قضيتِنا هذه، ومن سيحاربنا. ونحن بالفعل جربنا أحزاباً إسلامية أقنعتنا أنها ستطبق قوانينَ الله، ولكن أثبتت التجرُبةُ أنهم اتبعوا آلياتٍ وسياساتٍ فاسدةً وغيرَ شرعية، أيْ طرقاً وسياساتٍ مخالفةً للشريعةِ وتستبدلها بالقوانينِ الوضعيةِ في بعض الأمور؛ ورأينا بأنفسنا فشلَ هذا الطريقِ وإذلالَ اللهِ للكثيرِ منا بسبِبه؛ فبإذن اللهِ لن نقع في نفسِ الفخِّ مرة أخرى، ولن نسمح لأيِّ حزبٍ أو رئيسٍ أن يخدعنا نفسَ الخدعةِ مرةً أخرى. هذه المرة، إما آليات وسياسات تطبق قوانينَ اللهِ بحذافيرِها، ومن أولِ يوم...وإما الثورة مستمرة. ودعوتي لكل من يقتنع برسالتي هذه، هي أن يوحدَ الصفَّ تحت شعارِ رابعة وفي مظاهراتِ رابعة، مع دعوةِ الناسِ باستمرارٍ إلى التخلي عن شعاراتِ الشرعية، واستبدالِها بشعاراتِ الشريعة، ومع التماسِ العذرِ لأي مجموعات من الناس لا تقتنع بهذه الرسالة، والاستمرار في توحيدِ الصفِّ معهم. لماذا نعذرهم مؤقتاً ونوحد الصفَّ معهم؟ لأني رسالتي ليست ’لا للشرعية، ونعم للشريعة‘؛ بل أقول: الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة؛ أي أن شرعيةَ القائدِ أو الرئيسِ المستمدةَ من اختيارِ أغلبيةِ الشعب هي شرعيةٌ مؤقتةٌ وثانويةٌ ومشروطةٌ بتطبيقِ الشريعة؛ فنعم، لها وزن وأهمية، ولكن هذه الشرعية لا يمكن الاحتفاظ بها إلا بالشريعة. وبالتالي، يمكننا أن نعذر من منعته العاطفة أو قلة العلم عن الاقتناع برسالتنا في المرحلة الحالية، ويمكننا أن نوحد الصفَّ معهم على أية حال في هذه المرحلة، مع التركيز على رسالتنا والاستمرار في الدعوة إليها: الشريعة فوق الشرعية، ولا شرعية بدون الشريعة.

—ياسين ركه

ملحوظة: من أراد أن يسمع ويرى الأدلة على منطقيةِ وعدالةِ وصحةِ تطبيق الشريعة، كاملةً ومن أول يوم، وحتمية تطبيق الشريعة للاحتفاظ بإسلامنا نفسه، فليستثمر وقته لمشاهدة سلسلة «نصرةً للشريعة» للدكتور إياد قنيبي.

الأربعاء، يوليو 17

بعيداً عن مرسي والإخوان والسلفيين، وفي قلب القضية

عزيزي مؤيد المشروع الإسلامي، قبل أن تتحدث مع إخوانوفوبي أو إسلاموفوبي أو ليبرالي متأسلم، مؤمن إيماناً شديداً بأن الإخوان والسلفيين منافقين متأسلمين انتهازيين، اسأله هل يؤمن بأنه لا دين في السياسة؟ اسأله ماذا يفعل الشعب المسلم بالقوانين الإسلامية؟ ناقشه في شمولية الإسلام، أو أن الإسلام نظام إدارة كامل لكل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان. وشاهد فيديوهات واقرأ مقالات—وكتباً إن أمكن—واقرأ مناقشات في هذا الموضوع على المواقع الاجتماعية ومنتديات النقاش، كي ترى كيف يتناقش الناس في هذه القضية، وما هي النقاط المقنعة فيها، والدلائل القرآنية والسنية والمنطقية التي يمكن إثبات وجهات النظر بها.

إن لم يقتنع بشمولية الإسلام وأهميته كمنظومة قانونية ونظام حُكم، فلا يمكن أن يقتنع بأن أي سياسي ذي مرجعية إسلامية خالص النية. يجب أن يقتنع أن السياسي ذا المرجعية الإسلامية له ضرورة، لأنه طالما يؤمن بأن ليس له أي أهمية، فسيظل يؤمن أن ما يُدْعَى ب’الإسلامي‘ هو شخص متسلق وتاجر دين وإلى آخره.

القضية في جذرها ليست قضية الإخوان أو السلفيين أو اللحية، وليست حتى قضية رجوع د. محمد مُرسي (وإن كان هذا هو الحق بناء على الديمقراطية لأن من أتى بانتخاب يجب أن يرحل بانتخاب أو استفتاء)، وإنما هي قضية الرضا بالقوانين الإسلامية وقبول الإسلام كنظام لإدارة الدولة والمجتمع، أو نظام للحُكم. ابدأ بهذا، ثم بعد الانتهاء منه—إن انتهيت، يمكنك الحديث في دلائل التطبيق المخْلِص لأي جهة، سواء الإخوان أو السلفيين أو أبو إسماعيل، للقوانين الإسلامية واستخدام الإسلام كنظام حُكم.

وهذه هي القضية التي تستحق التمسك بها؛ لا يعنينا أصلاً إذا كان من يطبق الإسلام كنظام حُكم من الإخوان أو من السلفيين أو مستقلا؛ ما يعنينا هو أن يتم بالفعل هذا التطبيق. بعد هذا، نختار من السياسيين المتاحين ذوي المرجعية الإسلامية بحسب الجدارة لإدارة البلاد. فمثلاً، من يختار الإخوان قد يختارهم لأنهم أقدم مؤسسة خيرية وحزب سياسي معارض في تاريخ مصر ولأنهم بارزون في الإدارة؛ ومن يختار السلفيين قد يختارهم لأن تطبيقهم للإسلام سيكون ’الأحوط‘ اتجاهاً والأكثر بعداً من الشبهات أو الأصح من منظورهم؛ ومن يختار أبو إسماعيل قد يختاره لأنه مستقل عن هؤلاء وهؤلاء إلى حد كبير، وقد ينجح في جمع الأطراف على قضية واحدة لاستقلاليته هذه. وقتها نكون متفقين على المبدأ وعلى نظام الحُكم، ومختلفين فقط فيمن نراه الأنسب للمرحلة. وهو اختلاف لا يسمح للكراهية أن تنمو فيه.

فمرة أخرى، لنحاول قدر الإمكان أن نقنع الآخرين بالقضية نفسها، بالمشروع الإسلامي نفسه، بالقوانين الإسلامية وأهميتها، بالإسلام كنظام حُكم. إقناع الناس بشيء مثل هذا أسهل بكثير من إقناع الناس بأن الإخوان—مثلاً—حلوين وقمامير أو أن د. محمد مُرسي حَبُّوب!

—ياسين رُكَّه

الجمعة، يوليو 5

هل هي فتنة وانقسام بين مجتهدين اليوم؟

لا علاقة حقيقية بين الفتنة وقت معاوية وعليّ بن أبي طالب والانقسام الشعبي في مصر اليوم، وهذا ليس لأنه لا يوجد مقارنة بيننا وبين الصحابة، بل إن المقارنة أحياناً صالحة طالما حافظنا على مكانة الصحابة كلهم وعرفنا فضلهم علينا جميعاً، وإنما لا يوجد علاقة حقيقية أو مقارنة صالحة لأن الاختلاف وقتها كان بين صحابين جليلين، فضلهما الاثنين على رأسنا، عليّ بن أبي طالب وهو غنيّ عن التعريف، ومعاوية بن أبي سفيان، كاتب الوحي وقائد الجيوش الإسلامية. يعني إن شئنا أن نقارنه باختلاف في الوقت المعاصر، لكان واجباً أن نقارنه بموقف بين رجلين قائدين يريدان أن يطبقا شرع الله وقوانينه مثلاً، بغض النظر عن هويتهما؛ وبناءً على الوضع السياسي في مصر اليوم، لا يوجد شخصيات مثل هذه يمكن أن تأتي من أي أحزاب إسلامية سوى حزب الحرية والعدالة وحزب النور وحزب الراية (حازم صلاح أبو اسماعيل). ولا أقول أن أي شخص يأتي من هذه الأحزاب يصبح في منزلة الصحابة—لا سمح الله، بل أقول أنه إن اختار أي من هذه الأحزاب قائداً للولاية أو للوطن، فهذه القادة هم من يمكن مقارنة الاختلاف بينهم أو عليهم بالاختلاف بين صحابيين جليلين، ولا مقارنة بين منزلة الصحابة الجليلة ومنزلتنا المتواضعة. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل أهل المعارضة اليوم معهم قائد من حزب أعلن صراحة هدف تطبيق شريعة الله وقوانينه؟ هل مثلاً حركة تمرد تريد شخصية سياسية سواء من حزب الحرية والعدالة أو حزب النور أو حزب الراية؟ هل يريد الفنانون المصريون قائداً من هذه الأحزاب؟ هل يريد الأقباط قائداً من هذه الأحزاب؟ الفلول؟ هل يريد أي مُعارض اليوم رئيساً ذا مرجعية إسلامية ويعرف من هو؟ أم أنهم جميعاً يبحثون عن قائد ليبرالي أو عالماني أو عسكري؟

وبناءً عليه، فلا مقارنة على الإطلاق هنا. وإذا كان أهل المعارضة فيهم كل هؤلاء الذين ذكرتهم (وجهات أخرى تحارب الإسلام والشريعة سراً وعلانية)، ثم انضم إليهم بعض ما نعرف عنهم التديّن (والله أعلم بالقلوب)، فلا يسعني سوى أن أقول: خسارة، وإنه لشيء مُحزن.

حقيقة، لا يمكنني أن أتخيل...كيف يقف مُعارض مسلم متدين اليوم في ميدان التحرير بجانب الفلول أو مؤيدي نظام مبارك وبجانب الليبراليين وبجانب العالمانيين وبجانب الكثير من الفنانين الكارهين للشريعة والسنة وبجانب الفوضويين والأقباط (من الذين لم يخرجوا في ثورة ٢٥ يناير أصلاً وفقط خرجوا الآن وهم أكثر الأقباط) والملاحدة والمغتصبين...كيف تقفوا بجانب كل هؤلاء، وما زلتم تظنون أنكم على حق أو أن الأمر غير واضح الضلال والبطلان؟

ألا يجب أن نسأل أنفسنا من الذين يقف معنا اليوم في موقفنا، كي نفهم إذا كنا على حق أم لا؟ نعم، لا يُعرَف الحق بالرجال، ولكن عندما نرى أطرافاً وجهات إسلاموفوبية أو كارهة للإسلام وشريعته بهذه الكثرة، تقف معنا في نفس الموقف الذي نتخذه، ألا يتسرب الشك إلى قلب الإنسان الذي لم تعميه العاطفة أو يغسل مخه الإعلام الكاذب؟

سبحان الله. أتفهم المسلم الذي يعارض الإخوان كي يختار السلفيين أو أبو إسماعيل والراية مثلاً، أو أي قائد سياسي أعلن صراحة ورسمياً مرجعيته الإسلامية. ولكن تعارض الإخوان كي تختار مَنْ؟ ليبرالي أو عالماني أو عسكري؟ والله إنه لشيء مخزي، ولا يوجد أصلاً أي شك أو ضبابية في الموضوع.

خسارة. خذلني اليوم الكثير والكثير ممن كنت ألتمس فيهم الحكمة وصلاح بوصلة القلب.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، يونيو 11

عندما تصبح الوطنية خنجراً آخر في ظهر الإسلام

ليت أهل العلم والفقه يستخدمون فقه الواقع ليقولوا قولاً فاصلاً اليوم في القومية، بالذات القومية المحلية، أو ما يسميها البعض ’وطنية‘ ليعطيها طابعاً حميداً. أعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كانت أحب البلاد إليه مكة المكرمة، فقد يجد بعض العلماء حرجاً من أن يذموا الوطنية أو القومية، بحُجّة أنها حب للوطن، وأن حب الوطن شيء حميد. ولكن في نفس الوقت، إننا نرى اليوم الكثير من الشرّ يأتي من القومية أو الوطنية.

أي أن فقه الواقع قد يحتم علينا اتخاذ موقف مختلف اليوم مع القومية والوطنية؛ وأنا أكتب هذا كدعوة، لعل أحد الإخوة الذين يقرأون تعليقاتي يرسلها إلى شيخ أو عالم ما. إننا نرى الكثير من التفرقة بين المسلمين بسبب الوطنية أو القومية المحلية؛ فنرى بعض المصريين يزرعون البغضاء ضد الجزائريين (والعكس)، ونرى بعض المصريين يزرعون البغضاء ضد الإماراتيين أو الخليجيين بشكل عام (والعكس)، ونرى بعض السودانيين يزرعون البغضاء ضد المصريين (والعكس)، وهكذا؛ وهذا لا يرضي الله في شيء، ويضر بالمسلمين كثيراً، خاصة أننا في أمس الحاجة إلى الوحدة اليوم.

ثم في الحقبة الأخيرة، بالذات وقت الثورة وبعدها، وبعد انتشار التيار الإسلامي في الصفوف السياسية في مصر، أصبحنا نرى مسلمين يستعينون بالقومية والوطنية ضد الإخوان، ثم أصبحنا نرى مسلمين يستعينون بالقومية المصرية ضد الإسلام نفسه! مثلاً، لقد رأيت مؤخراً صورة تنشرها بعض المسلمات الليبراليات عبارة عن حشد من المنتقبات في نقاب أسود، ووسطهم امرأة فرعونية مكشوفة الكتفين والشعر، وعلى رأسها ما يدل على أنها فرعونية، وهي وحدها المرسومة بالألوان. الصورة ترسل رسائل عديدة للمشاهد الليبرالي، فالمرأة ترمز إلى مصر في ذهن المشاهد، وتريد أن ترسخ أصالة مصر وجمالها بألوانها، وحولها الكثير من النقاب (إقرأ: الإسلام) الأسود الرتيب الذي لا شخصية أو ميزة له! إن لم تكن القومية المصرية والقومية العربية شيء لا يجد فيه أكثر علمائنا حرجاً، للم نجد هذا الكم من الطعن الخفيّ والغير مباشر في الإسلام نفسه وفي تعاليمه ورموزه؛ والطعن يأتي من مصريين ومصريات يصرّون أنهم مسلمين! ولكن هيهات أن يحارب المسلم الحق الإسلام بما ينشر من فِكر هادم ومضلل.

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد. فإن استطاع أحد القراء أن يمرر هذا الكلام لبعض العلماء، للعلم بالشيء، فجزاه الله خيراً.

—ياسين رُكَّه

الأحد، فبراير 24

الإعلامِي الإسلامُوفُوبي المُتَأسْلِم

العيب ليس فيه وحده، وإنما أيضاً في عقول فارغة من الإسلام، لم يعد لأصحابها (الجمهور والمعجبين) القدرة لأن تُفرِّق ما بين المُحارب للإسلام والمُشوِّه للهوية الإسلامية تحت قناع فنِّي (ويروه كفنان ومبدع وشخص يُدخِل في قلوبهم السعادة)، وبين المُحِبّ للإسلام الذي يجتهد بإخلاص (ويروه كتاجر دين). عقول فرغت من الإسلام، جعلت قلوباً تتعلق بأعداء الإسلام؛ أصحابها في غيبة يضحكون.

—ياسين رُكَّه

السبت، فبراير 23

حرفنة الإعلام في تلطيخ الإخوان

لفت انتباهي أحد أصدقائي إلى شيء لم ألاحظه في تطور الأحداث ودينامية المواجهة ما بين الإعلام والتيار الإسلامي كَكُلّ، والإخوان بالأخص: في بداية الانتخابات وقصة التطور السياسي في مصر بعد الثورة، كان الإعلام يركز بشدة على السلفيين في السياسة والإعلام الإسلامي، ويتصيّد لهم الأخطاء، بل وأحياناً يتصيّد لهم أي تصريحات أو أفعال من السهل إقناع الجماهير الليبرالية أو العالمانية أو حتى القليلة العلم بالإسلام أنها أخطاء وتصريحات متطرفة وإلى آخره.

إن تتذكروا، من قام برفع الأذان في البرلمان كان من الإخوة السلفيين؛ موضوع عملية التجميل، نفس الكلام؛ تهمة فعل فاضح في مكان عام، كذلك. فما هي النتيجة؟ تلطيخ سمعة التيار الإسلامي كَكُلّ، وبأسهل طريقة ممكنة، لأن جماهير ليبرالية أو قليلة العلم بسهولة جداً تكره تصريحات أو أفعال عندما تقنعها أنها متطرفة. ثم بعد كل هذا، تتصدر الإخوان كجماعة وكحزب أغلبية سياسية المشهد السياسية في مصر...وإيه؟ وتشيل الليلة!

يعني إن لاحظتم، يكاد لا يوجد أي نقد اليوم أو فضائح من الإعلام اليوم ضد السلفيين! موضوع المتحدث الرسمي للرئيس، علم الدين، ده لم يأتِ من الإعلام؛ وإنما المكتب الرئاسي نفسه ثم من تصريحات القيادات السلفية، ثم بعد ذلك استغله الإعلام؛ خُد بالك. ولكن اليوم، مين اللي شايل الليلة كلها إعلامياً؟ الإخوان. ويكاد يكون مفيش أي نقد أو كلام على السلفيين! بل بالعكس، بيعملوا تحالفات مع ليبراليين واشتراكيين وغيرهم! فجأة، أصبح الفِكر الأحوط (وهو المعروف بالأكثر تشدداً عند بعض الناس) حلو وجميل وتمام؛ والإخوان هُمَّ اللي كِخّة ووحشين! ليه؟ أصلهم حزب الأغلبية. يعني إيه أغلبية؟ ما تيجي نتكلم بالأرقام: حوالي ٥٠% في البرلمان إخوان، وحوالي ٢٠% سلفيين. طيّب، هل المعادلة دي تستحق إن الكلام كُلّه إنهارده يتحول من ’الإسلاميين وحشين‘ إلى ’الإخوان وحشين‘، والسلفيين دُول حبايبنا أو مش حنتكلم عليهم خالص؟

واللعبة اللي أثارت انتباهي في الحكاية دي كلها هي أسلوب الإعلام فيها! قمة الحرفنة في غسيل أمخاخ الجماهير ورسم الصورة المستقبلية المستهدفة في عقولهم! استغل بعض [السلفيين] في تلطيخ سمعة [التيار الإسلامي] كله أو [الإسلاميين]، ثم كرر على الناس إن [الإخوان] هُمَّ [الأغلبية]، ثم اسكت عن السلفيين وعن الإسلاميين، وابتدي شغّل اسطوانة الإخوان لوحدها.

مش بأقولكم...حرفنة! :)

بس يا ريتها كانت في الخير.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، فبراير 19

سياسات الإخوان وقيادات السلفيين وقضية الشيعة

سياسات الإخوان وقيادات السلفيين وقضية الشيعة

(انقر هنا لتحميل الملف الصوتي إن أردته)

بسم الله، والحمد لله.

تأملت في الأحداث الأخيرة، مواقف قيادات حزب النور السلفيّ، التي بدا منها أنهم على استعداد للتحالف مع قوى خارج التيار الإسلامي حتى عندما تكون في معارضة الحكومة الإسلامية الحالية. صاحب تلك المواقف تصريحات المتحدث الرسمي للحزب، نادر بكّار، المتحاملة والناقدة بحدة للحكومة والرئيس، بل وأحياناً، تصريحات تطالب مسئولاً في الحكومة مباشرة بالاستقالة. خذلت تلك المواقف والتصريحات الكثير من الجماهير المؤيدة للمشروع الإسلامي كَكُلّ، وأدت إلى مشاعر خيبة أمل في قيادات حزب النور.

والبعض يفهم أن هذه المناورات السياسية والتصريحات، التي يعتبرها البعض مخزية، ما هي إلا ضربات تحت الحزام واستغلال غير شريف للظروف والجو السياسي في الوطن. ولماذا؟ من أجل مكاسب سياسية بالية، يبدو أن قيادات حزب النور تظنها هامة. ولماذا قد تكون تلك المكاسب هامة من منظورهم، على الرغم من أنهم مسلمين المنهج قبل أن يكونوا سياسيين؟ مثلاً، لأنّ منهجهم السلفي أفضل وأصح من المنهج الإخواني، من منظورهم! فيستحق منهجهم كل المناورات والحيل المخزية من أجل إعطائه التمكن السياسي أو السلطاني. وكأن الأمة الإسلامية، خلاص، تخلصت من كل مشاكلها الخارجية، وتغلبت على أعدائها الأجانب، فلم يتبقى سوى النزاع الداخلي على السلطة السياسية لنشر المنهج والفِكر الإسلامي ’الأصحّ‘!

ولمن يؤيد هذا التحليل أو الرأي، أقول أننا قد نتفق في هذه النقطة، ولكن نختلف في نقطة أخرى ذات صلة، وهي متعلقة بإيران والشيعة. من حيث أقف فِكرياً اليوم، أرى أن الكثير في التيار الإسلاميّ ينظرون إلى الشيعة بطريقة أراها مشابهة بعض الشيء لطريقة نظر قيادات حزب النور السلفي إلى الإخوان. قد تكون هذه العبارة مفاجئة للبعض، ولكني سأشرح وجهة نظري: أدرك أن الشيعة قد يكون لهم خطط للتوسع ونشر عقائدهم وتعاليمهم؛ أدرك أن بعض أئمتهم، ولا أقول كلهم، بعضهم يتطاولون على بعض الصحابة؛ ولكن، إيران على الأقل لا تعترف بالكيان الصهيوني وتنتقده وتهاجمه في كل المؤتمرات الصحفية العالمية؛ فعلينا أولاً التركيز على أعداء الأمة الحقيقيين، ثم بعدها نلتفت لاختلافاتنا مع الشيعة ونتحاور معهم ونطالبهم بكذا وكذا. وإن خشينا على بلادنا منهم، فعلينا أن نمنع أي انتشار رسمي لهم، وأن نُعلّم أهل بلادنا المذهب السني بلا كراهية ولا تخويف من الطرف الآخر. ولكن ما أراه أحياناً هو أن هناك سُعار ورعب اسمه الشيعة في صفوف التيار الإسلامي وأهل السنة. سبحان الله، مع أنهم في النهاية موحدين ومؤمنين مثلنا برسول الله (ص)، وعدونا وعدوهم واحد. ألا تعادي إيران كدولة أمريكا المحتلة للعراق وأفغانستان؟ وتعادي إسرائيل المحتلة لفلسطين بل ولا تعترف بالكيان الصهيوني من الأصل؟

ولا أقول نصادقهم، وإنما أقول نركز على ما يجمعنا بهم، وخاصة العداء للمحتل الإسرائيلي والغربي في أراضي الإسلام. وبعد أن ننتهي من أعداء الإسلام، نلتفت للخصومات الداخلية (إن تبقت أصلاً!).

فمن يتعجّب مما يحدث من قيادات حزب النور تجاه الإخوان وحزبهم الحاكم، وهي مواقف مخزية للمشروع الإسلامي كَكُلّ، فعليه أن يراجع مشاعره وتوجهاته هو نفسه تجاه الشيعة، وما يعنيه هذا للأمة الإسلامية وقدر وحدتها أمام المحتل الصهيوني.

فرسالتي هنا هي: إن أردت أن تفهم الأسباب المحتملة لمواقف قيادات حزب النور ضد الحزب الإخواني الحاكم، فانظر في نفسِك وابحث عن أسباب عدائك للشيعة وإيران. قد تقول أن أسبابك متعلقة بما يقوله الشيعة عن الصحابة، ولكني سأسألك: هل سمعت كل الشيعة يسبّون الصحابة؟ أم أنك شاهدت بعض الفيديوهات؟ فإن كان كل ما تعرفه يأتي من بعض الفيديوهات والإشاعات، فلماذا تكره أن يبني المواطن الأمريكي أو الغربي رأيه عن الإسلام والمسلمين فقط من فيديوهات قليلة عن فتاوى متشددة وما شابه؟ ثم تسمح لنفسك أن تبني رأياً عن الشيعة بنفس الطريقة التي يبني بها الأمريكي رأيه عن المسلمين؟

والنقطة الثانية، هي أنه الأولى بنا كمسلمين سنة، ومؤيدي التيار الإسلامي، أن نوحد صفوفنا مع إيران والشيعة، وهم يقولون لا إله إلا الله، محمد رسول الله، حتى نسترد أراضينا ونوقف سيل الدماء المسلمة في أنحاء الأرض. ثم بعدها…نجلس مع الشيعة ونناقش مشاكلنا واختلافاتنا في قضية الصحابة!

إن لم تجد في قلبك الرغبة والقدرة على فعل ذلك، فلا تنتظر من قيادات حزب النور السلفيّ أن تتجاهل اختلافاتهم الفِكرية والفقهية مع المنهج الإخواني، وتؤثر الوحدة الإسلامية عليها في هذه المرحلة الحرجة للمشروع الإسلامي كله.

—ياسين رُكَّه

الخميس، فبراير 14

عزبة الإسلاميين المزعومة في الشورى

صورة لطفل ابن نائب حزب السلام الديمقراطي التابع للفلول في اجتماع للجنة تابعة لمجلس الشورى المصري

طلعت عزبة الفلول وصفوت الشريف!

دليل آخر على كذب الإخوانوفوبيين والإسلاموفوبيين؛ شوية يقولوا طفل يحضر اجتماع سري، ومرة يقولوا عزبة الإخوان في مجلس الشورى؛ والشباب الإخوانوفوبي على فيسبوك بيتعاطى عادي من غير ما حتى يقضي ثانية واحدة يتأكد أو يشكك. ماهو ما بيصدّق يلاقي حاجة تعطي لتخيلاته مصداقية ولأمراضه النفسية شرعية!

هذه هي الحقيقة بقلم «طارق الملط»:

‘ذهبت اليوم لحضور مناقشة التعديل المقترح على قانون التمويل العقارى فى اللجنة المالية والاقتصادية بمجلس الشورى ...فوجئت بوجود طفل جالس على أحد كراسى الصالون ..بجوار ترابيزة الاجتماعات ، ظللت أفكر الولد ده أنا شفته فين فين فين ....ايوه فى الصورة اللى نزلتها زميلتى العزيزة رشا قناوى ، وقالت طفل فى اللجنة المالية ...ماهى عزبة .

وطبعا فضلت قاعد متربص أشوف مين سيادة النائب من الحرية والعدالة ولا النور ولا الجماعة البناء والتنمية (وما فكرتش فى الوسط لأن انا عندى بنات وفى الجامعة ) ..لأن ده يؤكد قول رشا أنهم فاكرينها عزبة .

ولكن بعد أن تحريت فى الأمر ...علمت أن والد الطفل هو النائب الجالس على يسار الطفل بالصورة وهو نائب عن حزب ...السلام الديمقراطى ...أحد الأحزاب الكرتونية التى نشات بفنجان قهوة مع صفوت بك قبل الثورة ، والراجل من الوادى الجديد ويبدو أنه إصطحب ابنه للقاهرة ..وليس لديه مكان يتركه فيه ...وهذا طبعا ليس تبرير للتصرف الخاطئ جملة وتفصيلا ولا يليق ...ولكن هو تفهُّم وقراءة لحقيقة الموضوع .

وبالتالى أعتقد ...أن الموضوع لم يحقق الهدف منه ...وسيموت فى مهده ...لأنه لم يثبت أنه مصدره ..أصحاب العزبة ...كما يحب أن يعبر البعض .
خلص الكلام.‘—طارق الملط

—ياسين رُكَّه

الخميس، يناير 3

لا تلوموا باسم يوسف؟

يقولون لنا لا تلوموا باسم يوسف، ولكن لوموا الأمثال السيئة في التيار الإسلامي ومجال الدعوة. نقول لهم: بهذا المنطق، المفترض أن أسبّ أنا علياء المهدي بأقذر السباب، ثم أسبّ بعدها أيضاً كل الليبراليين في مصر وأجعل منهم جميعاً أضحوكة. وإن لامني أحد، لكان من حقّي وقتها أن أقول: لا تلوموني أنا، بل لوموا علياء المهدي وغيرها، الأمثلة السيئة في التيار الليبرالي. منطق سليم؟

ما لكم، كيف تحكمون؟

—ياسين رُكَّه

الاثنين، ديسمبر 31

اتخانقوا آه، بس بالدولار!

وعملوا للحملة وَسْم (تاج) على تويتر كمان: #حول_بالدولار_لحسابك_دعم_بلدك

يا ترى اشمعنا الدولار؟ عشان ده قيمته نار؟ ولّا عشان حينزل للقرار؟
فكّر انت فيها وحدد القرار؛ أو اقرأ واتعلم عشان تفهم الحوار.

في الوقت الذي يحذر فيه عشرات الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين من انهيار الدولار نفسه في المستقبل القريب، يدعو بعض أعضاء الأحزاب الإسلامية في بلادنا وأحزاب المعارضة وإعلامهم المصريين إلى القيام بخطوتين متعارضتين، نعم، ولكنهما يتفقان في نقطة واحدة: استخدام الدولار!

لا حول ولا قوة إلا بالله.

يعني بعض الأمريكان نفسهم بيقولوا إن الدولار نفسُه قد ينهار في أي وقت، وبيحضّروا للمشكلة المرتقبة ببَسْط الأرصدة على أكثر من عملة وجعل بعضها في المعادن الثمينة وبعضها في عقارات، وعندنا في مصر الأحزاب الإسلامية تقول اعملوا تحويلات إلى داخل مصر، والليبراليين والإسلاموفوبيين والمعارضة تقول طلّعوا فلوسكم بسرعة قبل الانهيار، والاتنين بالدولار...حوّلوا بالدولار وبعد ما تسحبوا حوّلوا إلى دولار.

إحنا كلنا بيتلعب بينا الظاهر...كلنا، وكله عشان خاطر عيون الأعداء وأمريكا والدولار. اتخانقوا، آه يا ولاد، بس كله بالدولار، ها؟

شيء مضحك، ولكن شر البلية ما يُضحِك.

نهايتُه، اعملوا اللي عايزين تعملوه، بس استخدموا أي عملة ثانية يا جماعة الخير، ويا أي جماعة. اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

—ياسين رُكَّه

السبت، ديسمبر 29

باسم يوسف في ميزان الموضوعية الإسلامية

أنا عندي السخرية من أي شيخ أو عالم دين خط أحمر تماماً، وده مش عشان الشيخ نفسه، وإنما عشان الملصق أو المسمى المحطوط عليه ده: شيخ / عالم / إمام / وهكذا. الإسلام علمّنا نحط خطوط حمراء أمام أشياء محددة، ومن ضمنها علماء الدين بل وأيضاً المعلمين أو المدرسين في المدارس. فيه ناس معينة في الإسلام عليهم حصانة من السخرية والاستهزاء، مش ليهم همّا أو لأشخاصهم، وإنما لما يرمزون إليه ولما يدعون إليه. هل الحصانة دي مطلقة؟ أكيد لأه طبعاً، كل يؤخذ منه ويُرد إلا المعصوم؛ أي واحد غلطان نقوله إنه غلطان وفي وشه؛ يعني إيه؟ يعني نقد مؤدب موضوعي بنّاء. وبس. أكتر من كده، ألف لا عندما يتعلق الأمر بالمشايخ والعلماء. المشايخ والعلماء خط أحمر أمام السخرية، حتى لو فاسد.

أنا نفسي كنت غاضب بشدة بل وشعرت بكراهية تجاه مفتي الأزهر في سنة من السنوات الماضية، ولكن هذا الشعور لم يسوّل لي أبداً أني أسخر منه أو أستهزأ به. قلت عليه موظف حكومة، وقلت عليه خائن لأمانة الله، ودعوت الله أن ينتقم منه للخزي الذي جلبه للأمة والوطن بفتاواه وتصريحاته. ولكني أبداً لم أتجرأ على السخرية منه أو الاستهزاء به...مش عشانه هوّه، هوه يروح في داهية لو ربنا لم يهديه، ولكن عشان ما يرمز له وعشان وظيفته وعشان اللقب بتاعه. لازم أديلُه حصانة من أمور معينة وأحط قدّامه خط أحمر...أنقده وأقوله هو غلطان وكل حاجة، ولكن بقدر من التأدب إن أمكن وبدون زعزعة هيبة اللقب الذي يحمله.

لو في يوم من الأيام تجرد الشخص ده من اللقب بتاعه كإمام أو مفتي أو شيخ أو عالم، اعمل فيه اللي انت عايزه وباسم يتنيّل يعمل فيه اللي هوه عايزه. شيل منه الأول رتبته الدينية، زي ما تشيل من العسكري أو الشرطي رتبته الأمنية. لكن طُول ما لسه فيه ناس بتعترف بيه كأحد الرموز القيادية الدينية، يبقى السخرية والاستهزاء خط أحمر إلى يوم الدين. هذا هو الإسلام الذي أعرفه، ولا ديمقراطية ولا حرية ولا بتنجانية أبداً حتغيّر رأيي، يتحرقوا كل المعاني دي بجاز أمام ما أعرفه عن ديني.

وباسم يوسف حر أكيد كمقدم برامج مستقل لقناة تجارية تتبع قوانين البث والنشر في البلد التي تستضيف مبنى البث، يعمل اللي هوه عايزه هوه وقناته، ولكن إحنا برضو حرّين نعلّم عليه كإسلاموفوبي رسمي. أصلي واحد شغلته ليل نهار التريقة على الرموز القيادية الإسلامية بمختلف مدارسهم الفكرية، والسخرية من كل السياسيين ذوي المرجعية الإسلامية، يبقى إيه يعني؟ ده نسميه إيه؟ إسلاموفوبي، ملهاش حلّ تاني. لإن في الإسلام مفيش حاجة اسمها إسلام سياسي وإسلام اجتماعي؛ هوه الإسلام منظومة كاملة لإدارة الفرد والمجتمع. شيل من الإسلام أي جزء، فسد الكلّ. وحتى لو السياسات والقوانين الإسلامية كانوا جزء كبير من القضية، الحمد لله...باسم مؤخراً ظهر على حقيقته وانتقل من السخرية من السياسيين ذوي المرجعية الإسلامية إلى السخرية كمان من المشايخ والعلماء. يبقى أصلاً مفيش أي دفاع منطقي موضوعي ضد استنتاج إن باسم يوسف إسلاموفوبي رسمياً. حُر أيوه، وإحنا كمان حرّين نِعَلِّم عليه علامة كبيرة كده وواضحة، علامة إيه؟ إسلاموفــــــــــــــوبي.

ومن أفضل التعليقات التي قرأتها عن وضع باسم يوسف من المنظور الإسلامي كان تعليقاً لأخ كتب: ’هو غير مطالب بالحياد لكنه مطالب بالإنصاف؛ لا يمكن أن أتقبل أن يقتص من كلامى ويضعه فى سياق كلنا عارفين هو عامل ازاى.. إذا كان هؤلاء الشيوخ أخطئوا، فهم يستاهلوا أى كلام يوجه ليهم، لكن الخطأ أن يعمم على تيار... أن نحوال تدليسا أن نجعل مرسى مسئولا عن هؤلاء الشيوخ حتى لو يدعموه.. وإلا ستكون علياء المهدى هى المعبر عن التيار الليبرالى فى مصر!‘

باختصار، مش عيب إنك تضحك على التعبيرات الدرامية الفنية لباسم يوسف، وإنما العيب هوّه إنك متقولش إيه اللي ليه وإيه اللي عليه، وتسميه بما يناسبه. هو مذيع أو مقدم برامج تليفزيونية كوميدي ساخر، نعم، ولكنه أيضاً إسلاموفوبي بوضوح، ويعمل بمنتهى الإصرار على إضعاف وتلطيخ سمعة المشروع السياسي الإسلامي كله. أيضاً باسم يوسف يحضر الثقافة العربية والإعلام العربي ببطء إلى احتمال تقنين (جعله قانونياً) نشر الألفاظ البذيئة والنابية والسباب طالما تحت تصنيف إعلامي مثل ’للكبار فقط‘؛ وهذا اقتداء بالساحة الفنية في أمريكا مثلاً. يعني بمعنى آخر: جسّ نبض الشعب المصري والشعوب العربية تجاه احتمال إنتاج أفلام بدون ’تيـــــــت‘ وإنما بتوضيح شتيمة سبّ الأم والأب والمفردات العامّية لكلمة ’مومس‘ مثلاً وإلى آخره، طالما الفيلم عليه ’تصنيف‘ مثل ’للكبار فقط‘ أو ما شابه. اضحك على أعمال باسم يوسف لو عايز، بس اعرف إن كل نقرة فأرة (كلِكّة ماوس) وكل ضغطة ريموت تليفزيون هي مِثْل صوتك في صندوق الاقتراع أو الانتخابات...أنت تؤيد هذه القناة وهذا البرنامج بمشاهدته، وتساعد على ربحه وهكذا؛ وتذكر ما ذكرته عن الذي يفعله باسم يوسف في ميزان الإسلام وميزان التربية الإعلامية للشعوب.

—ياسين رُكَّه

الثلاثاء، ديسمبر 25

النخبة ضد الجهلة والأمِّيين

تصريحات البرادعي المتعالية…

ولماذا لم أندهش؟ أليس هذا هو بالضبط فِكر الكثير من معارفي وأصدقائي في القاهرة والإسكندرية؟ أن الجهلة والأمّيين فقط هم من يؤيدون الإخوان أو الأحزاب الإسلامية أو التيار الإسلامي أو محمد مرسي أو الدستور الجديد؟ أنهم فقط من يدركون ’الحقيقة‘ بثقافتهم وشهاداتهم وخبرتهم وفهلوتهم وفهمهم المواضيع ’وهي طائرة‘؟ وليت عندهم أي نقد محدد لأي أفكار محددة، غير آرائهم الشخصية في الأشخاص والجهات والأحزاب. البرادعي ليس وحده...هو يتحدث على لسان النخبة والكثيرين ممن يسمعون لهم في المدن المصرية الكبرى.

ولكني أؤكد للأمّيين والجهلة—قهراً وبالظروف القاسية—في أنحاء الوطن أنهم ليسوا وحدهم؛ هناك إخوة لهم يوافقونهم الآراء، مثقفين بل ومتعلمين في الخارج. قد لا نفهمها وهي طائرة مثل النخبة وخرافهم الشِيك، ولكننا نعقلها (نربطها) ونتعقلها، ثم نتوكل على الله. وبعضنا يفضل أن يُخدع بالله، على أن يأخذ طريقاً مضموناً أنه لا يؤدي إلى الله من الأصل. ’من خَدَعَنا بالله انخدعنا له.‘—عبد الله بن عمر بن الخطاب. قالها ابن الخطاب وهو خير مني، فأعيدها أنا: أفضل أن أنخدع بالله وبدين الله على أن يَصْدُقني أحدهم بما يحارب دين الله ويتآمر على تنحية الله من  الحكم ووضع النخبة مكانه. بعض الناس لا تفهم أن ’لا دين في السياسة‘ معناها الحقيقي هو ’لا تسمحوا لله أن يكون هو الحَكَم والمُشرّع‘، ولكني أفهم. نعم، هناك من يكذب بدين الله، وهناك من يدعي التدين ولكن يظلم ويستبد، وكله بذنوبنا كشعوب. فإن الله عادل؛ لن  يعاقبنا أبداً كشعوب إلا بما كسبت أيدينا. وكما ذكرت، أفْضَل عندي أن أنخدع بدين الله على أن أقبل بمحاربة الله ودينه بشعارات لا يفهم حقيقتها بعض المتعلمون قبل الجهلة.

—ياسين رُكَّه

الاثنين، ديسمبر 17

فيه أمل في هذا الشعب الخلّاط!

من الحاجات الحلوة والمبشرة في الشعب المصري إنّه من كتر ما هوه شعب خلّاط، ميت سلالة وميت لون وميت لهجة وميت مِلّة وميت فِكْر، حتلاقي إنك حتماً لزماً متفق على الأقل على حاجة واحدة مع ألد خصومك الفِكريين أو السياسيين أو حتى الدينيين.

يعني مثلاً، ممكن تكون انت منحاز بكل قلبك وكيانك للتيار الإسلامي والشريعة، وتتكلم مع واحد بيكره الإخوان جداً وفاهم إن الشريعة والخلافة دُول حاجات رجعية متشددة فمش عايزهم برضو، فتتخانقم وتزعقوا، لكن تلاقي بالصدفة بعد شوية إنكم متفقين إن البرادعي ابن ستين في سبعين عميل وخائن، وتقولوا ’بصرة‘ بابتسامة!

أو ممكن تكون انت سلفي ومختلف مع الإخوان لكن محايد معاهم، وتؤيد المشروع الإسلامي عامة، وتتكلم مع واحد ليبرالي جداً ومش مرتاح للإخوان ورافض السلفيين أكثر وشايفهم متشددين، وخايف من المشروع الإسلامي عامة، ومش موافق على أي حاجة تقولها، ولكن تكتشف بذهول إنه بيتقبل الشيخ حازم أبو اسماعيل ويحترمه—زيك بالظبط! ودي كانت آخر حاجة ممكن تتوقعها من الليبرالي اللي قدامك ده.

الأمثلة دي أنا شفتها بنفسي. فلا تفقد الأمل في إنك تتفق مع واحد مصري على حاجات كتير قوي، بما فيها نقاط سياسية، على الرغم من اختلافكم الشديد في أمور مهمة، والتضاد المقرف في نقاط معينة تصل لدرجة إن هو بيكره جهة انت بتحبها جداً أو انت بتكره جهة هوه بيحبها جداً؛ يظل هناك أمل إن انتو الاتنين حتحبوا حاجة واحدة في مصر جداً. حاول تبحث عنها...وركز عليها شوية، لغاية ما نخلص من المعارك السياسية. أما عن الكراهية اللي عمت القلوب...لما تخلَّص لعن فيها، اتركها للزمن وتدابير الله ليعالجها...القلوب ملهاش حل غير الله، مقلب القلوب كيفما يشاء. وافتكر...أكيد لازم فيه حاجة واحدة مبهجة بنحبها إحنا الاتنين أو فكرة واحدة مضحكة نتفق عليها إحنا الاتنين!

—ياسين رُكَّه

الأحد، ديسمبر 16

مبدأ أن الأحزاب الإسلامية ليسوا الإسلام وسوء الاستخدام

صفحة [انا ضد الفكر السلفى الوهابى الرجعى المتشدد]، اللي ضد الفكر الإخواني كمان—مش عارف بحجة إيه، نشرت مؤخراً مقولة للدكتور طارق السويدان:

’لا أفهم لماذا يعتبر بعض الاسلاميين المعارضة لاجتهاداتهم السياسية معارضة للاسلام نفسه وليتذكروا أنهم بشر فالاسلاميون ليسوا الاسلام‘

وهي بالفعل مقولته وتم نشرها على حسابه الرسمي على تويتر بتاريخ ٢٧ نوفمبر ٢٠١٢.

ولكن من الذي سيعيد نشر هذا الكلام في مخيلتك؟ هل هم الذين يعارضون الإسلاميين ’لاجتهاداتم السياسية‘، أم الذين يعارضون الإسلاميين—نقطة؟ أتفهم مقصدي؟ ومن مثال هذه الصفحة المشبوهة، نعرف الإجابة.

للأسف، أقل القليل هذه الأيام من يعارض الأحزاب الإسلامية بسبب اجتهادات سياسية محددة، والدليل هو أنك لو سألتهم عن النقاط المحددة التي يعترضون عليها في القرارات السياسية أو الدستور، لم يستطيعوا أن يعطوك أي أمثلة؛ والقليل منهم ممن يمكنه أن يذكر لك مثالاً أو إشاعة سمعها، لو قلت له أن معارضته وجهة نظر، ولكن ماذا يريد؟ يقول لك أنه يريد أن يترك هذا الحزب الإسلامي الساحة السياسية تماماً أو أن يتم إسقاط الرئيس ذي المرجعية الإسلامية! أي أنه لا يعارض كي يحث النظام على تحسين القرارات، بل يعارض لأنه سواء أكان هناك ما يعترض عليه أو لم يكن هناك ما يعترض عليه، هوه مش عاجبه الحزب الإسلامي وخلاص!

ولو كان الحزب اللي بيعمل نفس القرارات دي الحزب اللي على مزاجُه هوه، منفتح كده وحالق دقنه ومراته كاشفه راسها ولابسه ميني جيب، وحبذا لو بيشرب خمرة مستوردة، يا سلاااام...تبقى نفس القرارات دي على قلبه زي البفتة البيضاء، ويبقى مستعد إنه يصبر شوية، ويطلب منك انت كمان إنك تصبر. لكن حزب إسلامي؟! أبداً! على جثته يقعد يوم واحد في الحكم من غير ما يلطخ سمعته ويسب ويشتم ويلعن فيه. مرضى القلوب.

ليت مفكرنا الحبيب، د. السويدان، يدرك من يستخدم مقولته الفكرية المحددة، فيخرجها عن سياقها ويوجهها إلى الجهلاء. هذه ناس لا تفهم معنى ’الاجتهادات السياسية‘ من الأصل، ولا تعرف سوى الكراهية العمياء، الإسلاموفوبيا، وبعضهم مسلمين بالعقيدة والاعتقاد! يستخدمون مقولته ليبررون لا النقد المحدد، بل يبررون الكراهية العمياء والسباب والتطاول.

—ياسين رُكَّه

الجمعة، مايو 25

عبد المنعم الشحات: قصة اختيارنا للدكتور أبو الفتوح

كتب الشيخ المهندس عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، والاستفتاء على التعديلات الدستورية، وظهور مدى تأثير الإسلاميين في الشارع... طُرح سؤال في أوساط الإسلاميين، وهو: هل تحتمل مصر رئيسًا إسلاميًّا أم لا؟

وكانت هناك أصوات كثيرة تنادي بأن يتم اختيار شخص مؤمن بمرجعية الشريعة الإسلامية، ولكن غير موسوم بأنه إسلامي أو على الأقل غير منتمٍ تنظيميًّا، وفي هذا السبيل عَقدت الدعوة السلفية مؤتمرًا تشاوريًّا ضمَّ أعضاء مجلس إدارتها، بالإضافة إلى رموز كثيرة مِن رموز التيار السلفي غير المنتمين لجماعة "الدعوة السلفية".

ولا نذيع سرًا إذا قلنا: إن أحد الدعاة البارزين المؤيدين للدكتور "محمد مرسي" الآن باعتباره المرشح الإسلامي الوحيد كان قد اقترح عدم تأييد أي مرشح مِن الإسلاميين الثلاثة في ذلك الوقت: "الشيخ حازم - الدكتور العوا - الدكتور أبو الفتوح"، واقترح بحث تأييد الدكتور "الأشعل" باعتباره مؤمنًا بالمرجعية الإسلامية، ولكن غير موصوف بأنه إسلامي، وطبعًا لا ننكر عليه تغيُّر اجتهاده، ولكن ننكر عليه أنه استبعد "أبو الفتوح" بوصفه إسلاميًّا مرة، ثم عاد فاستبعده بوصفه غير إسلامي مرة أخرى واصفًا الدكتور "محمد مرسي" بأنه المرشح الإسلامي الوحيد!

وقد انتهى ذلك المؤتمر إلى أن معظم الحاضرين يرون أن المرحلة لا بد فيها مِن رئيس إسلامي حتى لو أبقى على ما لا يستطيع تغييره من مخالفات؛ لأنه سيكون حريصًا على التوجه نحو تطبيق الشريعة، بخلاف ما لو تركناها لخصوم الشريعة الذين ربما اتجهوا إلى الضد.

وعلى الجانب الآخر كانت جماعة الإخوان قد أعلنت أنها لن تُقدِّم مرشحًا للرئاسة، ثم بدأ الترويج لفكرة الرئيس التوافقي العالماني، ونُسبت تصريحات عديدة لعدد من رموز الإخوان في هذا الصدد إلا إن التصريح الأبرز الذي يمكن التعويل عليه كان مِن نصيب فضيلة "المرشد" مع الإعلامي "وائل الإبراشي"، والذي ذكر فيه ثلاث عبارات حاسمة:

- لن نرشح مرشحًا إخوانيًّا.
- لن نرشح مرشحًا إسلاميًّا.
- لن نرشح مرشحًا ذي خلفية إسلامية!

وبعد هذه "اللاءات الثلاثة" لم يبقَ إلا مرشح توافقي عالماني! وهو ما شجع الدكتور "منصور حسن" إلى أن يتقدم للرئاسة زاعمًا أنه مدعوم مِن الإخوان، وفي مداخلة هاتفية للدكتور "غزلان": ذكر أن الجماعة لم تتخذ موقفًا بشأن "منصور حسن"، بينما قال: إن الجماعة اتخذت موقفًا نهائيًّا بعدم دعم الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح"!

وحينما صرح الدكتور "محمد البلتاجي" بأنه يرى أن الدكتور "أبو الفتوح" أفضل مرشح؛ سارعت الجماعة بالتأكيد على أن هذا موقف فردي منه.

وتمت اتصالات بيْن جماعة "الدعوة السلفية" وجماعة "الإخوان المسلمين"؛ لإقناعهم بأن أفضل الحلول أن ندعم سويًّا رئيسًا إسلاميًّا غير منتمٍ تنظيميًّا؛ ليكون أقرب إلى التوافقية، وتم إعادة تعريف مصطلح الرئيس التوافقي إلى "الرئيس التوافقي الإسلامي"، وفي ذلك الحين كان المرشحين الإسلاميين الثلاثة: "الشيخ حازم - الدكتور العوا - الدكتور أبو الفتوح"، وكانت هناك أمور تتعلق بالشيخ "حازم" أبرزها: جنسية والدته، ومِن ثَمَّ كان مِن المنطقي أن تتم المفاضلة بيْن المرشحين الآخرين إلا أن الإخوان طلبوا مهلة؛ لإقناع أحد مِن الرموز الأخرى التي تؤمن بالمرجعية الإسلامية، ويكون لها قبول أعلى لدى الإخوان؛ ولأن توحد الإسلاميين خلف مرشح واحد كان من الأهمية بمكان فقد تركنا لهم الفرصة؛ فحاولوا مع المستشار "طارق البشري"، والمستشار "حسام الغرياني".

وفي هذه الأثناء قام بعض أعضاء "الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح" بزيارة مكتب الإرشاد، وطلبوا منهم ترشيح المهندس "خيرت الشاطر"، وكان تعليق المهندس "خيرت الشاطر" نفسه آنذاك: أن مبررات عدم ترشيح أي مرشح من الإخوان ما زالت قائمة، ومِن ثَمَّ كان رأيه الشخصي رفض هذه الفكرة حتى قيل: إنه صوت ضدها في اجتماع مجلس شورى الإخوان، والذي أخذ القرار "بأغلبية ٥٦ عضوًا ورفض ٥٢ عضوًا".

ورغم خطورة الدفع بمرشح إسلامي منتمٍ تنظيميًّا إلا أننا لاعتبارات تتعلق بشخصية المهندس "خيرت"، وارتباط مشروع النهضة باسمه، ولتاريخه النضالي، ولروحه الانفتاحية على المجتمع ككل -وعلى الحركة الإسلامية بوجه خاص التي بدت لنا آنذاك-؛ وجدنا أنه من الممكن لنقاط القوة هذه أن تعادل وتَجْبُر الخوف العام والخاص مِن وجود رئيس له انتماء تنظيمي؛ لا سيما لتنظيم شديد العمق التنظيمي كجماعة الإخوان المسلمين.

وعندما زار وفد من "الدعوة السلفية" مكوَّن مِن: "الشيخ سعيد عبد العظيم - والشيخ ياسر برهامي - وعبد المنعم الشحات" مكتب الإرشاد كان الغرض مِن الزيارة: الدعوة لمبادرة الدعوة السلفية للوصول إلى مرشح إسلامي واحد، ولما جاء ذكر المهندس "خيرت الشاطر" قلنا: إننا نتوقع إن ترشح أن يحصل على أعلى الأصوات من مجلس شورى الدعوة السلفية، كما نتوقع أن يحصل على تأييد معظم التيارات الإسلامية في تلك المبادرة.

وعندما رددت وسائل الإعلام أن جماعة الإخوان تتجه لترشيح مرشح آخر أرسلنا لهم رسالة فيها نصيحة بعدم تقديم مرشح، إلا أنهم في النهاية رشحوا المهندس "خيرت الشاطر"، وبالفعل تم طرحه على مجلس شورى الدعوة السلفية في لقاء لم ينته بتصويت؛ لأن باب الترشح لم يكن قد أغلق، وإن كان اللقاء قد شهد مناقشات ساخنة بين مؤيد ومعارض.

وبعد تقدُّم المهندس "خيرت الشاطر" بأوراقه تم الطعن عليه، ولم تتكلم الجماعة عن مرشح احتياطي حتى آخر يوم في الترشح، وأشيع أنه سوف يتم إقصاء كل الإسلاميين الذين كانوا أربعة آنذاك: "الشيخ حازم - المهندس خيرت - الدكتور أبو الفتوح - الدكتور العوا"، وكرد فعل لهذه الشائعة تقدم الدكتور "عبد الله الأشعل"، والدكتور "محمد مرسي"، وكاد الدكتور "صفوت حجازي" أن يترشح، وكنا نظن أن هذا يعني أنه لو استمر واحد من الأربعة الأساسيين سوف ينسحب مَن ترشح في آخر الأمر؛ إلا أن جماعة الإخوان المسلمين فاجأت الجميع بإعلان أن لها مرشحَيْن، وأنها سوف تستمر بالدكتور "محمد مرسي" إذا استُبعِد المهندس "خيرت الشاطر"!

وقد ذكَّرناهم بالمخاوف التي كانوا هم أول مَن نادى بها إلى حد قولهم بأنهم لا يريدون مرشحًا ذي خلفية إسلامية، وبيَّنا لهم الفرق بيْن المهندس "خيرت" الذي له مِن المزايا ما يمكن أن يوازن هذا التخوف وبيْن غيره مِن المرشحين.

وفي ظل إصرار الإخوان على موقفهم "الجديد" رأت القوى والأحزاب الإسلامية الأساسية: "الدعوة السلفية - حزب النور - الجماعة الإسلامية - حزب البناء والتنمية - حزب الوسط" الحفاظ على النظرة الموضوعية التي تنادي برئيس إسلامي غير منتمٍ تنظيميًّا، ويكون قادرًا على إحداث اصطفاف وطني، في حين غلب على رموز بعض الجهات التنسيقية: كالهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح نظرية: "أن الإخوان هم رجال المرحلة" أو نظرية: "عدم شق الصف"، مع أن الأُولى غير مسلَّم بها، والثانية معكوسة إذا ما أخذنا في الاعتبار تاريخ وظروف ترشح كل مِن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور "محمد مرسي".

وإذا كان الدكتور "عبد المنعم أبو الفتوح" أسبق ترشحًا كما أن عدم انتمائه التنظيمي مزية كبيرة -كان الإخوان أنفسهم يسعون إليها عندما حاولوا مع المستشار البشري، والمستشار الغرياني، رغم أن المزية موجودة في "أبو الفتوح"- إلا أن جماعة الإخوان قيادة وقاعدة يرون أن الدكتور "أبو الفتوح" خرج على رأي مجلس شورى الجماعة، وبالتالي لا يستحق أن تدعمه الجماعة، بل ربما تعجب بعضهم مِن آلية الشورى في الدعوة السلفية، وفي الجماعة الإسلامية التي تفرز قرارًا بتأييد شخص خرج عن شورى الجماعة.

وفي واقع الأمر إذا استصحبنا أن جماعات الدعوة إلى الله جماعات مِن المسلمين و"ليست جماعة المسلمين"، وأن الانتماء إلى أي منها انتماء رضائي قائم على قناعة الشخص بأهداف ووسائل الجماعة؛ فإن الشخص الذي يخالف جماعة الدعوة التي اختار العمل مِن خلالها لا سيما إذا كثرت القضايا أو كانت في أمر جلل فلا يسعه إلا التزام الشورى أو الاستقالة من الجماعة، وقد اختار الدكتور "أبو الفتوح" الطريق الثاني واستقال، وظل يتكلم عن الجماعة بكل ود واحترام؛ رغم أن منهم مَن شبهه بـ"عبد الناصر"! ومنهم مَن اتهمه بأنه سوف يمنع الحجاب، والصلاة في المساجد! ورغم تبرؤ الجماعة مِن هذه التصريحات إلا أن هذا القدر غير كافٍ، وكان ينبغي اتخاذ إجراء تأديبي في حق قائلها على الأقل.

فنحن لا نوافق جماعة الإخوان على اعتبار أن الدكتور "أبو الفتوح" قد خالف الشورى؛ لأنه استقال من الجماعة، ويبقى أن بعض رموز الإخوان: كالدكتور "الزعفراني" ترك الجماعة؛ احتجاجًا على انتخابات مكتب الإرشاد 2009، والتي خرج فيها "أبو الفتوح" من مكتب الإرشاد، في حين بقي في الجماعة كعضو مجلس شورى؛ مما يدل على نبل أخلاقه، وسعة صدره.

ثم لو افترضنا أن الدكتور "أبو الفتوح" قد أخطأ خطأ يستوجب التأديب؛ فهل يرقى ذلك الخطأ إلى منع الأمة مِن الاستفادة مِن قدراته الإدارية، والاصطفاف الوطني الذي حدث خلفه مما نحن في أمس حاجة له الآن؟!

إن الحساسية البالغة من الجماعة ضد مَن يستقيل منها -وإن استقال بكل أدب ولطف- يخالف ما عرف عن الإمام "البنا" -رحمه الله- مِن سعة الصدر مع المخالفين، ومنهم: المنشقين عن الجماعة -إن صح التعبير-، وقد ذكَّرتهم في مقالة سابقة بموقف الأستاذ "البنا" مِن جماعة "شباب محمد" الذين انشقوا عنه، فما كان منه إلا إن كان أول المتبرعين لهم، وليس هذا بموقف انفرد به الأستاذ "البنا"، وإنما كان يحاكي ما صنعه معه أستاذته: "محمد رشيد رضا" و"محب الدين الخطيب"، وأقرانه الكبار: كـ"محمد حامد الفقي" مؤسس جمعية أنصار السنة، وكل هؤلاء قد دعموا "البنا" في إنشاء جمعيته رغم وجود جمعياتهم ومؤسساتهم الدعوية؛ لمَّا وجدوا في أفكار "البنا" مِن إثراء لواقع الحركة الإسلامية آنذاك -ولعلنا نعود إلى تفصيل تلك النقطة في مقالة لاحقة إن شاء الله.

غير أن المهم هنا طالما استقر الأمر على بقاء كل مِن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور "مرسي" في السباق أن نوازن بينهما -وكلاهما فاضل-، فنقول بعد تقرير أسبقية "أبو الفتوح" وعدم انتمائه التنظيمي -وكلاهما ميزة هامة-: إن هناك بعض القواسم المشتركة بيْن الدكتور "أبو الفتوح" والدكتور "محمد مرسي"، منها:

- أن كلاً منهما ابن للحركة الإسلامية وإن رجحت كفة الدكتور "أبو الفتوح" في هذا الجانب أكثر حيث كان مِن مؤسسي الجماعة الإسلامية في السبعينات، ثم كان مِن الفريق الذي انضم إلى الإخوان مِن هذه الجماعة، ثم كان عضو مكتب الإرشاد، وقائدًا بارزًا مِن 1994 حتى 2009، بينما لم ينضم الدكتور "محمد مرسي" إلى الجماعة الإسلامية، ولا إلى الإخوان وهو طالب، ولكن انضم إليها بعد سفره إلى أمريكا لدراسة الدكتوراه.

- ومنها: أن كلاً منهما ينتمي إلى المدرسة التي تبنت جماعة الإخوان المسلمين آرائها الفقهية منذ بداية الثمانينيات على الأقل، وهي مدرسة مِن رموزها: الدكتور "القرضاوي"، والشيخ "الغزالي"، والدكتور "العوا"، وهي مدرسة لها آراء لا توافق عليها المدرسة السلفية، ومِن ثَمَّ فقد أعلنا بوضوح أننا مع تأييدنا للدكتور "أبو الفتوح" إلا أننا نأخذ عليه هذه الأقوال، ومما يهوِّن مِن الخلاف فيها في هذه المرحلة أننا متفقون على البدء بالممكن، وهو متفق عليه تقريبًا بيننا، ولكن جماعة الإخوان تقع في تناقض كبير عندما تستضيف بعض الدعاة السلفيين؛ ليردوا على الدكتور "أبو الفتوح" بمعايير سلفية في قضايا يقول مرشحهم فيها بعين أقوال "أبو الفتوح"؛ لا سيما مسألة: ولاية الكافر، والمرأة، ومسألة: حد الردة!

- ومنها: أن كلاً منهما إذا أصبح رئيسًا فستكون له صلاحيات دستورية محدودة فلن يستطيع تطبيق الشريعة إلا كنظام عام، مع الاعتماد في التطبيق الشامل المتدرج على البرلمان والأزهر.

ولكن مِن جهة أخرى: فإن الدكتور "أبو الفتوح" يتميز بعدة أمور "غاية في الأهمية"، مثل: أن وراءه فريقًا كبيرًا مِن المستشارين البارزين في تخصصاتهم، ولن يعمل بمفرده، ومن أوجه التميُّز البارزة في هذا الفريق: تنوعه الواسع وانتماؤه إلى تعدد طيفي يشمل سائر توجهات المجتمع المصري، حتى إن أستاذة علوم سياسية يسارية: كـ"رباب المهدي" انضمت إلى فريق عمله شهادة منها بأن التيار الإسلامي أقدر على تحقيق العدالة الاجتماعية مِن التيار اليساري نفسه، وعندما لمز بعض مناصري الدكتور "مرسي" الدكتور "أبو الفتوح" لتعاون د. "رباب" معه؛ رد عليه الدكتور "محمد البلتاجي" بأنه تعامل معها في الثورة، بل وفي مليونية "٢٩ - ٧" بصفته ممثلاً للإخوان -فجزاه الله خيرًا على هذا الإنصاف.

أما من الجانب السياسي: فيتميز الفريق الاستشاري بثقل ملحوظ حيث يضم على سبيل المثال: د. "سيف الدين عبد الفتاح" مؤسس مدرسة الفكر السياسي الإسلامي في جامعة الاقتصاد والعلوم السياسية، ود. "نادية مصطفى"، ود. "هبة رءوف"، ود. "هشام جعفر" مؤسس موقع "إسلام أون لاين"، وهي أسماء لها ثقلها؛ لا سيما في الجانب السياسي، وهو الأهم بالنسبة لمنصب الرئيس.

- وحتى وإن كان "مشروع النهضة" يبدو أقوى مِن الناحية الاقتصادية رغم عدم إعلان أسماء الخبراء العاملين فيه؛ فإنه على كل حال أليق بمنصب رئيس الوزراء الذي سيؤول إلى حزب "الحرية والعدالة" على كل حال.

وهذا كله بالإضافة إلى الخبرات الشخصية الواسعة التي يتميز بها الدكتور "أبو الفتوح" مِن خلال مواقعه القيادية العديدة السابقة بجماعة الإخوان ذاتها، بالإضافة إلى المواقع العديدة الأخرى التي شغلها: كمواقعه في نقابة الأطباء أو هيئة الإغاثة، أو اتحاد الأطباء العرب، وهذه الخبرات أقرب لمنصب الرئيس.

وبالإضافة إلى أوجه يتفرد بها الدكتور "أبو الفتوح" بصورة واضحة، منها:

١- ثقة جميع التيارات فيه أنه سوف يقف على مسافة واحدة من الجميع.
٢- قربه من تيار الشباب الذي صنع الثورة، وقدرته على إزالة مخاوفهم من المشروع الإسلامي.
٣- حرصه على تقنين أوضاع الحركة الإسلامية، وغيرها مِن الحركات... مما يجعل جميع الحركات على قدم المساواة القانونية، ويقي الحركة الإسلامية مِن أي تقلبات سياسية مستقبلة.
٤- قبوله لمناظرة "عمرو موسى" في حين اعتذر الدكتور "محمد مرسي"، ثم حسن إدارته لها جعله يبرز كرجل دولة مِن الطراز الأول.
٥- تصويت المصريين في الخارج الذي تراوح فيه في معظم البلدان بين الأول والثاني.

نعم قد تؤثر نتيجة المصريين في السعودية على الترتيب العام؛ إلا أنها مطعون عليها -حتى الآن-، كما أنها -إن صحت- لن تؤثر على قراءة المشهد في معظم الدول، وإنما ستدل على أن الماكينة الانتخابية الإخوانية في السعودية عملت بكفاءة -وهو أمر متوقع.

ولهذه الأسباب وغيرها... كان اختيار الأغلبية الساحقة للدكتور "أبو الفتوح" في مجلس "شورى الدعوة السلفية"، مع كامل تقديرنا لجميع المرشحِين الإسلاميين.

—الشيخ المهندس عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية

الثلاثاء، مايو 8

أيها الليبرالمانيون…عفواً!

Yaseen Rocca sq-logo-sعندما تكتب شخصية مثل حمدي قنديل مقالاً في وقت مثل هذا، يقطر بالحنكة والذكاء والدبلوماسية العبقرية، ليقنع به [أجعس جعيس] من المثقفين من أبناء الوطن بأن تجنب المرشحين ذوي المرجعية الإسلامية شيء حكيم للمرحلة (وبالمرّة يشارك في تلطيخ سمعة الإخوان بَرْضَك مع الملطخين—ومالُه ياخويا مش عيب ده أقلّ الواجب في الزمن ده)، وليقنع القارئ بأن حمدين صباحي هو الاختيار الأنسب للمرحلة…فماذا أقول؟

أقول لبعض أصدقائي ومعارفي، ولمن يعرف فِكري ومن لا يعرفني، من الليبرالِمَانيين، أني أسامحكم جميعاً عن طيب خاطر، سواء في سوء الظن بالإخوان أو تلطيخ سمعتهم أو ترديد ما سمعتموه عليهم، أو في التخلي عن المشروع الإسلامي، أو معاداة التيار الإسلامي. لست إخوانياً أو سلفياً، ولكني أنتمي إلى المشروع الإسلامي فكراً وقلباً.

فعلاً أسامحكم وأتفهم موقفكم، لأني أعي جيداً مدى صعوبة رفض كلام مثل هذا…أدرك عسر عدم الاقتناع برسالة مثل هذه…أشعر باستحالة مقاومة سحر…حمدي قنديل—عند بعض الناس. الرجل كاد أن يقنعني أنا! بكل أسوار المنطق والموضوعية والحذر التي رفعتها—بشق الأنفس—على مر الشهور السابقة والأعوام التي سبقت الثورة، وبكل المحبة والانتماء لديني ولمن يحب ديني ويعمل له، بالرغم من كل هذا، كاد حمدي قنديل أن يقنعني—ربما لأنه يكتب بإخلاص المقتنع بأن كلامه لا يحمل إضعاف شوكة الإسلام وضياع المجتمع في طياته. فما بالنا بما يستطيع أن يفعله حمدي قنديل في مئات الآلاف ممن لم يقرءوا عن تاريخ الإخوان ولا يعرفون عنهم إلا أقل القليل—وبعضه إشاعات ومبالغات، وما بالنا بما يستطيع أن يبثه قنديل في عقول مئات الآلاف ممن لم يهتموا أبداً بفهم السياسة الإسلامية (أو قوانين الله لإدارة المجتمع وعلاقاته الخارجية) ومغزاها ودورها في المجتمع الإنساني، دورها الذي كاد أن يكون مسألة حياة أو موت للمجتمع نفسه.

فإنك إما أن تحيى عزيزاً بقوانين الله أو تموت ذليلاً بما تجلبه قوانين البشر—القوانين الوضعية—من كيماويات تُرش على طعام الناس؛ وكيماويات تُرش فوق رؤوسهم في المدن بطائرات نفاثة؛ وإبَر مسمومة بأمصال تلوث دم الحيوانات بالمرض نفسه المفترض الوقاية منه، وإبَر أخرى مسمومة بتطعيمات لا يحتاجها الأطفال بل تحتاجها النخبة في اختباراتهم على الجنس البشري وقتل بعض الشعوب ببطء؛ واقتصاد ربوي قائم على الهواء وينتظر الانفجار في أي لحظة وبإشارة من أحد أغنياء النخبة؛ وعبودية للديون والرهون العقارية؛ وحروب تقتنع بأهميتها بعد غسيل المخ الإعلامي؛ وديمقراطية مسرحية هزلية جوفاء، ولاء كل مرشحيها إلى جهة واحدة وهي النخبة؛ و…و…وإلى آخره مما تأتي به قوانين البشر الوضعية من مهازل وظلم وفساد مُطبِق. إما أن يحيى المجتمع بقوانين الله أو يموت هكذا لا محالة بقوانين البشر.

ولكن إذا كان كلام حمدي قنديل، ودبلوماسيته المتأدبة العبقرية، كادت أن تسحرني بالرغم من انتمائي الفِكري العميق لقضية المشروع الإسلامي، فما بالنا بما يمكن أن يفعله كلامه في الكثير من إخواني وأخواتي ممن لا انتماء لهم أصلاً للمشروع الإسلامي!

إني أقدّر وأتفهم. ولا لوم عليكم إن صدّقتم الرجل وكذبتم الإخوان وتحسّرتم على اقتناعاتي وسذاجتي أنا أيضاً [بالمَرَّة]. لا لوم فعلاً، فإن الأمر أكبر مني ومنكم؛ والمؤامرة أقدم وأعمق مما يمكن أن يتخيل أي عربيّ—ولو كان هذا العربيّ أكثر الباحثين حنكة في نظرية المؤامرة وتاريخ المؤامرات.

ظنّي أني دائماً سأظل أحاول وأجتهد في تصحيح المفاهيم ودحض الأكاذيب، ولكني في نفس الوقت قد أعذر الناس ومن يصدق الإشاعات؛ قد ألتمس لهم أعذاراً أكثر، لأني أفهم الآن مدى صعوبة رؤية الحقائق في عصرنا هذا. ووالله إني لا أدَّعي العلم بالحقائق كلها ولا حتى أغلبها، وإنما هي بعض الثوابت الراسخة التي أعتمد عليها لتكوين القليل من الآراء واستخراج الاستنتاجات بعد ذلك عن أي بوق إعلامي أو فكرة مشبوهة.

وبخصوص رسالة حمدي قنديل الرئيسية—مرشحه المفضَّل، فإن حمدين صباحي ليس سيئاً في رأيي، بل بالعكس، إني أفضل اتجاهاته الاقتصادية (اليسارية المائلة إلى الطبقات الكادحة) بكثير عن اتجاهات الإخوان الاقتصادية (اليمينية المائلة إلى الخصخصة) في مشروع نهضتهم، ولعل هذا يقنع البعض بأني لا ولم أؤمن أبداً بأن الإخوان كاملون أو فوق النقد، وإنما هي مسألة انتصار لديني وشريعة ديني ومسألة ثقة في أنهم—وإن كان لهم أخطاء—فهم على الأقل فيهم الكثير من المخلصين ممن يريدون بالفعل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه في الأرض—أرض الوطن. ولكن على الجانب الآخر، بالرغم من ميلي ليسارية صبّاحي الاقتصادية ومآخذي على بعض قرارات وسياسات الإخوان، إلا أنني إنسان لن يثنيني عن نصرة ديني وشريعته لا اقتصادٌ ولا حرياتٌ شخصية ولا شهواتٌ ولا مالٌ الدنيا كلُّه؛ في نهاية الأمر، أدرك أن فرص تطبيق أكبر قدر ممكن من شريعة ديني، فرص تطبيق قوانين الإسلام—والتي فقط بها تستقيم أمورُ حياتِنا ومجتمعُنا كله، أكبر مع مرشح ذا مرجعية إسلامية عما هي مع حمدين صبّاحي، وبالتالي فتأييدي سيكون دائماً للمرشح الذي أشعر وأرى أن فرصة التمكين لشريعة ديني معه أكبر—كائناً من كان. وهذا عملاً بالقول المأثور لعثمان بن عفّان—رضي الله عنه: ’إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن‘.

وأؤكد أن القضية ليست قضية شريعة [وخلاص]، وليست قضية قشور أو أمور ثانوية، ولست حتى أريد—ولا أدعو إلى—تطبيق قانون العقوبات الإسلامي في أي وقت قريب—ليس قبل أن تتحول مصر إلى أندلس القرن الحادي والعشرين مثلاً؛ وإنما هي قضية إيمان عميق بأن وطننا المسلم لم ولن يستقيم شأنه أبداً…أبداً (!) إلا بإقامة أوامر الله وحظر نواهيه. وكمثال واحد للاختصار، إقامة أحكام الشريعة، أو قوانين الإسلام، معناه مثلاً حظر التعاملات المالية بالفوائد (أي تحريم الربا في لغة الدين)؛ وأي مجتمع لا يَحْظُرُ الفوائد في التعاملات البنكية هو مجتمع مسكين في حرب دائمة. أتدرون حرب ضد من؟ ضد الله نفسه! أي أن الله ما زال يحاربنا حرباً صريحة، الله نفسه، رب السماوات والأرض، يحاربنا جميعاً كمجتمع ونحن نتعامل بالفوائد. وهاهو الدليل القاطع من القرآن نفسه: ’يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿٢٧٨﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ‘—سورة البقرة ٢٧٨-٢٧٩. ألسنا مساكين، فقط بنقطة مثل هذه، كمجمتع يرتع في الفوائد البنكية؟ وقُم بالقياس على هذه النقطة لتستنتج خسارة وبوار مطبق بدون طاعة الله في أمور أخرى تكاد لا تحصى في المجتمع، فهناك أدلة واضحة في صفحات ديننا أن إقامة أوامر الله أهم من أي شيء في الدنيا لنا كمجتمع؛ هذه هي رسالتي وقضيتي، وهذا منبع إصراري على عدم التخلي عن المشروع الإسلامي أبداً، ومساندة السياسي الذي يعطيني وعداً بأنه سيطبق شريعة الله—وليس لي الحكم على نواياه أو الدخول في قلبه كما لا تحب أن أفعل أنا معك ذلك. ولا أهتم بمنطق من يتشدّق بأن الرئيس لا يشرّع، وإنما هو البرلمان الذي يفعل هذا، فلا يجوز للمرشح أن يزايد أو يتلاعب بالعواطف ذاكراً مسألة الشريعة، فهذا منطق فاسد ومغالط، لأننا طالما لم نتحول إلى دولة برلمانية برئيس مهمّش أو شكلي، وإنما ظللنا دولة سلطتها التنفيذية يتشارك فيها الرئيس والحكومة، فإن تأييد الرئيس لأي قضية في الوطن يصبح مطلباً من الرئيس؛ ولنا في تجاهل حكومة الجنزوري والمجلس العسكري لطلبات، بل ولتشريعات البرلمان عبرة.

وفي النهاية أقول: أيها الليبرالِمَانيون، عفواً…إني أتفهم موقف من نفر منكم من المشروع الإسلامي، فجنح لمرشّح مثل حمدين صباحي؛ الضغوط الفِكرية قد تكون فوق طاقة الأغلبية العظمى منّا اليوم. سأظل أتحدث وأكتب ضد فكركم—أو الفِكر الذي تتبعونه، ولكني أسامحكم؛ سأظل أرفض فكركم وأرى فيه الشر للأمة، ولكني أتفهم موقفكم وأتعاطف معه، لأنه بالفعل…الزنّ على الأذن، وبالذات من عباقرة دبلوماسية ورموز مصداقية عند البعض مثل حمدي قنديل…أمَرّ من السحر!

—ياسين رُكَّه

الأحد، مايو 6

العباسية والإصرار العجيب على شيطنة التيار الإسلامي

لماذا الإصرار على أن التيار الإسلامي كان هناك في العباسية من الأصل؟ سبحان الله، إن بعض المدعوين بالنخبة في الوطن يصرون في الثلاثة أيام الأخيرة على تحميل التيار الإسلامي أو مرشح إسلامي بعينه مسئولية أحداث العباسية، في حين أن كل هذه الجهات والأشخاص ذوي المرجعية الإسلامية أكدوا مراراً وتكراراً أنهم لم ولن يذهبوا إلى العباسية، وأنهم أعطوا تعليمات لأعضاء أحزابهم ألا يخرجوا من ميدان التحرير.

وفوق هذا، اعترفت ٦ إبريل بنفسها أنها كانت هناك، حيث  قالوا أنهم ينسحبون حقناً للدماء؛ وحركات كفاية والاشتراكيين والفوضويين وكل من حياته تدور حول إسقاط حكم العسكر، كل هؤلاء كانوا في العباسية وملئوا سواد المكان هناك، وبشهاداتهم.

فلماذا تركنا كل هذه الشواهد ونصر إصراراً عجيباً على أن أنصار أبو اسماعيل أو الإخوان أو غيرهم من التيار الإسلامي كانوا في العباسية؟ سبحان الله. حتى وإن كان هناك قلة من المتمردين من مؤيدي أبو اسماعيل قد أصروا على تجاهل طلب المتحدث الرسمي باسم أبو اسماعيل وعاندوا فذهبوا إلى العباسية، فأي منطق وعقل هذا الذي يجعلنا نظل نصر أن نحمل الرجل أو التيار الإسلامي نفسه المسئولية؟

ولماذا اقتنع البعض أن بلطجية الأمس في ثياب مدنية كانوا لا يمثلون الثوار بل كانوا مندسين وعملاء، وفي نفس الوقت مقتنعين اليوم أن بلطجية اليوم في جلابيب ولحى سلفية فخمة بالفعل يمثلون السلفيين أو أبو اسماعيل وليسوا ببساطة أيضاً مندسين وعملاء؟

لماذا أصبح إدمان ازدواجية المعايير وترديد وتصديق الإشاعات والأكاذيب الديدنة اليومية للكثير من أهل هذا الوطن بنخبته المزعومة من أهل الفكر والثقافة المفترضة؟ أين عقولنا ومؤهلاتنا ولغاتنا الأجنبية وحنكتنا السياسية وذكائنا وموضوعيتنا من كل هذا؟ هل حقاً عمتنا مصالح الدنيا والليبرالية التي ترتدي الثوب الكاذب لوسطية الإسلام...عن رؤية الحقائق وعن العدل والإنصاف والموضوعية في الحكم؟

—ياسين رُكَّه

السبت، مايو 5

ظاهرة الغباء الجماعي

أكاد أحس بخبطة على دماغي أحياناً، أو صداع مؤقت ومفاجئ، لما بأفكر في النقطة دي: رؤية الناس لهوية المخربين وانتمائاتهم. إزاي الناس بتصدق الإشاعات؟ أنا بالنسبالي الموضوع مش محتاج ذكاء أصلاً ولا تحليل! أقسم بالله العظيم بالنسبالي ما هو إلا أمر بديهي تماماً...يعني مش بأحلله وأبحث فيه أو أستذكى عليه...في عقلي، ده مجرد شيء بديهي...بلطجية بأسلحة بيضاء وملابس أو مظهر نموذجي مبتذل (سواء بلحية وجلابية أم لا—أصلا) + سلوك مسعور انفعالي عنيف = مندس ولا يمت بصلة لا للشعب ولا لأي جهة رسمية—سواء دينية أو غير دينية. ومش فاهم، ليه الموضوع ده يبدو إنُّه محتاج ذكاء وفيه ناس مش بتفهمه بالبديهة كده علاطول.

أعتقد إن الناس كرهت التدين الحقيقي، أو التمسك الحقيقي بالإسلام...وحب الدنيا والشهوات وتفاهات الدنيا طغى على قلوبهم بشدة، فأصبح التدين الكامل ده بيشكل ’خطر‘ على أسلوب حياتهم، الأسلوب اللي هوه أُشْربَت بيه قلوبهم، فتشرّبته القلوب تماماً، فسيطر عليها، فطُبِع على قلوبهم، فأصبحوا لا يفقهون...لا يفهمون، ولا يرون، عمياناً طرشاً أغبياء، كالأنعام أو هم أضل سبيلا. ومحدش يزعل منّي؛ أنا بأحاول أصدم بعض الناس في نفسها، أو أصدمهم في الواقع المؤلم اللي إحنا عايشين فيه وفي طريقة التفكير العجيبة والمزدوجة المعايير.

ده تفسيري الوحيد لظاهرة الغباء الجماعي الذي نراه اليوم، والغياب العقلي المتفشي في الشعب والأمة، والسذاجة السياسية التي تسمي كسب الأصوات والانتشار الحزبي الطبيعي—لحزب الأغلبية—’تكويش‘، والسذاجة الإنسانية التي تجعل البعض يصدق أي شيء يسمعوه طالما أنه يوافق كراهيتهم العمياء.

—ياسين رُكَّه

الجمعة، أبريل 13

وسطيتنا خير مصل مضاد لبذور التعصب والتطرف

إلى أهل الأحزاب الإسلامية ومؤيديهم من المسلمين الملتزمين أقول: لا تجعلوا هذه الناس، النخبة المزعومة وأذنابهم وقطعانهم، تدفعكم إلى التعصّب أو الاستماتة، فهذه ليست من أخلاق المسلم المعتدل أو المؤمن؛ نحن لا نتعصب، بل نتوسط؛ لا نستميت، بل نستكين...لرب العالمين. نحن أمة ’اقرأ‘.

’لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّـهِ وَهُمْ كَارِهُونَ‘—التوبة: ٤٨

اعلموا أن أعدائنا إن تأكدوا أنهم سيفشلون في إسقاط المشروع الإسلامي، فسينتقلون إلى محاولات لحقن التيار الإسلامي بالتعصب والتطرف؛ هذا هو مغزى الاستماتة والاستمرار العجيب من جانبهم في هذه الحرب الإعلامية الدنيئة. إنهم لا يبغون قتل أو إسقاط المشروع، قدر ما هم يسعون إلى حقن التطرف والتعصب فيه. فإياكم أن تنسوا التخلق بوسطية الإسلام—البريئة من الجهل والليبرالية التي يبيعها البعض كإسلام متوسط أو منفتح. فوسطية الإسلام هي المصل المطلوب لما يحقنوننا به من سمّ وهم يعلمون أن التيار متدفق—لن يتوقف.

تعلقوا بالدين—لا بالمذهب، وبالفِكرة—لا بالشخص.

’كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ‘—آل عمران: ١١٠

’وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا‘—الفرقان: ٦٣. ’وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين، وإذا خاطبهم الجهلة السفهاء بالأذى أجابوهم بالمعروف من القول، وخاطبوهم خطابًا يَسْلَمون فيه من الإثم، ومن مقابلة الجاهل بجهله.‘—التفسير المُيَسَّر

الخميس، أبريل 12

لماذا أرفض مصطلح ’إسلاميين‘ قلباً وقالباً؟

Not Islamist but Muslim or Islamic’إسلاميون‘…أرفض هذا المصطلح، بل وأكرهه وأظنه مصطلحاً خبيثاً. لأنه من الأصل ليس مصطلحاً اخترعناه أو ابتدعناه نحن العرب أو نحن المسلمون ذوي المرجعية الإسلامية، بل لقد ابتدعه العَالَمَانيون ثم أشهره الإعلام الغربي الخبيث كي يتيح لنفسه سبّ المسلمين المتدينين كما يشاء، وهو مصطلح دخيل حتى على اللغة الإنجليزية:
Islamists

كلمة "إسلامي" لا يصح أن تُستخدم للإشارة إلى أفراد أبداً، مهما كان فِكرهم أو مرجعيتهم؛ لأن الكلمة تُستخدم للإشارة إلى كل ما هو لا شخصي، مثل مؤسسة أو فكرة وهكذا. أما مع الشخص أو الفرد فنقول ’مسلم‘.

وحتى عندما نشير إلى مؤسسة إسلامية باللغة الإنجليزية، نقول:
Islamic organization

لا نقول أبداً:
Islamist organization

وكلمة ’إسلاميين‘ هذه أتاحت للآلاف من المسلمين أن يسبّوا في ’الإسلامي‘ كيفما يشاءون، وعندما تتعجب منهم أو تناقشهم في سلوكهم الغريب، يقولون لك أنهم مسلمين ومن يسبونه منافق، وليس مسلم بل ’إسلامي يتاجر بالدين‘ أو ’متأسْلِم‘ وإلى آخره من المنطق الفاسد ومن وشواهد غسيل المخ، وكأنهم دخلوا قلوب هؤلاء السياسيين ذوي المرجعية الإسلامية فعرفوا فيهم النفاق يقيناً!

وهذا أيضاً هو السبب الرئيسي لااستخدام وإشهار الغرب للمصطلح الدخيل البغيض:
Islamist
إنه يتيح لهم السخرية من ’الإسلامي‘ أو التحذير من مخاطره الشديدة، فيقومون بالقنص اللغوي الإعلامي تحت ستار المصطلح، ويصعب عليك أن تتهمهم بالإسلامُوفُوبْيا أو كراهية الإسلام لأنهم سيقولون لك نفس ما يقوله بعض المسلمين—أو المحسوبين على المسلمين—ممن يسبون ال’إسلاميين‘: أنهم لا يتحدثون عن المسلمين المتوسطين المعتدلين، وإنما عن ال’إسلاميين‘ الأصوليين المتشديين الرجعيين ال...ال...

أما عن سبب ابتداع الغرب للمصطلح، فإني أرى أن هذه تبعيات فكرهم العَالَمَاني، واقتناعهم بأنه لا يصح للدين بأن يتدخل في السياسة أو القانون، فأحسوا بالحاجة إلى إعطاء المسلم الملتزم الذي يسعى لتطبيق الإسلام في السياسة مسماً يفرّقه عن بقية المسلمين؛ فهو في نظرهم ليس مسلماً ملتزماً يريد أن يُحكّم الله على نفسه وعلى المجتمع باستخدام القوانين الإسلامية في إدارة المجتمع، ليس مسلماً متديناً يرى أن الإسلام ليس أسلوب عبادة بل أسلوب حياة وبالتالي هو جزء لا يتجزأ من حياة المجتمع، أي جزء لا يتجزأ من القوانين التي تدير المجتمع، أي جزء لا يتجزأ من السياسة، حتى لا تصبح السياسة ’لعبة قذرة‘ كما يعرفها الغربيون؛ لا، الغربي العَالَمَاني لا ينظر إلى السياسي المسلم الملتزم بهذه الطريقة، بل ينظر إليه على أنه خطر (وبالفعل الإسلام خطر على العَالَمَانية كما أن العَالَمَانية خطر على الإسلام)، ويستحق مصطلحاً يفرّق هذا المسلم عن بقية المسلمين تماماً، مصطلحاً يمكن بسهولة تحويله إلى مصطلح ازدرائي. كما هو الحال اليوم.

إن لم تقتنع تماماً بما ذكرته، فأسأل الله أن أكون على الأقل قد دعوتك إلى مراجعة فكرك عن هذا المصطلح. وأؤكد أني أحب ديني وأؤمن بشريعة ديني وأدافع عن الأحزاب الإسلامية والمرشحين ذوي المرجعية الإسلامية كلما استطعت ووجدت أن الحق والشواهد والأدلة ستكون معي. وأريدك أن تعلم أني إذا أردت أن أشير إلى شخص منتمي إلى حزب إسلامي أو إلى الفِكر الإسلامي، فإني أقول مثلاً ’المرشح الإسلامي المرجعية‘، ’النائب ذو المرجعية الإسلامية‘، أو ’السياسي المسلم الملتزم‘.

—ياسين رُكَّه