الجمعة، أبريل 27

محاضرة عن الإسلام والعَالَمَانية

تقريباً كل ما يريد أي شخص أن يفهمه عن العَلَمَانية أو دعوة الدولة المدنية، على لسان الدكتور محمد إسماعيل المُقَدَّم.

كل شخص مسلم يسمع هذا الكلام كله، ثم يظل مصراً على الدعوة إلى دولة مدنية أو عَلَمَانية، بالمنطق يصبح محارباً للإسلام، وإن كان يصلي صلاة المسلمين ويصوم. ليس المقصود أنه يكفر، ولكنه بجهل وعناد يصبح محارباً للإسلام وداعياً إلى إضعافه وإذلاله. د. محمد إسماعيل المُقَدَّم دكتور بشري نفسي وفي نفس الوقت عالم دين، ويردد مصطلحات إنجليزية أثناء كلامه تدل على أنه مطلع على علوم الغربيين، ويتحدث بمنتهى الهدوء والموضوعية والعقلانية، فلا يمكن أن ينعته أي أحد بالجهل أو التخلف أو الرجعية. وقد تحدث باستفاضة عن مسألة العَلَمَانية والدولة المدنية، وشرح بالتفصيل لماذا يعادي الغربيون بشدة تدخل الدين في شئون الدولة والمجتمع، وكيف أن العرب تشربوا هذا الفكر والعداء بدون وعي عن حقيقة جذوره الغربية التي لا تمت بصلة لنا. ويشرح فكرة عدم وجود سلطة تنفيذية عالمية في الإسلام مثل الكنيسة الكاثولوكية في روما للمسيحية، لأن السلطة التنفيذية في الإسلام ليست في يد رجل دين نائب عن الله وإنما في يد الله بإقامة شرائع الله وتطبيقها بالقانون، وبالتالي العَلَمَانية تحرم المسلمين من أي مرجعية دينية ومن سلطة الله في حياتهم اليومية. ويذكر نقطة تأثير العَلَمَانية على فكر الشعوب نفسه، بإلهامهم بالتشبث بالدنيا والاهتمام بالدنيا أولاً وأخيراً، وهو الفكر الذي يورث الفقر في الأفراد والمجتمعات، ويمحو الدين من حياة الناس بمرور الأعوام. ولا أعتقد أن الإنسان العاقل يمكنه أن يظل مقتنعاً ببراءة العَلَمَانية من محاربة الإسلام حرباً صريحة بعد أن يسمع كلام الدكتور.

وكم أعجبني ما قام به الدكتور محمد إسماعيل المُقَدَّم من ردِّ الجميل للمتنطعين بمصطلح "تجار الدين"، فقال "'وتجار الشنطة الثقافية' اللي بيفرضوا علينا ثقافات بالإكراه عن طريق العولمة...معزولون عن الواقع." وفعلاً، كلما حاربوا تجار الشنطة الثقافية، ومن تبعهم من السذج، الهوية الإسلامية لمصر بشراسة أكثر، كلما قام الجسم أو الكيان الشعبي المسلم بمقاومتهم باستماتة أكثر خوفاً على دينهم من الضعف أو التهميش. فبصراحة، اللي عايز يفضل يطبّل للعَلَمَانية والمدنية والليبرالية والبتنجانية، ويسقّف لتجار الشنطة الثقافية، خلّيه، الأغلبية اللي اسمها المسلمين اللي فطرتهم لسّه سليمة حتحب دينها أكتر وتقاوم حربهم ضد الإسلام باستماته أكبر، قاتلهم الله وأخزاهم في الدنيا خزياً ينقذهم من خزي الآخرة. وهي دي حكمة الله في خلقه.

ويوجد فيديوهات أخرى على يوتيوب تثبت أن الشيخ الشعراوي والشيخ القرضاوي والإمام محمد الغزالي كلهم حذروا من خطر العَلَمَانية بمنتهى الوضوح والصراحة، بل إن الشيخ الشعراوي رحمه الله قال بالحرف أن العَلَمَانية "قلة أدب" (لأنها تجرؤ على الله نفسه) وعندما سُئِل عن العَلَمَاني الذي يقول أنه متمسك بدينه قال الشيخ الشعراوي بالحرف: "ده كذب كذب كذب! ولا تحصل. ده ضد الدين ألف مرة. يعمى ولا يشوفش واحد متدين." يمكنك سماع هذا الرد بأذنك في فيديو من الفيديوهات.

وفعلاً، هوه فيه واحد يبقى متمسك بدينه ويحارب دينه في نفس الوقت ويعمل على إضعافه والتقليل من شأنه؟

ولي بعض التعليقات على أشياء ذكرها الدكتور الإمام محمد إسماعيل المُقَدَّم، أطال الله عمره في كل خير:

البوذية لها جذور في التوحيد، وقد أثبت هذا الدكتور والداعية الإسلامي الهندي ذاكِر نايك، ولهذا فقد نقول أن البوذية قد يكون لها أصل سماوي ثم حرّفت، بدلاً من القول بأنها دين أرضي بحت اخترعه الإنسان.

وأرى أننا عندما نصر على أن نشير لدين الحق أو دين الفطرة بكلمة أو مصطلح "الإسلام"، فإننا نقصي—وقد ننفر—الكثير من غير المسلمين، بالذات ممن تم غسيل عقولهم بعلاقات سلبية مربوطة بكلمة الإسلام (مثل ربط الإرهاب بالإسلام)؛ ولهذا فإني أفضل أن أشير إلى دين الحق أو دين الفطرة بمسمّى الوحدانية الإبراهيمية السمحة، أو ببساطة دين "التوحيد"، وهذا لا يبخس من الإسلام في شيء لأننا كمسلمين نتفق أن الإسلام والتوحيد واحد، لأن الإسلام ما هو إلى الإصدار الأخير—إن صح التعبير—لدين الله الحق، أي التوحيد. وأيضاً أفَضِّل مصطلح أو مسمى التوحيد لأن هذا المصطلح عالمي شامل. فما هو الإسلام في جوهره، إن لم يكن دين الخضوع التوحيدي، أو دين الاستسلام التوحيدي لرب واحد وهو الله ولا أحد غير الله.
وإن قال قائل أن هناك خطورة من استبدال كلمة الإسلام بكلمة التوحيد لأن هذا قد يجعل البعض يظن أن اليهودية مثلاً تكفي حيث أنها دين توحيد، لقلت أني لا أقصد أن نمتنع تماماً عن ذكر كلمة الإسلام، وإنما أقصد أننا لا نخبطها هكذا في كلامنا اليوم بدون تقديم أو توضيح، ونحن اليوم في عالم القرية العالمية، وما تَخْطُب به باللغة العربية في أصغر قرية ريفية مصرية قد يُسجل بكاميرا هاتف محمول ثم يُرفع على يوتيوب ويترجم للإنجليزية ليسمعه الأمريكي في نيويورك والاسكندنافي في ستوكهولم في اليوم التالي. فمثلاً قد نقول أن دين الحق أو دين الفطرة هو التوحيد، أو الوحدانية الإبراهيمية الفطرية، وفكرته الرئيسية هي الخضوع والاستسلام لرب واحد لا إله غيره وهو الله، ومن فكرة الاستسلام لله تأتي كلمة الإسلام، ونحن نعتبر الإسلام آخر إصدار للبشرية من رسالة التوحيد، وهي رسالة الله لبني البشر على مر العصور. بهذه الطريقة نكون قد شرحنا مقصدنا من استخدام كلمة الإسلام، بدلاً من استخدامها كمسمى يعطي إيحاء لغير المسلمين بأنها دين مختلف عن الرسالة الإبراهيمية التوحيدية السمحة.

الخميس، أبريل 26

نتذكر الله ونطيعه قليلاً...لأن رحمة الله وسعت كل شيء!

أحياناً نتواكل بتكاسل على ’رحمة الله‘، فننسى الكثير من الدين ونمسك في كلمة: ’وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ‘.

ولكن إن كان مفهوم رحمة الله المجانية التي ستسعنا وذنوبنا جميعاً بتمتمة ’لا إله إلا الله‘ وخبط الجبهة في الأرض كل حين وآخر، قضاء دقائق قليلة في صلاة، وساعات طويلة في الموسيقى والتليفزيون والدردشة والسباب واكتساب مال لا نشتري به سوى دنيا وفقط دنيا...إن كان هذا المفهوم صحيح، فبالله عليكم، لماذا كتاب كل واحد منا عبارة عن مجلد أو موسوعة كاملة، قاعدة بيانات مهولة، وكأنها آلاف الصفحات من الجداول الدقيقة دقة متناهية، مثل جداول إكسل؟ بالتواريخ والأرقام والمقادير والموازين التفصيلية!

’وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‘—الكهف ٤٩.

يا سادة، لم يقل الله في هذه الآية، التي تثبت بالدليل القاطع أن كتاب كل مرء منا يسجل كل صغيرة وكبيرة، عمرنا كله لحظة بلحظة، لم يقل الله "فترى الكافرين"، بل قال: "فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ"! أتعلم كيف تُفسر هذه الكلمة في التفسير الميسر؟ تفسر بكلمة ال‘عصاة‘!!

من منا لا يعصى الله، بالله عليكم؟ يعني أنا وأنت قد نكون ’مجرمين‘ ونحن لسنا ’دريانين‘! أنت قد تكون من ال‘مجرمين‘ الذين سيرددون هذه الجملة يوم القيامة.

مال هذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها؟! ما لهذا الكتاب لا يترك أي صغيرة أو كبيرة من حياتي وأعمالي إلا وأثبتها؟!! كيف سجل كل ثانية من الستين في الدقيقة الواحدة، وكل دقيقة في الساعة، وكل ساعة استيقاظ في كل يوم من عمري؟! كيف ولماذا هذه الدقة المتناهية؟!! أنا لم أتخيل أن الأمر هكذا على الإطلاق!! لم أكن أظن أنه عندما يكون ٩٥% من يومي في أشياء لا علاقة لها بالله أو الدين على الإطلاق، وال ٥% الباقية التي تذكرت الله فيها كانت بدون تركيز جيد أصلاً، سيكون ٩٥% من كتابي يوم القيامة أسود من لون جهنم على الأفق! ولكن..ماذا عن رحمة الله؟؟ رحمة الله التي وسعت كل شيء؟!

’وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‘.

’قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ‘ ﴿الأنعام: ٥٠﴾

‘وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ...وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ...قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ‘ ﴿غافر: ٥٨﴾

مرة أخرى، قال الله ‘ولا المسيء‘، ولم يقل مثلاً ‘ولا الكافر‘ أو ’ولا مرتكب الكبائر‘...بل فقط المسيء. وفعلاً، قليلاً قليلاً ما نتذكر أو نعقل أو نفكر في الجهل الذي نعتقده عن ديننا وعن الله سبحانه وتعالى.

هل تستوي المسلمة المحجبة ذات الخلق الحسن والصلاة على وقتها، مع المسلمة الغير محجبة ذات الخلق الحسن—أيضاً—والصلاة المتفاوتة؟ هل يستوي المسلم ذو الخلق الحسن والصلاة على وقتها، مع المسلم ذا اللسان البذيء والصلاة يوم الجمعة فقط؟؟ هل يُعقل هذا أصلاً بناءً على كل هذه الأدلة القرآنية القاطعة؟

لا، والله لا يستوون. وفلنستعد جميعاً لأن ندفع ثمن كل دقيقة وكل يوم من حياتنا ضيعناه في معصية ونسيان الله. استعدوا، لأن عندي لكم خبر عن موضوع رحمة ربنا التي وسعت كل شيء، بقية الآية!

‘وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ‘. نعم، نحن بجهلنا وأخذ ما يعجبنا فقط من القرآن نردد المقولة أو الآية بدون أن نكملها...رحمته وسعت كل شيء، ولكنه سيكتبها لمن يتقوا الله حق تقاته. يعني من سخرية القدر، أن المرء الذي يتكاسل ويتواكل على رحمة الله، من حيث التعريف لا يخاف الله حق المخافة أصلاً—أي التقوى، وبالتالي لم يكتب الله له الرحمة أصلاً.

‘لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ‘ ﴿الحشر: ٢٠﴾

’قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‘ ﴿المائدة: ١٠٠﴾

لعلكم!

الاثنين، أبريل 16

الرجل والمرأة في كلمتين

’إنما النساء شقائق الرجال‘.
الراوي: عائشة و أنس بن مالك، المحدث: السيوطي، المصدر: الجامع الصغير، الصفحة أو الرقم: ٢٥٦٠، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

تذكر: على قدم المساواة—متساويان، ولكن ليسا متماثلين—بل مختلفين. «مساواة» في التعامل والحقوق، ولكن «اختلاف» في التعامل والحقوق. فمثلاً، إن كان طاعة واحتراماً على جانب، فهناك رعاية شمولية كاملة ورفق ومودة في التعامل على الجانب الآخر—لا يجرأ أحدهما على التعدي على هذه الحدود لأنه يكون تعدياً لأوامر الله. تفاصيل مختلفة، ولكن إجمالها متعادل ومتساوي عند الله بعلمه الذي وسع كل شيء—فهو أعلم بما يحتاجه الرجل ليكون رجلاً وما تحتاجه المرأة لتكون امرأة. ووالله إني لوجدت بعض حكمة الإسلام في كتاب «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة» لجُون جرِاي؛ فكان يبدو في بعض المواضع وكأن المؤلف يحاول إقناع القارئ بحقائق نفسية قد عالجها الإسلام بالفعل منذ ١٤٠٠ سنة بوضع الحقوق الاجتماعية التي تنظم وتوسّط العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة. Men Are from Mars, Women Are from Venus by John Gray

—ياسين رُكَّه

عيوب الآخرين

’يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته.‘—صحيح أبي داود.

منقول من إسلام ويب:

قال بكر بن عبد الله: ’إذا رأيتم الرجل موكّلا بعيوب الناس، ناسيا لعيوبه، فاعلموا أنه قد مُكِرَ به‘.

يقول الشيخ محمد إسماعيل المُقَدَّم: ’والشخص الذي يرى صورة نفسه صغيرة جداً تجده دائماً يضخم عيوب الآخرين...فإذا عُرف بأنه مشغول بتضخيم عيوب الآخرين والطعن في الناس، فهذه مرآة تعكس أنه يشعر بضآلة نفسه وبحقارتها وأن حجم نفسه صغير‘.

وقد لقي زاهد زاهداً فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله؛ فقال الآخر: لو علمتَ مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله؛ فقال له الأول: لو علمتُ منك ما تعلم من نفسك لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك!

’المرء إن كان عاقلا ورعا     أشغله عن عيوب غيره ورعه

كما العليل السقيم أشغله   عن وجع الناس كلهم وجعه‘

’لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا         فيهتك الله ستراً عن مساويكا

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا            ولا تعب أحداً منهم بما فيكا‘

’قبيح من الإنسان أن ينسى عيوبه           ويذكر عيبا في أخيه قد اختفى

ولو كان ذا عقل لما عاب غيره             وفيه عيوب لو رآها قد اكتفى‘

’إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا     عليك، وأبدوا منك ما كان يُسترُ‘

’متى تلتمس للناس عيبا تجد لهم     عيوبا ولكن الذي فيك  أكثر

فسالمهم بالكف عنهم فإنهم    بعيبك من عينيك أهدى وأبصر‘

من علامات نقص الإيمان وكلام في الجدل الحاد

قال رسول الله (ص): ’لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة، والمراء وإن كان صادقا.‘
الراوي: أبو هريرة، المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 2939، خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره.

والمراء، المقصود به في اللغة: استخراج غضب المجادل. يعني إيمان العبد ناقص لا محالة طالما يقول أشياءً لم تحدث أو يكذب كي يمزح ويقول النكات، وطالما يستخرج غضب الآخرين أثناء النقاش أو يستفز من يجادله. وللأسف الكثير من الناس تتهم الآخرين بفعل ذلك بالرغم من أنهم هم من بدءوا بالهجوم أو الاستفزاز أو التطاول وما شابه، ثم تشتكي من المعاملة بالمثل! وهناك أيضاً من لا يعجبه أصلاً الاختلاف معه في الرأي، فيغضب لانتقاد رأيه، مهما كان النقد متأدب أو هادئ، وبالرغم من أن الناقد لم يتطرق إلى شخصه على الإطلاق وإنما فقط إلى كلام أو أفكار أو أفعال. وهناك من يسيء فهم ما سمعه—عادة من الجهل بمعاني الكلمات أو عدم الانتباه الجيد أو الانفعال أو التعلق العاطفي الذي يغيّب العقل، فيفهم الكلام على غير مراده ثم يحكم على المتكلم وعلى نيّة المتكلم بناءً على هذا الفهم الفاسد. القاعدة البسيطة هي أن البادئ بالهجوم أو الغضب، بالاستفزاز أو السخرية، أظلم—أو أكثر ظلماً. وهذه القاعدة ذهبية لأنها تغطي المراء، وهو المبادرة أو البدء باستخراج غضب وخصومة الطرف الآخر، وتغطي أيضاً سوء الفهم؛ حيث أن الشخص الذي غضب يمكنه أن يتأكد مما يقصده الآخر قبل أن يلوم الآخر أو يعبر صراحة عن هذا الغضب، فإن ثبت أن الآخر لم يقصد ما فهمه الغاضب، فإن الغاضب لا يبدأ بالتعبير الصريح عن غضبه ولذا لا يعتبر البادئ الأظلم. فتذكر، البادئ….أظلم، سواء بالاستفزاز، السخرية، الغضب، أو سوء الفهم.

وهذا الحديث من الردود المُفحمة على كل من ادعى أنه لا يمكن لأي شخص أن يحكم على نقص إيمان شخص آخر، بحجة أن الإيمان في القلب؛ معلوم أنه في القلب، ولكن ديننا به الكثير من الآيات والأحاديث التي تساعدنا على استنتاج نقص الإيمان في الآخرين. ما لا يمكننا تحديده هو إذا ما كان إيماننا أكبر من غيرنا أو العكس؛ أما الحُكم بوجود مرض في القلب أو نقص في الإيمان بل ونقص في الإسلام نفسه، فيوجد عدة آيات وأحاديث دالة على هذا أو تساعد على استنتاجه.

—ياسين رُكَّه

الأحد، أبريل 15

صبراً يا ثورة مصر فالقصاص آت

قناص العيون

لعل الخبر التالي يطمئن بعض الناس أن هناك تحقيقات بالفعل في جرائم أي شخص من أي جانب، سواء الجوانب الأمنية في الوطن من شرطة مدنية وعسكرية، أو الجانب الآخر والمتمثل في القلّة المندسة في المتظاهرين ممن قاموا بأعمال شغب وإتلاف لممتلكات عامة وحكومية.

للأسف، الكثير من الناس تستعجل وتظن أن البرلمان والجهات المختصة يمكنها أن تقوم بال’قصاص‘ بناءً على صور على فيسبوك—قد تكون مركبة، وما شابه من أدلة واهية؛ الحقيقة هي أن هذه إجراءات تحقيقية قد تأخذ شهوراً، وفي بعض القضايا الكبيرة التي تقع تحد بند المؤامرات، مثل عملية القتل الجماعي في استاد بورسعيد، التحقيقات قد تأخذ أعواماً كي يحصل المحققون على الأدلة القاطعة، ولا قصاص بدون أدلة قاطعة.

إحالة «قناص العيون» و٣٧٩ متهمًا في أحداث «محمد محمود» إلى «الجنايات» | المصري اليوم.

—ياسين رُكَّه

السبت، أبريل 14

يا من اغتر بعقله وذكائه ودراساته!

Brain and heart

من أسرار الكُون والرُوح وحقيقتنا كبشر...حقيقة علاقة الرُوح بالعقل بالمخ بالقلب بالجسد في كلّ منا...ما الفرق؟ وما العلاقة؟ هل تظن أنك تعرف الفرق بالفعل؟ هل التعقل فقط في المخ؟ وما الفرق أصلاً بين المخ والعقل؟ وهل ما نسميه ب’العقل الباطن‘ هو فعلاً كما نصفه في كتب تطوير الذات وما شابه؟ هل تظن أنك تعرف وتفهم هذه الألغاز بوضوح؟ تعال معي لنقرأ هذه الآيات العجيبة في القرآن الكريم...

’وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ‘—الأعراف: ١٧٩

ركز على الجزء: ’وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا‘.

’رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ‘—التوبة: ٨٧

’وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّـهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ‘—التوبة: ١٢٧

’ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ‘—المنافقون: ٣

يعني، يا من اغتررت بذكائك ودراساتك وظننت أنك تتمتع بالذكاء الكاف كي تفهم وتفقه الدين...اقرأ أربع مرات في القرآن ربك يؤكد لك أنّ باستطاعته أنْ يطبع على قلبِك، لا عقلك، بل يطبع على قلبِك...فلا تفقه شيئاً ولا تسمع لهداية أو كلمة حق في دينِك نفسه! إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

يعني أحياناً الموضوع مش موضوع ذكاء وتعليم، وإنما موضوع قلوب ربنا طابع عليها بسبب الذنوب اللي هما مش دريانين بيها أصلاً.

’إن العبد ليتكلم بالكلمة—من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفع الله بها درجات؛ وإن العبد ليتكلم بالكلمة—من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم.‘—صحيح البخاري.

—ياسين رُكَّه

إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن

القرآن والسلطان

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: ’إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن‘.—المصدر: مجموع فتاوى ابن باز. معناه أَنّ مَن يَكُفُّ عن ارتِكابِ العَظائِم مَخافةَ السلطانِ أَكثرُ ممن تَكُفُّه مخافةُ القرآنِ واللهِ تعالى، فمن يكفُّه السلطانُ عن المعاصي أَكثر ممن يكفه القرآنُ بالأَمْرِ والنهيِ والإِنذار.

يعني بالبلدي، اللي بيمتنع عن ارتكاب الأخطاء والجرائم عشان خايف من القانون، للأسف أكتر بكتير من اللي بيمتنعوا عن ارتكاب الأخطاء والجرائم عشان اتعظوا من كلام ربنا وخايفين من ربنا. ودي مش نظرية للبحث، وإنما كلمة من ثالث الخلفاء الراشدين نفسه. يعني بدون أحكام الشريعة الإسلامية كقوانين تدير البلد، مفيش حاجة اسمها إصلاح اجتماعي حقيقي ولا هداية. زي بالظبط كده ما أي بلد من غير قوانين وعقاب على الجرائم، العصابات حتمرح فيها زي ما هيه عايزه؛ برضو بلد من غير شرائع دينية وغرامات على عدم اتباع القانون الإسلامي حيمرح فيها الذنوب والمعاصي والفساد.

وده أحسن رَدّ على من قال بجواز إو إمكانية الإصلاح الاجتماعي لمجتمع مسلم بدون (أو قبل) الإصلاح الدستوري القانوني. والإصلاح القانوني للدستور يكون بإرجاعه وإقامته وتأسيسه على ’أحكام‘ الشريعة، وأعيد وأكرر وأؤكد...’أحكام‘، ليس المبادئ وإنما ’أحكام الشريعة الإسلامية‘. يعني مفيش إصلاح اجتماعي من غير إصلاح دستوري بضخ أحكام الشريعة كليةً في الدستور، وبناءً علي الدستور الصالح يُبنى الإصلاح السياسي، ثم من بعده الإصلاح الاجتماعي بما يتضمنه من التغلب على الفساد والفقر والجهل والمرض وهكذا.

الطريق الحقيقي للإصلاح الشمولي السريع—بالذات في أوقات الثورات: قانون --> سياسة --> مجتمع.

الطريق الحقيقي للإصلاح البطيء والأفضل—بدون ثورات (واللي ملُوش دعوة بالواقع الحالي): مجتمع --> سياسة --> قانون.

يعني لو مشينا بالعكس دلوقتي في الواقع الحالي، من المجتمع إلى القانون، في وقت ثورة، يبقى ولا كإن الثورة كان ليها لزمة، ورجعنا إلى المُربع الأول، وحلّني بقه لما نقدر نصلح المجتمع...ماهو أئمتنا والدعاة الجدد وغير الجدد نبحوا حسّهم في المساجد والفضائيات، وفيه منهم اللي قُمِع بالإكراه وتم إسكاته، وفيه منهم اللي نُفِي إلى خارج البلاد أو طفشوه، عشان بس زادت شعبيته حبتين وكان حيساعد عدد زائد عن اللزوم إلى إنهم يهتدوا بالله!

أرجو فهم الفرق جيداً حتى لا يخدعنا المخادعون والمضللون. بما أننا في ثورة ومفترق طرق سياسي قانوني بل وتاريخي، فاتجاه الإصلاح المناسب لا محالة هو: قانون --> سياسة --> مجتمع، بشهادة ثالث الخلفاء الراشدين، عثمان بن عفان رضي الله عنه.

—ياسين رُكَّه

الجمعة، أبريل 13

وسطيتنا خير مصل مضاد لبذور التعصب والتطرف

إلى أهل الأحزاب الإسلامية ومؤيديهم من المسلمين الملتزمين أقول: لا تجعلوا هذه الناس، النخبة المزعومة وأذنابهم وقطعانهم، تدفعكم إلى التعصّب أو الاستماتة، فهذه ليست من أخلاق المسلم المعتدل أو المؤمن؛ نحن لا نتعصب، بل نتوسط؛ لا نستميت، بل نستكين...لرب العالمين. نحن أمة ’اقرأ‘.

’لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّـهِ وَهُمْ كَارِهُونَ‘—التوبة: ٤٨

اعلموا أن أعدائنا إن تأكدوا أنهم سيفشلون في إسقاط المشروع الإسلامي، فسينتقلون إلى محاولات لحقن التيار الإسلامي بالتعصب والتطرف؛ هذا هو مغزى الاستماتة والاستمرار العجيب من جانبهم في هذه الحرب الإعلامية الدنيئة. إنهم لا يبغون قتل أو إسقاط المشروع، قدر ما هم يسعون إلى حقن التطرف والتعصب فيه. فإياكم أن تنسوا التخلق بوسطية الإسلام—البريئة من الجهل والليبرالية التي يبيعها البعض كإسلام متوسط أو منفتح. فوسطية الإسلام هي المصل المطلوب لما يحقنوننا به من سمّ وهم يعلمون أن التيار متدفق—لن يتوقف.

تعلقوا بالدين—لا بالمذهب، وبالفِكرة—لا بالشخص.

’كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ‘—آل عمران: ١١٠

’وَعِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا‘—الفرقان: ٦٣. ’وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين، وإذا خاطبهم الجهلة السفهاء بالأذى أجابوهم بالمعروف من القول، وخاطبوهم خطابًا يَسْلَمون فيه من الإثم، ومن مقابلة الجاهل بجهله.‘—التفسير المُيَسَّر

د. باسم يوسف رايح على فين؟

Photo of Dr. Basem Yoosef

من فترة، د. باسم يوسف كتب يفَكَّر السلفيين اللي كانوا بيهتفوا في مظاهرات ضد الجيش بكلام شيخ ما عن أهمية الجيش، وبالرغم من إني وافقته تماماً في المضمون، إلا إن كان عندي مشكلة كبيرة مع الكلمتين دُول منه، ألا وهي ازدواجية المعايير المحتملة—أو اللي شبه مؤكدة: فهل يقول د. باسم نفس الكلام للثوار؟؟

د. باسم، مُقدم برنامج ’البرنامج‘، والموهوب فعلاً، ابتدي يغلّس تاني اليومين دُول على التيار الإسلامي. بيفكّر الناس بقضية سميرة إبراهيم والكلام الفارغ عن كشف العذرية، وكإنه فاكر إن عدد كافي من المصريين صدقوا المسرحية المبتذلة دي. لا، يا دكتور، مش بس بتوع الأحزاب الإسلامية همّا اللي مصدقُوش، مصريين كتير تانيين برضو مصدقوش.

وفي نفس الوقت، بيكتب كلام فيه تلميح إن الإخوان والسلفيين والمسلمين الملتزمين مكنُوش في الثورة والاحتجاجات! كلام لا يصح إنه يتقال أبداً؛ ولو فضل على الاسطوانة دي، فعلاً سيسقط من نظري، ويبقى مصيره مثل الكثيرين من أهل ال’نخبة‘ اللي عمّالين يخلعوا الأقنعة واحد ورا التاني، ومبقاش وراهم غير طعن وتلطيخ المشروع الإسلامي باستماتة عجيبة، كإنهم مستعجلين على الدخول إلى مزبلة التاريخ!

الخميس، أبريل 12

وتاريخ الإخوان المشرف أيضاً يحاولون أن يسرقونه!

صورة سيد قطب
’إن السبابة التي تشهد في كل صلاة أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، لا يمكن أن تكتب كلمة باطل.‘—سيِّد قُطْب
قصة يتم تمريرها ونشرها هذه الأيام تدل على مدى الإبداع في الحرب الفكرية ضد الإخوان:
"عمر المختار سأله الضابط: 'هل حاربت الدولة الايطالية؟'
عمر: 'نعم.'
'وهل شجعت الناس على حربها؟'
'نعم.'
'وهل أنت مدرك عقوبة مافعلت؟'
'نعم.'
'وهل تقر بماتقول؟'
'نعم.'
'منذ كم سنة وأنت تحارب السلطات الايطالية؟'
'منذ 20 سنة.'
'هل أنت نادم على مافعلت؟'
'لا.'
'هل تدرك أنك ستعدم؟'
'نعم.'
فيقول له القاضي بالمحكمة: 'أنا حزين بأن تكون هذه نهايتك.'
فيرد عمر المختار: 'بل هذه أفضل طريقة أختم بها حياتي.'
فيحاول القاضي أن يغريه فيحكم عليه بالعفو العام مقابل أن يكتب للمجاهدين أن يتوقفوا عن جهاد الإيطاليين،فينظر إليه عمر ويقول كلمته المشهورة: (إن السبابة التي تشهد في كل صلاة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله لايمكن أن تكتب كلمة باطل).
رحم الله أسد الصحراء حين قال: 'نحن لن نستسلم؛ ننتصر أو نموت.'"

وهذه هي الحقيقة: كلمة ’إن السبابة التي تشهد في كل صلاة أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، لا يمكن أن تكتب كلمة باطل‘ هي للشهيد سيّد قطب رحمه الله، مؤلف سلسلة في ظلال القرآن (والتي يعتبرها الكثيرون من تفاسير القرآن الحديثة وإن يرفض الكثيرون أيضاً هذه التصنيف لها)، وتم إعدامه كعضو في جماعة الإخوان المسلمين. ما حدث هو أنه طُلب من سيّد قطب أن يكتب اعتذاراً لجمال عبدالناصر، فرفض سيّد قطب وقال كلمته المشهورة هذه، فهي ليست كلمة عمر المختار، بل كلمة سيد قطب الشهيرة. الرجل أُعْدِم بعد هذه الكلمة، ويريدون أن يسرقوها منه!
حتى تاريخ الإخوان المشرف بيحاولوا يسرقوه من الإخوان. يا ساتر يا رب!

قال صديق لي: ممكن الاتنين يكونوا قالوا كده؟
قُلت: سيّد قطب مكنش راجل يسرق كلمة من شخصية تاريخية ويخلي الناس تفتكر إنها بتاعته؛ ده كان كاتب محترف. ومكنش محتاج لحاجة زي دي أصلاً إذا كان كتب سلسلة كاملة عن القرآن وهوه في السجن. وبعدين هوه عُمر المختار كان ح"يكتب" للمجاهدين برضو يا صاحبي، ولّا حيروح يقف يخطب فيهم بنفسه؟


—ياسين رُكَّه

لماذا أرفض مصطلح ’إسلاميين‘ قلباً وقالباً؟

Not Islamist but Muslim or Islamic’إسلاميون‘…أرفض هذا المصطلح، بل وأكرهه وأظنه مصطلحاً خبيثاً. لأنه من الأصل ليس مصطلحاً اخترعناه أو ابتدعناه نحن العرب أو نحن المسلمون ذوي المرجعية الإسلامية، بل لقد ابتدعه العَالَمَانيون ثم أشهره الإعلام الغربي الخبيث كي يتيح لنفسه سبّ المسلمين المتدينين كما يشاء، وهو مصطلح دخيل حتى على اللغة الإنجليزية:
Islamists

كلمة "إسلامي" لا يصح أن تُستخدم للإشارة إلى أفراد أبداً، مهما كان فِكرهم أو مرجعيتهم؛ لأن الكلمة تُستخدم للإشارة إلى كل ما هو لا شخصي، مثل مؤسسة أو فكرة وهكذا. أما مع الشخص أو الفرد فنقول ’مسلم‘.

وحتى عندما نشير إلى مؤسسة إسلامية باللغة الإنجليزية، نقول:
Islamic organization

لا نقول أبداً:
Islamist organization

وكلمة ’إسلاميين‘ هذه أتاحت للآلاف من المسلمين أن يسبّوا في ’الإسلامي‘ كيفما يشاءون، وعندما تتعجب منهم أو تناقشهم في سلوكهم الغريب، يقولون لك أنهم مسلمين ومن يسبونه منافق، وليس مسلم بل ’إسلامي يتاجر بالدين‘ أو ’متأسْلِم‘ وإلى آخره من المنطق الفاسد ومن وشواهد غسيل المخ، وكأنهم دخلوا قلوب هؤلاء السياسيين ذوي المرجعية الإسلامية فعرفوا فيهم النفاق يقيناً!

وهذا أيضاً هو السبب الرئيسي لااستخدام وإشهار الغرب للمصطلح الدخيل البغيض:
Islamist
إنه يتيح لهم السخرية من ’الإسلامي‘ أو التحذير من مخاطره الشديدة، فيقومون بالقنص اللغوي الإعلامي تحت ستار المصطلح، ويصعب عليك أن تتهمهم بالإسلامُوفُوبْيا أو كراهية الإسلام لأنهم سيقولون لك نفس ما يقوله بعض المسلمين—أو المحسوبين على المسلمين—ممن يسبون ال’إسلاميين‘: أنهم لا يتحدثون عن المسلمين المتوسطين المعتدلين، وإنما عن ال’إسلاميين‘ الأصوليين المتشديين الرجعيين ال...ال...

أما عن سبب ابتداع الغرب للمصطلح، فإني أرى أن هذه تبعيات فكرهم العَالَمَاني، واقتناعهم بأنه لا يصح للدين بأن يتدخل في السياسة أو القانون، فأحسوا بالحاجة إلى إعطاء المسلم الملتزم الذي يسعى لتطبيق الإسلام في السياسة مسماً يفرّقه عن بقية المسلمين؛ فهو في نظرهم ليس مسلماً ملتزماً يريد أن يُحكّم الله على نفسه وعلى المجتمع باستخدام القوانين الإسلامية في إدارة المجتمع، ليس مسلماً متديناً يرى أن الإسلام ليس أسلوب عبادة بل أسلوب حياة وبالتالي هو جزء لا يتجزأ من حياة المجتمع، أي جزء لا يتجزأ من القوانين التي تدير المجتمع، أي جزء لا يتجزأ من السياسة، حتى لا تصبح السياسة ’لعبة قذرة‘ كما يعرفها الغربيون؛ لا، الغربي العَالَمَاني لا ينظر إلى السياسي المسلم الملتزم بهذه الطريقة، بل ينظر إليه على أنه خطر (وبالفعل الإسلام خطر على العَالَمَانية كما أن العَالَمَانية خطر على الإسلام)، ويستحق مصطلحاً يفرّق هذا المسلم عن بقية المسلمين تماماً، مصطلحاً يمكن بسهولة تحويله إلى مصطلح ازدرائي. كما هو الحال اليوم.

إن لم تقتنع تماماً بما ذكرته، فأسأل الله أن أكون على الأقل قد دعوتك إلى مراجعة فكرك عن هذا المصطلح. وأؤكد أني أحب ديني وأؤمن بشريعة ديني وأدافع عن الأحزاب الإسلامية والمرشحين ذوي المرجعية الإسلامية كلما استطعت ووجدت أن الحق والشواهد والأدلة ستكون معي. وأريدك أن تعلم أني إذا أردت أن أشير إلى شخص منتمي إلى حزب إسلامي أو إلى الفِكر الإسلامي، فإني أقول مثلاً ’المرشح الإسلامي المرجعية‘، ’النائب ذو المرجعية الإسلامية‘، أو ’السياسي المسلم الملتزم‘.

—ياسين رُكَّه

الأربعاء، أبريل 11

الشريعة والدستور

Shariah and Dustoor Summarized

الشريعة والدستور: مقارنة، المادة ٢، هوية الدولة، وجدول بياني مبسّط للقضية

’الشريعة‘ كلمة مرادفة لكلمة ’الدستور‘. والدستور هو منظومة أو مجموعة منظمة من المبادئ الأساسية والقواعد (القوانين) التي بموجبها تُحكم دولة، أمّة، شركة، أو ما شابه ذلك. أي أن الدستور، عند الدول العَالَمَانية والأمم غير المسلمة، هو الشريعة عند المسلمين.

المادة ٢ من الدستور المصري، حتى تاريخ ١١ إبريل ٢٠١٢، تنص على أن ’الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‘. هناك القليل من الأقباط وبعض الليبراليين والعَالَمَانيين ممن يريدون أن يتلاعبوا لفظياً في هذه المادة، وهم يظنون—عن جهل، مثلهم مثل الكثير من المسلمين قليلي الوعي، أن هذه المادة مفيدة للمسلمين على صيغتها الحالية؛ وهؤلاء—في رأيي—مساكين، لأنهم إن عرفوا الحقيقة، لوفروا وقتهم وجهدهم، وأدركوا أن المادة بصيغتها الحالية رمزية فقط ولا تعني شيئاً على الإطلاق بالنسبة إلى عُمق الهوية الإسلامية، وبالتالي لضحكوا وفرحوا، ثم لانضموا إلى النخبة التي تؤكد للشعب أن هوية مِصْر سياسياً وقانونياً بالفعل إسلامية—وهو تضليل ووهم كاذب.

وكي نفهم مشكلة المسلمين ذوي الوعي مع صيغة هذه المادة، ونفهم أهمية تطبيق الشريعة الإسلامية، وفقط للتسهيل والتبسيط، سوف نقسم الدستور أو الشريعة إلى ثلاثة أقسام، وسنسميهم جزافاً: الأساس، والقواعد، والحماية. ومرة أخرى، هذا ليس تقسيم أكاديمي قانوني، وإنما تقسيم مبسّط لشرح القضية الشديدة الأهمية.

الأساس يتمثل فيما يُطلق عليه اسم أو مصطلح ال’مبادئ‘. في العلوم الإسلامية، لا يوجد أصلاً شيء اسمه ’مبادئ الشريعة‘! تخيل؟! المادة ٢ تشير إلى شيء لا وجود له من الأصل. إذن فما الذي كان يعنيه من صاغ وشرع هذه المادة عندما أشار إلى ’مبادئ الشريعة الإسلامية‘؟ هو كان يشير إلى المبادئ الأساسية العامة للإسلام، وأمثلتها هي حفظ النفس، وحفظ المال، والمساواة وإلى آخره. أي أن المادة ٢ تشير إلى مجموعة المبادئ العامة، التي تتفق عليها كل أديان الأرض، بل وحتى المجتمعات اللا دينية، وهي ببساطة المبادئ الإنسانية. وبالتالي، المبادئ المستخدمة لا تعطي هوية إسلامية مميزة، بل تعطي هوية إنسانية؛ بدونها لا نصبح آدميين من الأصل—دعك من مسلمين.

أما القواعد فتتمثل في مجموعة القوانين التي تحكم الدولة باستثناء القوانين المتعلقة بالجرائم. أي القواعد المتبعة هي ببساطة ’قانون الدولة‘، والمصطلح الإسلامي لها هو ’الأحكام‘. أمثلة للقوانين الوضعية في الدولة العَالَمَانية هي قانون الطوارئ والقانون التجاري وإلى آخره. أمثلة لأحكام الشريعة في الدولة الإسلامية هي تحريم الربا أو حظر التعامل بالفوائد في المعاملات المالية، وحظر بيع الخمر، وعدم حظر المواطنين من البيات في أي مسجد بصورة مؤقتة.

أما الحماية فهي متمثلة في قانون العقوبات، والمصطلح الإسلامي لها هو ’الحدود‘. أي أن قانون العقوبات أو الحدود هي التي تتعامل مع الجرائم والمجرمين في المجتمع. أمثلة من قانون العقوبات الوضعي في الدولة العَالَمَانية هي السجن والإعدام. أمثلة من الحدود في الشريعة الإسلامية هي الجلد والرجم.

الدستور المصري الحالي يستخدم المبادئ الإنسانية العالمية، والتي تتفق مع مبادئ الإسلام بالتأكيد، كأساس. ولكن في نفس الوقت، الدستور الحالي هو دستور وضعي عَالَمَاني المرجعية وفرنسي الأصل، فالأحكام الإسلامية لا يطبق منها إلا أقل القليل، والحدود الإسلامية لا تطبق على الإطلاق. المبادئ هي أشبه بأساس المبنى أو العمارة. قانون الدولة أو الأحكام هي أشبه بالبيت أو المبنى نفسه الذي يُبنى على الأساس. أما قانون العقوبات أو الحدود فهي أشبه بالسُور الذي يُقام حول المبنى لحمايته.

الأساس تحت الأرض، والسور يكاد يُخفي ما خلفه، والاثنين حجمهما صغير مقارنة بالمبنى نفسه، الذي يُعتبر الهيكل والكُتلة الأساسية في هذه الصورة؛ وبناءً عليه، فهوية الدولة لا يمكن أن تتمثل في المبادئ—التي لن تميزها عن أي دولة أخرى، ولا تتمثل في الحدود أو العقوبات—التي لا تُستخدم كثيراً من الأصل في مجتمع سليم وعادل، وإنما تتمثل هوية الدولة في الأحكام والقوانين الرئيسية! وبناءً على هذا، يمكننا بسهولة استنتاج أن هوية دولة مِصْر السياسية والقانونية ليست إسلامية على الإطلاق، بل هي هوية عالَمَانية غربية؛ وقبل أن يحتج أي شخص لا يقرأ بدقة، نضيف أن هوية مصر الاجتماعية هي هوية إسلامية، ولكنها تُقمع، وتتآكل عاماً بعد عام تحت سُلطان الهوية السياسية الغير إسلامية وإجبار الهوية القانونية العَالَمَانية.

ما ألاحظه هو أن أغلب المسلمين المعتدلين لا يسعون إلى تطبيق الحدود الإسلامية فوراً في ظل الفقر المتفشي والجهل العام بالدين في المجتمع (ولنا في إرجاء عمر بن الخطاب لحدّ السرقة عام المجاعة عبرة)، [ملحوظة: بعد كتابتي لهذه المقالة أو البحث القصير بأكثر من عام، اكتشفت أن هذا الفِكر، والذي يتلخص في التطبيق المتدرج للشريعة الإسلامية، هو فكر فاسد ولا يجوز لأي مسلم، بالذات العامل في السياسة، أن يؤمن به أو يعمل به؛ بل إن ما حدث للحكومة الإسلامية في مصر بأغلبية من الإخوان المسلمين ورئاسة الدكتور محمد مُرسي، من خيانة قيادات العسكر للحكومة والشرعية، والانقلاب على الحكومة المنتخبة بالأغلبية، كل هذا قد يكون سببه هو فساد العمل السياسي في تلك الفترة بهذا التدرج الذي يهين شريعة الله ويبدلها بقوانين وضعية، ولو ليوم واحد. نعم، كان هناك تآمر ومكائد وخيانة، ولكن الله كان ليدافع عن المشروع الإسلامي بكيده هو إن كنا نستحق؛ ولكن الهزيمة جاءت بذنوبنا: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}—آل عمران: ٦٥. راجع سلسلة فيديو بعنوان ’نصرةً للشريعة‘ للدكتور إياد قنيبي لمعرفة كل التفاصيل الفقهية والأدلة على كل هذا الكلام؛ جزاه الله عنا وعن الإسلام خيراً. والآن مع بقية مقالتي].

ولكن ما يتفق عليه كل المسلمين ذوي الوعي والغيورين على دينهم، باختلاف مدارسهم الفِكرية، هو أنه لا تنازلات أبداً في مسألة تطبيق أحكام الإسلام أو القانون الإسلامي، وأن من يحاول أن يتحايل عليهم بمسألة المادة ٢ والمبادئ المُشار إليها، هو إما لا يفهم الحقائق التي ذكرتها، أو يفهمها جيداً ويتعمّد إضلال المسلمين وخديعتهم.

بالرغم من أن كلمتي الدستور والشريعة مترادفتان في المعنى، إلا أنهما بالتأكيد مختلفتان—بل وأحياناً متضادتان—في المضمون. وبناءً عليه فإننا كمسلمين لا زلنا نقول أننا نريد تطبيق أحكام الشريعة كجزء من ال’دستور‘، ويجب أن نظل نشير إليه كدستور حتى اليوم الذي يسود فيه العدل الاجتماعي والرخاء، ويقل الفساد بشدة، فنطبق الحدود أيضاً؛ [مرة أخرى، قم بشطب جملة تؤيد الفكر الفاسد المعروف بتدرج تطبيق الشريعة] وبهذا يكتمل الدستور بالمبادئ والأحكام والحدود الإسلامية، فيصبح ’شريعة‘.

ومن هذا المعنى نقول أن أهمية الدستور عند العَالَمَانيين، ومن على شاكلتهم، هي إعطاء التمكّن والتحكّم للنُخبة والصفوة؛ أما أهمية الشريعة فهي تسليم التمكّن والتحكّم إلى الله، كي لا يحكمنا النُخبة بقوانينهم بل يحكمنا الله بشرائعه. وأهمية الجزء الذي نسميه جزافاً قانون الدولة هو تحكيم النظام السياسي القانوني التابع للنُخبة والنابع منهم، سواءً أكان نظامهم اشتراكي بالأمس، عَالَمَاني اليوم، أو ليبرالي غداً؛ أما أهمية أحكام الشريعة فهي تحكيم الإسلام، أو دين الله الذي لا تتغير ثوابته أبداً، ويظل متأقلماً ومتكيفاً مع أي زمان ومكان. وأهمية قانون العقوبات الوضعي هي حماية مجتمع غير مسلم أو مجتمع لم يَحْسُن إسلامُه ولم يتمتع بالعدالة بعد؛ أما أهمية حدود الإسلام فهي حماية مجتمع مسلم يتمتع بالعدالة، وحَسُنَ إسلامه.

باختصار، الإسلام قانونه الشريعة، والنظام الوضعي قانونه الدستور. الإسلام فيه مبادئ وأحكام وحدود، وما غير الإسلام فيه مبادئ وقوانين وعقوبات. الدنيا كلها تتفق على المبادئ، وتختلف في القوانين أو الأحكام، والعقوبات أو الحدود. مصر اليوم لا تطبق غير المبادئ الإنسانية المتفق عليها، وأقل القليل من الأحكام الإسلامية، والباقي قوانين وضعية عَالَمَانية تمثل الأغلبية المطلقة من الدستور. من يقول بغير هذا هو إما قليل الوعي أو مخادع يقصد تضليل وخديعة المسلمين. هوية الدولة لا يمكن أن تأتي من المبادئ أو العقوبات، بل من منظومة الأحكام والقوانين التي تدير شئون المجتمع والدولة. الدولة اجتماعياً مسلمة، ولكنها لا تكون سياسياً وقانونياً مسلمة إلا بتطبيق أحكام الإسلام. الأنظمة الوضعية بطبيعتها تزاحم الإسلام، ولهذا فالهوية الاجتماعية المسلمة لن تَسْلم من التآكل ومن قمع الهوية السياسية الأجنبية إلا بالأخذ بأحكام الإسلام بدلاً من القانون الوضعي. ومن أهم ما نطلبه ونحتاجه اليوم بشدة، ونسعى لتحقيقه بالنقاش الموضوعي والحُجَّة والاتفاق بين جميع طوائف الشعب—بما فيهم الأقليات عدداً، هو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فعلياً وكلِّياً، وتغيير المادة ٢ كي تنص على أن ’أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع‘، وما لا تغطيه الأحكام—مثل قوانين المرور—يقع تحت بند ’أنتم أعلم بأمر دنياكم‘ فنستنبطه ونديره تكنوقراطياً بالمنهج العلمي ذي المرجعية الإسلامية. مرجعيتنا دائماً الإسلام، وإن خرج أمر الدنيا من الأحكام.

—ياسين رُكَّه

المصادر: بحث ’تنبيه الجميع لمعنى قولهم مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‘ للشيخ أبي عبد القدير القمري، وسلسلة فيديو بعنوان ’نصرةً للشريعة‘ للدكتور إياد قنيبي، والمقالات والخطابات والندوات المتاحة للكثير من علماء الأمة.

قضية المساس بالمادة الثانية من الدستور المصري

د.أبو الفتوح: ’لا يوجد بمصر عَلَمَانيين متطرفين، ولا إسلاميين متطرفين، ولا يساريين متطرفين؛ والشعب المصري لا يوجد به من يريد أن يمس المادة الثانية بالدستور أو غيرها، فلنكف عن اصطناع المعارك الوهمية.‘—د.أبو الفتوح، هندسة المطرية، جامعة حلوان.

تعليقي:
’يوجد من يريد أن يمس المادة ٢ يا د. أبو الفتوح، ومن المسلمين المعتدلين، ولكن أيضاً المثقفين الواعيين. المادة ٢ تشير إلى "مبادئ" الشريعة الإسلامية، وهذه المبادئ ما هي ببساطة إلا المبادئ الإنسانية التتي تتفق عليها كل الأديان بل والأنظمة اللا دينية. يعني هذه المادة ليس لها اليوم أي علاقة بال"هوية" الإسلامية، بل هي الهوية الإنسانية لنا جميعاً. هذه المادة لا تعني شيئاً للمسلم الواعي والمعتدل، لأننا نحتاج وبشدة إلى ال"أحكام"، أو ببساطة إلى القانون الإسلامي الذي لا نعمل به إلا أقل أقل القليل. وليس المقصود الحدود أو قانون العقوبات، لا، فلنتركه كما هو اليوم. بل المقصود الأحكام أو قانون الإسلام.‘—ياسين رُكَّه

متى يكون الليبرالي عدواً للمسلمين؟

كتاب العقلية الليبرالية، بقلم عبد العزيز الطريفي

مش مخداعة إنُّه يكون ليبرالي؛ المخادعة هوه إنه يكون ليبرالي ويعمل نفسه مسلم مخلص، لإن مفيش حاجة اسمها مسلم ليبرالي؛ هوه يا إمّا مُسلِم، يا إمّا ليبرالي.

مش غش إنَّه يكون ليبرالي؛ الغش هوه إنُّه يكون ليبرالي ويبيعلنا الليبرالية على إنها إسلام!

مش تضليل إنُّه يكون ليبرالي؛ التضليل والجهل والكذب هوّه إنُّه يكون ليبرالي ويحاول يقنعك إن الليبرالمانية ممكن تتعايش مع الإسلام بسلام في دولة واحدة مسلمة.

مش عداوة إنُّه يكون ليبرالي؛ العداوة هيّه إنُّه يكون ليبرالي ويستخبّى تحت ستار هويته كمسلم مزعوم ويسمح لنفسه يتهم مسلمين بإنهم متأسلمين أو يسمّيهم ’إسلاميين‘ ويبتدي يتهمهم بالنفاق ويسبّ ويلعن براحته، وكإنه فعلاً مُسلم وهوه بيشنّع في غيره من المسلمين. الرسول (ص) قال في الحديث الصحيح: ’المسلم من سَلم المسلمون من لسانه ويده‘. فقبل ما أي حدّ يسبّ مسلمين—سواء إخوان أو سلفيين أو غيرهم، لازم الأوّل يخرجهم من ملّة الإسلام عشان ميكونوش مسلمين وبعدين يأذيهم بلسانه زي ما هوه عايز، وإلا هوه نفسه يخرج من جماعة المسلمين ولا يكون مسلماً بشهادة الرسول (ص) نفسه في الحديث الصحيح!

اللي عايز يكون ليبرالي هوّه حُرّ؛ اللي مقتنع ومُعجب بالفِكر والمرجعية الليبرالية هوّه حُرّ؛ لكن طُول ما هوّه في دولة بأغلبية مسلمة، أو ببساطة دولة مسلمة، لازم يحترم مرجعية ودين الأغلبية، ولازم يكون صادق مع نفسه ومعانا كمسلمين، ولازم ميرددش الكلام بتاعه على إنه إسلام، وإلا أصبح مخادع غشاش كذاب مُضَلّل وعدو فِكري إعلامي للإسلام والمسلمين—يعني يبقى بيننا وبينه ’حرب باردة‘. وجهل المسلم اللي بيردد كلام ليبرالي وهوّه مش قاصد يكون ليبرالي، وفاكر كلامه موجود في الإسلام، مش عُذر أبداً لإنه ينضم لفريق الليبراليين ويشارك في التضليل ونشر الجهل معاهم، لإنه حتى لو هوّه صادق في عدم تعمده إنّه يكون ليبرالي، مينفعش نعترف بالعذر ده وإلا كلّ الليبراليين اللي قاصدين الخديعة والتضليل يستخدموه همّه كمان؛ ولّا إيه؟ اتعلم دينك كويس، وخُد بالك انت بتبرطم بتقول إيه؛ اسأل واتأكد كذا مرة قبل ما تردد كلام سمعته أو قريته في مقالة في جريدة حكومية أو من مصدر مشبوه أو حتى من واحد بيسمّوه ’مُفَكِّر إسلامي‘، عشان بعضهم أهو عمّالين ينكشفوا على حقيقتهم بتهميش قضايا زي الشريعة أو القانون الإسلامي، والتفلسف بأهمية الديمقراطية والعدالة والحرية على حساب ديننا. الجهل…مش عذر إنهارده، لإنك تقدر تعرف الحق بكام ضغطة زرار على الإنترنت.

ومرة تانية، اللي عايز يكون ليبرالي هوّه حُرّ: ’لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ‘ و’لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ‘. لكن احذر من النفاق أو الغش أو التضليل اللي ذكرته، لإنك لو نجحت في خداع الكثير بيه، فالقليل لسّه صاحي وحيكشفك على حقيقتك بالحُجّة والأدلة، وحيبقى شكلك وحش وحيتعلّم عليك كعدو للمسلمين، في حرب فِكرية إعلامية باردة. ولو فيه واحد من الشباب المقدام من نوعية اللي بيقرأ كلام سيّد قطب فيستخدمه عشان يكفّر بيه الناس، فإياك تظن إني تبعك! أنا لا أكفر أي شخص كائناً من كان إلا الذي جاهر بالكفر الصريح؛ وكل المقصود من العداوة الفكرية للمسلمين، وإن فيه حرب فكرية باردة بيننا وبين الليبراليين هوّه إنهم بيخرجوا عن الجماعة، جماعة المسلمين ككل، ولكن لا نخرجهم أبدا من الملة! زي اللي بتتبرّى عائلته منه كده، هل بيهدروا دمه كمان أو يروحوا يموّتوه؟ أكيد لأه، وإنما بيتبرّوا منه لغاية مايعود إلى رشده. يعني ممكن يبعدوه عنهم، لا يعتدوا بكلامه ولا يثقوا في شهادته، ولا يزوجوه منهم، وهكذا؛ ولكن لا تكفير أبداً، ويظل آمن ومُصان الحقوق الإنسانية وسطنا كمسلمين.

—ياسين رُكَّه

حقوق النشر والطبع الربحي محفوظة © ٢٠١٢ ياسين رُكَّه. مرر هذا المقال وشارك غيرك فيه لأي غرض غير ربحي.

روابط متعلقة:

وُعود أبو الفتوح الرئاسية

أراد د. عبد المنعم أبو الفتوح أن يكون أول مرشح يقوم بخطوة مجازفة في مثل هذه الجدية، وهو شيء جدير بالذكر والاحترام. إن كان صادقاً ودارياً دراية كافية بما يعد به، كان الله في عونه؛ فإن لم يكن، فأسأل الله أن يولّي علينا أصلحنا.

فليسجل التاريخ...وعود أبو الفتوح.

د. عبد المنعم أبو الفتوح أول مرشح يقدم تعهدات ووعود رئاسية:

١. فرض هيبة القانون وتحقيق الأمن الداخلي للمواطنين والوطن خلال أول ١٠٠ يوم.

٢. الغاء المحاكمات العسكرية وإعادة محاكمة كل مدني تمت محاكمته امام محكمة عسكرية او استثنائية.

٣. الإلتزام بالشريعة الإسلامية فيما يقترح من قوانين أو ما يتخذ من قرارات للحفاظ على مقاصدها وروحها ووسطيتها.

٤. الإلتزام بجعل الجيش المصري أقوى جيش في المنطقة مع ضمان بقائه جيشا مهنيا محترفا محافظا على حدود الدولة من التهديدات الخارجية وبعيدا عن التجاذبات السياسية والحزبية وخاضعا للسلطة المنتخبة.

٥. اختيار نائب لرئيس الجمهورية من الشباب دون ٤٥ سنة، والالتزام بأن يكون ٥٠% على الأقل من شاغلي المناصب العليا التنفيذية في الدولة من الشباب بنهاية الفترة الرئاسية على أن يكون التعيين وفقا لقواعد شفافة مبنية على الكفاءة والنزاهة والمساواة.

٦. إجراء الانتخابات المحلية للقيادات التنفيذية، ومجالسها الشعبية، بحد أقصى نهاية عام ٢٠١٢ وإصدار ما يستلزمه ذلك من قوانين وتشريعات تسمح بانتخاب المحافظين والعمد ورؤساء المدن والأحياء وتحقيق الديمقراطية التشاركية.

٧. صرف إعانة بطالة بداية من العام الثاني لفترة الرئاسة وفق معايير عادلة وشفافة.

٨. الإلتزام بحد أدنى للدخل للمصريين بما فيهم ذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين والنساء المعيلات وكذلك الإلتزام بحد أدنى وأقصى للأجر للعاملين بالجهاز الحكومي.

٩. إقامة صندوق مخاطر للفلاحين والإسقاط التدريجي لديون الفلاحين المتعثرين لدى بنك التنمية والإئتمان الزراعي.

١٠. وضع قواعد واضحة لتملك الأراضي الجديدة على أن تكون أولوية التملك للمصريين، وخاصة الشباب في الزراعة والإسكان مع تفعيل أشكال الملكية المختلفة مثل التعاونيات وغيرها.

١١. الوصول إلى توفير ٧٠% على الأقل سنويا من احتياجات البلاد للقمح من الانتاج المحلي، بزيادة انتاجية الفدان والتوسع في زراعته في إطار خطة متدرجة على أربع سنوات.

١٢. زيادة الإنفاق على الخدمات الصحية ليصل إلى ١٥% من إجمالى الموازنه للدولة خلال اربع سنوات مع الإلتزام بتحسين الخدمة الصحية المقدمة لكل أفراد الشعب المصري، ووضع نظام للرعاية الصحية يشمل جميع المصريين بنهاية الفترة الرئاسية.

١٣. تكليف القوى العاملة قبل نهاية ٢٠١٢ بمراجعة شاملة لأوضاع القطاعين العام والخاص والهيئات والقطاعات الحكومية والعامة، للتأكد من حصولهم على حقوقهم كاملة ووضع خطة زمنية واضحة لتصحيح أوضاعهم.

١٤. زيادة مخصصات التعليم لتصل إلى ٢٥% من الموازنة العامة للدولة خلال اربع سنوات، وضمان تعليم مجاني ملتزم بمعايير الجودة ومتاح للجميع، مع إعطاء الأولوية لتحسين أحوال القائمين على العملية التعليمية مهنيا ومعيشيا.

١٥. إنشاء صندوق تمويلي للمنح الدراسية العليا (الماجستير والدكتوراه) في التخصصات العلمية في أرقى جامعات الخارج للحصول على ١٠٠٠ شهادة عليا سنويا.

١٦. محو أمية من هم دون الأربعين عاما بنهاية الفترة الرئاسية، وذلك بتفعيل طاقات الشباب في هذا المجال.

١٧. رفع حد الإإعفاء االضريبي وتخفيض تعريفة الضرائب لشرائح الدخل المنخفض.

١٨. زيادة استثمارت الدولة في المناطق الحدودية من النوبة وحلايب وشلاتبن وسيناء وسيوة.

١٩. إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة ومكافحة التمييز بأشكاله المختلفة وخلق الإطار القانونيى والإداري الذي يضمن استقلاليتها وفعاليتها.

٢٠. إنشاء مجلس قومي لذوي الإعاقة يقوم على رعايتهم ويحفظ حقوقهم ويقيم أداء الجهات التنفيذيه في التعامل معهم.

الثلاثاء، أبريل 10

المسلم الليبرالي المزعوم ومعاداة الإخوان بدون معاداة الإسلام

قال لي أحد الإخوة: ’أنا لا أحارب الإسلام وشريعته، بل أحارب الإخوان والسلفيين فقط.‘

سألته: ’إذن، فأنت بالتأكيد تؤيد الليبراليين والعَالَمَانيين من النُخبة؟‘

قال: ’نعم، إنهم متوسطون وليسوا متشددين أو منافقين.‘

قلت: ’أولاً، الحُكم بنفاق أهل الأحزاب الإسلامية كلهم وصدق الليبراليين هو ضرب من التخمين والتنجيم؛ وأنت نفسك لن تقبل أن أحكم أنا على نواياك أو نفاقك من عدمه. فلماذا تقبل على غيرك ما ترفضه على نفسك؟ وإذا كان الموضوع موضوع أفعال وشواهد، فكل ما يُشاع هذه الأيام عن الأحزاب الإسلامية له رد؛ فمثلاً، الإخوان لم يخالفوا 'عهوداً'، بل إنهم لم يعطوا عهوداً على الإطلاق من الأصل، وإنما كان عندهم قرارات سياسية محددة لفترة أو مرحلة سياسية محددة، ثم غيروها بتغير الظروف، وهذا شيء تفعله كل الأحزاب السياسية في مختلف أنحاء العالم. أي أن المدّعين هم من حوّلوا 'قرارات المرحلة' إلى 'عهود'، بقدرة قادر وعلى مزاجهم. يعني، يكذبون على الأحزاب الإسلامية ويغالطون في المعاني والألفاظ، ثم يستخدمون أكاذيبهم في الاتهامات! وهناك أمثلة تكاد لا تُحصى على هذا، مثل التصريحات التي تم تلفيقها لنادر بكّار كذباً وهو كذبها بنفسه بعد ذلك؛ والحساب المزوّر لنائبة البرلمان، عزّة الجرف، الذي نَشَر كذباً—وكأنه على لسانها—تصريحاتاً عن الختان وإلغاء قانون التحرش الجنسي وتخاريفاً أخرى، ثم أعلنت بعدها عزة نفسها أنه لا يوجد لديها حساب على «تويتر» من الأصل في تاريخه؛ ومثل الحساب المزور والأكاذيب التي نُسبت إلى الشيخ حازم شومان، مثلاً أنه أصدر فتوى بأن التصويت لحازم أبو اسماعيل ’جهاد في سبيل الله‘، ثم أعلن الشيخ حازم شومان نفسه أن ليس له حساب على تويتر أو فيسبوك في تاريخه. وهذه فقط أمثلة قليلة من مئات من المغالطات والأكاذيب التي يتداولها بعض الناس عن الأحزاب الإسلامية وكل ذي مرجعية إسلامية من السياسيين.

ثانياً، هناك فرق كبير بين النقد الموضوعي البنّاء لبعض أخطاء الإخوان والسلفيين—وأنت تؤيدهم وتدعو لهم بالهداية والنجاح، وهم ليسوا فوق النقد بالتأكيد لأن كلّ يؤخذ منه ويُرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم؛ هناك فرق بين الاختلاف مع السلفيين في بعض الأمور والاختلاف مع الإخوان في بعض القرارات والأمور—وأنت تحبهم كإخوانك في الدين؛ وبين معاداة وكراهية السلفيين، وسبّ ولعن وشتم ومحاربة الإخوان. شتّان بين هذا السلوك وذاك العداء.

ثالثاً، قال الشَعْراوي والغَزَالي والمُقدّم وغيرهم أن العَالَمَانية عدو الإسلام، وقال المستشرقون والباحثون الغربيون أن الإسلام عدو العَالَمَانية. أي أنه إما جهل، أو ضلال وتضليل أن يدّعي أحدهم أنه لا يعادي الإسلام بتأييده للعَالَمَانية كنظام للحُكم والتحكّم في المجتمع والدولة.

وتذكر مثال تحويل 'قرارات المرحلة' إلى 'عهود' لتدرك أن هذه الناس تتلاعب بالألفاظ والمصطلحات كي تمهد لنشر الأكاذيب والإعلام المُضلّل، فمثلاً بعد انتشار الوعي عن حقيقة العَالَمَانية، أتوا بمصطلح آخر خبيث بديل عنها وهو مصطلح 'المَدَنيّة'. فعندما يتحدث أحدهم عن المَدَنيّة، تذكر أن تقول إما جهراً أو في سرّك، 'آه، تقصد العَالَمَانية'. وإذا حاول أن يقنعك أن هناك فرق، العب لعبته، لعبة السِيمَانْتِكْس أو لعبة المعاني والمصطلحات، واشرح للحاضرين أو الآخرين الآتي: مدنية، يعني قانون مدني غربي، لا قانون إسلامي؛ ومرجعية ال'مبادئ' الإسلامية التي يتشدقون بها في المادة ٢ هي المبادئ الإنسانية التي يتفق عليها العالم كله وليست القوانين أو الأحكام الإسلامية نفسها، والتي لا دخل لها بال'حدود' أو قانون العقوبات؛ يعني هم يتفقون معنا في ال«مبادئ»، ولهذا يقولون لنا صراحة أنهم بالفعل يأخذون بمبادئ الإسلام، ولكن يختلفون معنا في ال«أحكام» ولهذا يريدون سراً وبخبث تطبيق قوانينهم المدنية لا أحكام الإسلام، ويختلفون أيضاً معنا في ال«حدود» ولهذا يريدون قانون العقوبات الخاص بهم لا حدود الإسلام، ونحن لا نهتم بالحدود في هذه المرحلة في ظل الفقر والجهل الشديد الذي نعيش فيه، ولكن لا تنازلات في الأحكام التي تجعل الله هو الحَكَم علينا؛ مبادئ، أحكام، حدود، اعرف الفرق؛ ومَدَنية، مدينة...عالَم، عَالَمَانية. العب غيرها.

والتشابه بين العَالَمَانية والليبرالية معلوم، لأن الليبرالية—مثل العَالَمَانية—لا تحتمل 'ظهور' الأديان بقوانينها وقواعدها (وهو منبع الفِكر والقول بأن الدين قضية شخصية فقط بين الفرد وإلهه)؛ والليبرالية لا تحتمل الهوية الدينية في الدولة، حيث أن الأديان تضع حداً على الحريات التي تؤثر على المجتمع سلباً من المنظور الرباني، في حين أن الليبرالية لا توافق على الكثير من هذه القواعد وتراها ضد مبدأ الحرية الشخصية. أي أن الليبرالية لا توافق دائماً على أن الكثير من التصرفات (أو الحريات الشخصية بلغتها) في الأماكن العامة، مثل التدخين وسلوك الشذوذ الجنسي، تؤثر سلباً على المجتمع. وتماماً مثل العَالَمَانية، تجعل الليبرالية تحديد القوانين المتعلقة بهذه الأمور في أيدي النخبة—فتتأخر بعض القوانين الضرورية، وليس في يد الخالق الحَكَم، الله وحده. وبالتالي، العَالَمَانية والليبرالية، اختلفت الدلالات اللفظية أو السِيمانْتِكْس، ولكنهما وجهان لعملة واحدة، وهي عملة المعارضة والمقاومة لمظاهر الدين وهيكله وكل شيء فيه عدا الشعائر التعبدية.

أي أن ما قاله الشعراوي والغزالي والمقدم ينطبق على الليبرالية كما انطبق على العَالَمَانية أو المَدَنيّة: هي أفكار وأنظمة معادية، محاربة، منازعة للإسلام في الوجود بطريقة مباشرة وعميقة.

وبناءً عليه، إن قلت لي أنك بمحاربتك للإخوان والسلفيين، لا تحارب الإسلام نفسه، لكان علينا أن نستنتج بالمنطق أنك بتأييدك ودعمك للليبراليين والعَالَمَانيين لا تؤيد أو تساعد لا الليبرالية ولا العَالَمَانية؛ وهو بالتأكيد ما لا يقبله العقل أو المنطق.

إنها مغالطة وتحايل لفظي خبيث أن يدّعي البعض أن بدعمهم لذوي الفِكر الليبرالي والعَالَمَاني هم لا يدعمون الليبرالية والعَالَمَانية نفسها كأنظمة سياسية على حساب الإسلام كنظام شامل متكامل—وليس فقط سياسي—لإدارة شئون الدولة المسلمة والمجتمع المسلم. وبناءً عليه، فهو أيضاً جهل أو غسيل مخ أو مغالطة وتحايل لفظي أن يدعي أحدهم أن بمحاربته للإخوان والسلفيين هو لا يحارب الإسلام نفسه. معلوم أن لا الإخوان ولا السلفيين ولا أي فرد أو جهة يمكنها أن تمثل الإسلام كله، ولكن السؤال الهام هنا هو: هل عندك اختيارات أخرى ذات مرجعية إسلامية على الساحة السياسية لوطنك؟ إن تركت حزباً إسلامياً لحزب آخر إسلامي، لقلنا أنك بالتأكيد تؤيد الإسلام؛ أما أن تترك كل الاختيارات الإسلامية وتختار حزباً ليبرالياً أو عَلَمَانياً ثم تُصرّ أنك لا تعادي الإسلام، فهو ما لا يقبله العقل أو المنطق بعد شرح النقاط السابقة. والزعم بأنه ليس خطأك لأن كل ذوي المرجعية الإسلامية على الساحة، من إخوان، مروراً بالسلفيين، وإلى أبو اسماعيل، ليسوا أهل ثقة وليسوا صالحين، هو حجة واهية وتحامل صريح على كل ما هو إسلامي المرجعية.

وانطلاقاً من تضاد الإسلام مع الأنظمة السياسية الوضعية، لا يوجد شيء اسمه 'مسلم ليبرالي' أو 'مسلم عَالَمَاني'؛ أنت إما مسلم أو عَالَمَاني، إما مسلم أو ليبرالي. الخلط بينهما إما جهل، أو ضلال، أو تضليل متعمّد. لأن الإسلام مثل الماء والهواء، إن دخله وتخلله وزاحمه شيء ليس ذا مرجعية ربّانية سماوية مؤكدة، لعكّره أو حوله إلى شيء آخر غير الماء أو الهواء. نحن كمسلمين مرجعيتنا الإسلام، ومرجعية الإسلام هي الله، وكلّ نظام أو فِكر ذي مرجعية غير الله مرجعيته بشرية وضعية من 'نخبة' ما، وهذه النخبة لا تريد في الأصل شيئاً سوى مزاحمة الله في حُكم الناس والأرض والتحكم في الدنيا. مهما حاولوا أن يقنعوك أن دينك به مساحة للترحيب بأنظمتهم وفِكرهم، فتذكر أنه كما لا يمكن لبشر أبداً أن يزاحم الله في الحُكم والتحكم، فلا يمكن لنظام بشري أبداً أن يزاحم نظاماً إلهياً في الحُكم والتحكم؛ لابد أن تصبح معركة، سواءً معركة عسكرية أو معركة فِكرية أيديولوجية إعلامية، ينتصر فيها المسلمون للنظام الإلهي ولدين الله، أو يخذل أغلب المسلمين دين الله فينتصر أعداء الله ومزاحموه بأنظمتهم مؤقتاً.

إن لم يكن عندك اختيارات إسلامية أخرى غير الإخوان والسلفيين، وما اخترته هو حزب أو فرد ذو فِكر ونظام غير إسلامي، فمنطقي أنك وقتها تحارب الإسلام وتُضعِف شوكته، وتدعم الأنظمة الأخرى على حسابه. قد تسأل متعجباً: 'وهل الآخرين ليسوا مسلمين؟' وردي هو: أخي، عجب العجاب هو أن تكذب شخصاً يجتهد في إثبات مرجعيته وانتمائه الإسلامي بانضمامه إلى حزب إسلامي وباتباعه للسنة والتحدث بلغة الإسلام والدعوة إلى إقامة شرائع الله، عجب العجاب هو أن تكذب هذا وتصدق شخصاً لا مظهره ولا مصطلحاته ولا مرجعيته ولا خططه السياسية توافق الإسلام بحقّ—بل وتعاديه كما وضحت وشرحت، وكل ما في الأمر هو أن هذا الشخص الآخر يدّعي أنه مسلم 'منفتح' أو 'وسطي'! هل من يريد للإسلام أن يحكم كاذب، ومن يريد للعَالَمَانية أو الليبرالية أن تحكم صادق؟ أي عقل يؤيد تلقائياً تكذيب الأول وتصديق الآخر؟ وحتى إن كان الآخر صادقاً في تأييده لنظام مزعوم، يجمع بين الإسلام والعَالَمَانية أو بين الإسلام والليبرالية، فقد وضحت أن هذا إما جهل، أو ضلال، أو تضليل متعمّد، لأنه لا يمكن لأي أنظمة وضعية أن تتعايش مع الإسلام، بل هي عمداً وبتصميمها وتفاصيلها تزاحم الإسلام مزاحمةً، وأصحاب هذه الأنظمة يشتهون مزاحمة الله في الحُكم والتحكّم.

اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.‘

—ياسين رُكَّه

التفريق بين الفرض والواجب، هل له أثر؟

التفريق بين الفرض والواجب، هل له أثر؟

منقول عن: عبد العزيز بن سعد، من ملتقى الله الحديث

أيها لإخوة،

نجد كثيرا من شراح متون الأصول يذكرون مسائل عويصة ولكن بلا بيان لثمرة الخلاف، ومن تلك المسائل مسألة التفريق بين الفرض والواجب، فقد كان كثير من الطلبة يظن أنها بلا ثمرة عملية، ولكن بعد البحث والنظر رأيت أن لها ثمرة، ولذا أحببت أن أتحف الإخوة بها وأرجو أن ينتفع بها الجميع. فإليكم البحث ولا تحرمونا من التعليقات والمناقشات.

الحمد لله أحق الحمد وأوفاه والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن معرفة الاصطلاحات المستخدمة من الأئمة طريق الوصول للفهم الصحيح لما يصدر عنهم من أقوال وفتاوى، وأكثر الأئمة المتقدمين لم يذكروا مصطلحاتهم ولذا اجتهد أهل العلم في بيان ما استعمله كل إمام من المصطلحات الفقهية والأصولية.

وتحرير المصطلحات أمر في غاية الأهمية، ولكم رأينا من ينسب إلى العلماء أقوالا لم يقولوها، وإنما فهمت من قول له، ولم ينص عليها نصا قاطعا. وقد يخطئ الباحث بتحميل مصطلحات متأخرة على أقوال المتقدمين قبل أن يشتهر ذلك المصطلح، وهذه المشكلة موجودة في علم مصطلح الحديث كإعلال الأئمة بالإرسال وحكمهم على الحديث بأن فيه علة، وبأنه ضعيف، أو المرفوع أصح ونحوها من العبارات المستخدمة من المصنفين، وقد لا تكون بالضرورة هي نفس المعرفة في كتب المصطلح المتأخرة كمقدمة ابن الصلاح وما بعده من المؤلفات.

كما أن المصطلحات الأصولية لها نصيب من الخلط والخطأ من قبل بعض الباحثين، فقد يقرأ باحث أن الإمام أحمد كره كذا فيحمله على الكراهة الاصطلاحية، أو قال بأن هذا الأمر سنة أو مستحب فيحمله على ما هو متعارف عليه اصطلاحا، وعند التدقيق وضم كلامه في المسألة الواحدة إلى بعض نرى أنه يقصد معنى آخر.

ومن المسائل الأصولية التي وقع فيها الخلاف بين أهل الأصول مسألة التفريق بين الفرض والواجب، وقد اشتهر أن الجمهور على أنهما واحد وأن الحنفية يفرقون بينهما، إلا أننا وجدنا أن الإمام أحمد يستخدم اللفظين فهل كان يفرق بينهما. ومتى يطلق على المأمور به فرض ومتى يقال واجب.

والمسألة وإن كانت تحتاج إلى استقراء تام ومثله يحتاج إلى وقت واسع، إلا أن محاولة الخروج بنتيجة في هذه المسألة ولو بالاطلاع على بعض المسائل قد يوصل إلى النتيجة الصحيحة، ومن الله أستمد العون والتوفيق.

وأما الدراسات السابقة في البحث في الفرق بين الفرض والواجب فلم أطلع إلا على رسالة للتباني، فقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون رسالة في الفرق بين الفرض العملي والواجب لجلال الدين رسولا بن أحمد التباني الحنفي المتوفى سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، ولا أعلم عن مكان هذه الرسالة وكونها مطبوعة أم لا. ثم رأيت بحثا لأحد المعاصرين بعنوان: الاختلاف في تباين أو ترادف الفرض والواجب – سببه وثمرته للدكتور ترحيب الدوسري، وهو منشور في مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها ج 18، عدد 30.

كما رأيت إشارة في كتاب التأسيس في أصول الفقه لصبري سلامة إلى كتاب للمؤلف سماه: نصب المجانيق لنسف التفريق بين الفرض والواجب. ولم أطلع عليه، وإن كان عنوانه ملفتا للنظر، ولا أعتقد أن الموضوع يحتاج إلى نصب للمجانيق ولا إلى نسف لأحد، والله المستعان.

وأما خطة البحث فقد قسمت البحث مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة:

فأما المقدمة فاشتملت على أهمية الموضوع والدراسات السابقة وخطة البحث ومنهج البحث. وأما الفصول فهي على النحو التالي:

1) الفصل الأول: التعريفات اللغوية للواجب والفرض، وتحته مباحث:

a) المبحث الأول: تعريف الواجب لغة

b) المبحث الثاني: المدلول اللغوي للفرض

i) المطلب الأول: تعريف الفرض لغة

ii) المطلب الثاني: الفرق بين فرض الله عليه، وفرض الله له

c) المبحث الثالث: الفرق اللغوي بين الفرض والواجب

2) الفصل الثاني: تعريف الواجب اصطلاحا، وتحته مباحث:

a) المبحث الأول: التعريف بالرسم، وفيه مطلبان:

i) المطلب الأول: أقوال الأصوليين في تعريف الواجب بالرسم، ببيان ثمرته وأثره من ثواب أو عقاب.

ii) المطلب الثاني: أقرب التعريفات بالرسم

b) المبحث الثاني: التعريف بالحد، وفيه مطلبان:

i) المطلب الأول: أقوال الأصوليين في تعريفه بالحد ببيان الحقيقة والماهية

ii) المطلب الثاني: أقرب التعريفات بالحد

3) الفصل الثالث: التفريق بين الفرض والواجب في اصطلاح علماء الأصول، وتحته مباحث:

a) المبحث الأول: القول بأن الفرض والواجب متفقان في الاصطلاح،

b) المبحث الثاني: التفريق بين الفرض والواجب، وتحته عدة مطالب:

i) المطلب الأول: القول بأنهما مختلفان في الاصطلاح

ii) المطلب الثاني: تحقيق قول أحمد في هذه المسألة

iii) المطلب الثالث: حجة من فرق بين الفرض والواجب

iv) المطلب الرابع: الفرق بين الفرض والواجب عند القائلين بالتفريق

v) المطلب الخامس: مناقشة الجمهور للحنفية

vi) المطلب السادس: الراجح من الأقوال

4) الفصل الرابع: مدى الاتفاق والاختلاف في المدلول الاصطلاحي للفرض والواجب، وتحته عدة مباحث:

a) المبحث الأول: وجه الاتفاق بين مفهومي الفرض والواجب

b) المبحث الثاني: أوجه الاختلاف وثمرة الخلاف،وتحته ثلاثة مطالب:

i) المطلب الأول: أوجه الاختلاف

ii) المطلب الثاني: الأثر الخلاف في الفروع الفقهية، وتحته عدة مسائل

(1) المسألة الأولى: سجود التلاوة

(2) المسألة الثانية: صلاة الوتر

(3) المسألة الثالثة: الأضحية

(4) المسألة الرابعة: بعض الأفعال والأقوال في الصلاة

iii) المطلب الثالث: هل التفريق مستعمل في كتب الجمهور

ثم ختمت البحث بخاتمة متضمنة أهم النتائج.

وقد حرصت في هذا البحث على الرجوع إلى المتخصصين في كل مسألة ترد، فالتعاريف اللغوية استقيتها من أهل اللغة، والمسائل الأصولية من أهل الأصول، وأهل كل مذهب من المنتسبين إليه، وهو مع ذلك جهد المقل، فأسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يعفو ويصفح عن خطئنا وعمدنا وهزلنا وجدنا وكل ذلك عندنا.

الفصل الأول:

التعريفات اللغوية للواجب والفرض

المبحث الأول: تعريف الواجب لغة

باستعراض ما قاله علماء اللغة نجد أن لكلمة وجب عدة مدلولات:

الأول: اللزوم والتأكيد، فقولهم: وَجَبَ الشيءُ يَجِبُ وُجوباً أَي لزمَ. وأَوجَبهُ هو، وأَوجَبَه اللّه، واسْتَوْجَبَه أَي اسْتَحَقَّه.

وفي الحديث: غُسْلُ الجُمُعةِ واجِبٌ على كل مُحْتَلِم. قال ابن الأَثير: قال الخَطَّابي: معناه وُجُوبُ الاخْتِيار الاسْتِحْبابِ، دون وُجُوب الفَرْض واللُّزوم؛ وإِنما شَبَّهَه بالواجب تأْكيداً، كما يقول الرجلُ لصاحبه: حَقُّكَ عليَّ واجبٌ.

وفي حديث عمر، رضي اللّه عنه: أَنه أَوجَبَ نَجِيباً أَي أَهْداه في حج أَو عمرة، كأَنه أَلزَمَ نفسه به. والنَّجِيبُ: من خيار الإِبل. ووجَبَ البيعُ يَجبُ جِبَةً، وأَوجَبْتُ البيعَ فوَجَبَ. وقال اللحياني: وَجَبَ البيعُ جِبَةً ووُجوباً، وقد أَوْجَبَ لك البيعَ وأَوْجَبهُ هو إِيجاباً؛ كلُّ ذلك عن اللحياني.

وأَوْجَبَه البيعَ مواجبة، ووِجاباً، عنه أَيضاً. وفي الحديث: إذا كان البَيْعُ عن خِيار فقد وجَبَ أَي تَمَّ ونَفَذ. يقال: وجب البيعُ يَجِبُ وجوباً، وأَوْجَبَه إِيجاباً أَي لَزِمَ وأَلْزَمَه.

والمُوجِبَة تَكون من الحَسَناتِ والسيئات. وفي الحديث: اللهم إِني أَسأَلك مُوجِبات رَحْمَتِك.

وأَوْجَبَ الرجلُ إذا عَمِلَ عَمَلاً يُوجِبُ له الجَنَّةَ أَو النارَ. وفي الحديث: مَنْ فعل كذا وكذا، فقد أَوْجَبَ أَي وَجَبَتْ له الجنةُ أَو النارُ. وفي الحديث: أَوْجَبَ طَلْحَةُ أَي عَمِل عَمَلاً أَوْجَبَ له الجنةَ.

وفي حديث مُعاذٍ: أَوْجَبَ ذو الثلاثة والاثنين أَي من قَدَّم ثلاثةً من الولد، أَو اثنين، وَجَبَت له الجنةُ.

وفي حديث طَلحة: كلمة سَمِعتُها من رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، مُوجِبةٌ لم أَسأَله عنها، فقال عمر: أَنا أَعلم ما هي: لا إِله إِلا اللّه، أَي كلمة أَوْجَبَتْ لقائلها الجنة، وجمعُها مُوجِباتٌ.

والمُوجِبةُ: الكبيرةُ من الذنوب التي يُسْتَوْجَبُ بها العذابُ؛ وفي الحديث: أَن قوماً أَتَوا النبي، صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: يا رسول اللّه، إِن صاحِباً لنا أَوْجَبَ أَي رَكِبَ خطيئةً اسْتَوْجَبَ بها النارَ، فقال: مُرُوه فلْيُعْتِقْ رَقَبَةً.

وفي الحديث: أَنه مَرَّ برجلين يَتَبايعانِ شاةً، فقال أَحدُهما: واللّه لا أَزِيدُ على كذا، وقال الآخر: واللّه لا أَنقُصُ من كذا، فقال: قد أَوْجَبَ أَحدُهما أَي حَنِثَ.

الثاني: الوُجُوبِ: السُّقوطُ والوقُوعُ. وقد يكون السقوط حسيا بالوقوع من علو إلى سفل، وقد يكون معنويا بمعنى الموت.

• فأما الأول: فتكون الوَجْبة هي السَّقطة مع الهَدَّة. وَوجَبَ وجْبة: سَقَط إِلى الأَرض؛ ليست الفَعْلة فيه للمرَّة الواحدة، إِنما هو مصدرُ كالوُجوب. ووَجَبَتِ الشمسُ وَجْباً، ووُجوباً: غابت، والأَوَّلُ عن ثعلب. وقوله تعالى: فإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها؛ قيل معناه سَقَطَتْ جُنُوبها إِلى الأَرض؛ وفي حديث الضحية: فلما وَجَبَتْ جُنُوبُها أَي سَقَطَتْ إِلى الأَرض، لأَن المستحب أَن تُنْحَرَ الإِبل قياماً مُعَقَّلةً.

وفي حديث سعيدٍ: لولا أَصْواتُ السافِرَة لسَمِعْتم وَجْبةَ الشمس أَي سُقُوطَها مع المَغيب. وفي حديث صِلَةَ: فإِذا بوَجْبةٍ وهي صَوت السُّقُوط.

• وأما الثاني، فالوجوب الموت، ففي الحديث: أَن النبي، صلى اللّه عليه وسلم، جاءَ يَعُودُ عبدَاللّه بنَ ثابتٍ، فوَجَدَه قد غُلِبَ، فاسْتَرْجَعَ، وقال: غُلِبْنا عليك يا أَبا الرَّبِيعِ، فصاحَ النساءُ وبَكَيْنَ، فَجعلَ ابنُ عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ؛ فقال رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم: دَعْهُنَّ، فإِذا وَجَبَ فلا تَبْكِيَنَّ باكيةٌ، فقال: ما الوُجوبُ؟ قال: إذا ماتَ.

الثالث: الوَجْبةُ: الأَكْلَة في اليوم والليلة. قال ثعلب: الوَجْبة أَكْلَةٌ في اليوم إِلى مثلها من الغَد؛ يقال: هو يأْكلُ الوَجْبَةَ. وقال اللحياني: هو يأْكل وَجْبةً؛ كلُّ ذلك مصدر، لأَنه ضَرْبٌ من الأَكل. يقال: فلانٌ يأْكل وَجْبَةً. وفي الحديث: كنت آكُلُ الوَجْبَة وأَنْجُو الوَقْعةَ؛ الوَجْبةُ: الأَكلةُ في اليوم والليلة، مرة واحدة. وفي حديث الحسن في كفَّارة اليمين: يُطْعِمُ عَشَرَةَ مساكين وَجْبةً واحدةً. وفي حديث خالد بن معَد: إِنَّ من أَجابَ وَجْبةَ خِتان غُفِرَ له.

المبحث الثاني: الفرض عند أهل اللغة

المطلب الأول: تعريف الفرض لغة

بالنظر في كلام أهل اللغة نجد أن الفرض يطلق على معان:

الأول: الإيجاب، قال تعالى: “سورة أنزلناها وفرضناها” [النور/1]، أي: أوجبنا العمل بها عليك، وقال: “إن الذي فرض عليك القرآن” [القصص/85]، أي: أوجب عليك العمل به، ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة: فرض.

وافْتَرَضَه: كفَرَضَه، والاسم الفَرِيضةُ. وفَرائضُ اللّهِ: حُدودُه التي أَمرَ بها ونهَى عنها، وكذلك الفَرائضُ بالمِيراثِ. والفارِضُ والفَرَضِيُّ: الذي يَعْرِف الفرائضَ ويسمى العِلْمُ بقِسْمةِ المَوارِيث فَرائضَ. وفي الحديث: أَفْرَضُكم زيد. وفي حديث ابن عمر: العِلْمُ ثلاثةٌ منها فرِيضةٌ عادلةٌ؛ يريد العَدْل في القِسْمة بحيث تكون على السِّهام والأَنْصِباء المذكورة في الكتاب والسنَّة،

وفرائض الله تعالى: ما فرض لأربابها، ورجل فارض وفرضي: بصير بحكم الفرائض. قال تعالى: “فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج” (سورة البقرة: آية 197) أي: من عين على نفسه إقامة الحج، وإضافة فرض الحج إلى الإنسان دلالة أنه هو معين الوقت.

ويقال لما أخذ في الصدقة فريضة. قال: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله” (سورة التوبة: آية 60) وعلى هذا ما روي عن ثمامة حدثني أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق كتب له: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها رسول الله...). والفَرِيضةُ من الإِبل والبقر: ما بلغ عَدَدُه الزكاةَ. وفي الحديث: في الفريضة تجبُ عليه ولا توجَدُ عنده، يعني السِّنَّ المعين للإِخراج في الزكاة.

وفي حديث حُنَيْنٍ: فإِن له علينا ستّ فَرائضَ؛ الفرائضُ: جمع فَرِيضةٍ، وهو البعير المأْخوذ في الزكاة، سمي فريضة لأَنه فَرْضٌ واجب على ربّ المال، ثم اتُّسِع فيه حتى سمي البعيرُ فريضة في غير الزكاة؛ ومنه الحديث: مَن مَنَعَ فَرِيضةً من فَرائضِ اللّه.

الثاني: القطع، قال تعالى: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. [النساء/118]، أي مقطوعا عنهم. قال ابن الأَعرابي: الفَرْضُ الحَزُّ في القِدْحِ والزَّنْدِ وفي السَّير وغيره، وفُرْضةُ الزند الحز الذي فيه. وفي حديث عمر، رضي اللّه عنه: اتخذ عام الجدب قِدْحاً فيه فَرْض؛ الفرض: الحَزُّ في الشيء والقطعُ، والقِدْحُ: السهْمُ قبل أَن يُعْمل فيه الرِّيشُ والنَّصْلُ. وفي صفة مريم، عليها السلام: لم يَفْتَرِضْها ولَد أَي لم يؤثِّر فيها ولم يَحُزّها يعني قبل المسيح.

وفَرْضُ الزَّنْد: حيث يُقْدَحُ منه. وفَرَضْتُ العُودَ والزَّندَ والمِسْواكَ وفرَضْتُ فيهما أَفْرِضُ فَرْضاً: حَزَزْتُ فيهما حَزّاً. وقال الأَصمعي: فرَض مِسْواكَه فهو يَفْرِضُه فَرْضاً إذا حَزَّه بأَسنانِه.

وفُرْضةُ النهر: ثُلْمَتُه التي منها يُسْتقى. وفي حديث موسى، عليه السلام: حتى أَرْفَأ به عند فرضة النهر أَي مَشْرَعَتِه، وجمع الفرضة فُرَضٌ.

وفي حديث ابن الزبير: واجعلوا السيوف للمنايا فُرَضاً أَي اجعلوها مَشارِعَ للمنايا وتَعَرَّضُوا للشهادة. وفُرْضَةُ البحر: مَحَطُّ السفُن.

الثالث: التبيين، فقوله تعالى: قد فرَضَ اللّه لكم تَحِلّةَ أَيْمانِكم؛ أَي بيَّنها. وقوله تعالى: سُورةٌ أَنْزَلْناها وفَرَضْناها، ويقرأ: وفرَّضْناها، فمن قرأَ بالتخفيف فمعناه أَلزَمْناكم العَمل بما فُرِضَ فيها، ومن قرأَ بالتشديد فعلى وجهين: أَحدهما على معنى التكثير على معنى إِنا فرضنا فيها فُرُوضاً، وعلى معنى بَيَّنَّا وفَصَّلْنا ما فيها من الحلال والحرام والحدُود.

الرابع: الفَرْضُ: الهِبةُ. يقال: ما أَعطاني فَرْضاً ولا قَرْضاً. والفرْضُ: العَطيّةُ المَرْسُومةُ، وقيل: ما أَعْطَيْتَه بغير قَرْضٍ. وأَفْرَضْتُ الرَّجل وفَرَضْتُ الرَّجل وافْتَرَضْتُه إذا أَعطيته. وقد أَفْرَضْتُه إِفْراضاً.

الأَصمعي: يقال فَرَضَ له في العَطاء وفرَض له في الدِّيوانِ يَفْرِضْ فَرْضاً، قال: وأَفْرَضَ له إذا جعل فريضة. وفي حديث عَدِيّ: أَتيت عمر بن الخطاب، رضي اللّه عنهما، في أُناسٍ من قَوْمِي فجعل يَفْرِضُ للرجل من طَيِّء في أَلفين أَلفين ويُعْرِضُ عني أَي يَقْطَعُ ويُوجِبُ لكل رجل منهم في العَطاء أَلفين من المال.

الخامس: الفَرْضُ: القِراءة. يقال: فَرَضْتُ جُزْئي أَي قرأْته.

السادس: الفارِضُ: الضخْمُ من كل شيء، الذكر والأُنثى فيه سواء، ولا يقال فارِضةٌ. ولِحْيةٌ فارضٌ وفارِضةٌ: ضَخْمةٌ عظيمة، وشِقْشِقةٌ فارِضٌ وسِقاء فارضٌ كذلك.

والفارض: المسن من البقر.قال تعالى: “لا فارض ولا بكر” [البقرة/68]، قال الفرّاء: الفارِضي الهَرِمةُ والبِكْرُ الشابّة. وقد فَرَضَتِ البقرةُ تَفْرِضُ فُروضاً أَي كَبِرَتْ وطَعَنَت في السِّنّ، وكذلك فَرُضَتِ البقرة، بالضم، فَراضةً.

وقيل: إنما سمي فارضا لكونه فارضا للأرض، أي: قاطعا، أو فارضا لما يحمل من الأعمال الشاقة، وقيل: بل لأن فريضة البقرة اثنان: تبيع ومسنة، فالتبيع يجوز في حال دون حال، والمسنة يصح بذلها في كل حال، فسميت المسنة فارضة لذلك، فعلى هذا يكون الفارض اسما إسلاميا. قاله الراغب.

السابع: التَّقْدِيرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (“فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ“) أَيْ قَدَّرْتُمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ (“لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيبًا مَفْرُوضًا“) أَيْ مَعْلُومًا.

وذكر الفتوحي عدة معان للفرض في شرح مختصر التحرير والزائد منها ثلاثة معان وهي:

1. (َالتَّأْثِير).

2. (وَالإِنْزَالُ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (“إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلَى مَعَادٍ“) أَيْ أَنْزَلَ عَلَيْك الْقُرْآنَ. قَالَ الْبَغَوِيّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.

3. (وَالإِبَاحَةُ) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (“مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ“) أَيْ: أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ.

المطلب الثاني: الفرق بين فرض الله عليه، وفرض الله له

قال الراغب: كل موضع ورد (فرض الله عليه) ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه، وما ورد من: (فرض الله له) فهو في أن لا يحظره على نفسه. نحو: “ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له” [الأحزاب/38]، وقوله: “قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم” [التحريم/2]، وقوله: “وقد فرضتم لهن فريضة” [البقرة/237]، أي: سميتم لهن مهرا، وأوجبتم على أنفسكم بذلك، وعلى هذا يقال: فرض له في العطاء، وبهذا النظر ومن هذا الغرض قيل للعطية: فرض، وللدين: فرض.

المبحث الثالث: الفرق اللغوي بين الفرض والواجب:

قال الراغب: والفرض كالإيجاب لكن الإيجاب يقال اعتبارا بوقوعه وثباته، والفرض بقطع الحكم فيه. وقال التفتازاني في الحدود: وفرق آخر: أن العقليات لا يستعمل فيها الفرض ويستعمل فيها الوجوب، تقول: هذا واجب في العقل، ولا يقال: فرض في العقل.

الفصل الثاني:

تعريف الواجب اصطلاحا

المبحث الأول: التعريف بالرسم

المطلب الأول: أقوال الأصوليين في تعريف الواجب بالرسم، ببيان ثمرته وأثره من ثواب أو عقاب

عرف الواجب بعدة تعريفات على هذا الاتجاه، فمن التعاريف:

1. قال السعد التفتازاني في الحدود: حَـدُّ الواجب: ما يثاب بفعله ويستحق بتركه عقوبة لولا عذره.

2. وقال قوم إنه الذي يعاقب على تركه. واعترض عليه بأن الواجب قد يعفي على تركه ولا يخرج عن كونه واجبا لأن الوجوب ناجز والعقاب منتظر. وَأُجِيبُ: إنَّمَا يَرِدُ لَوْ أُرِيدَ إيجَابُ الْعِقَابِ، وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ أَنَّهُ أَمَارَةٌ أَوْ سَبَبٌ لِلْعِقَابِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْعَفْوُ. وَأَجَابَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِحَمْلِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ جِنْسِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْطُلُ بِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ إلَّا إذَا وَقَعَ الْعَفْوُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ التَّارِكِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ الْأَفْرَادِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَا يَصِحُّ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ عَلَى عِقَابِ بَعْضِ الْعُصَاةِ.

3. وقيل ما توعد بالعقاب على تركه، واعترض عليه بأنه لو توعد لوجب تحقيق الوعيد فإن كلام الله تعالى صدق ويتصور أن يعفي عنه ولا يعاقب. كما أن بعض الواجبات وردت بصيغة الأمر الجازم بلا ذكر لعقوبة، وهي واجبة عند الجميع، كإعفاء اللحية.

4. وقيل هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه. وهو إن أريد بالاستحقاق ما يستدعي مستحقا عليه فباطل لعدم تحقق ذلك بالنسبة إلى الله تعالى على ما بيناه في علم الكلام وبالنسبة إلى أحد من المخلوقين بالإجماع وإن أريد به أنه لو عوقب لكان ذلك ملائما لنظر الشارع فلا بأس به.

5. وقيل هو الذي يخاف العقاب على تركه. ويبطل بالمشكوك في وجوبه. كيف وإن هذه الحدود ليست حدا للحكم الشرعي وهو الوجوب بل للفعل الذي هو متعلق الوجوب.

6. قال القاضي أبو بكر رحمه الله الأولى في حده أن يقال هو الذي يذم تاركه ويلام شرعا بوجه ما لأن الذم أمر ناجز والعقوبة مشكوك فيها وقوله بوجه ما قصد أن يشمل الواجب المخير فإنه يلام على تركه مع بدله والواجب الموسع فإنه يلام على تركه مع ترك العزم على امتثاله. وذكر الزركشي أن المختار عند الْمُتَأَخِّرينَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَنَّهُ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا. فَالْمُرَادُ بِالذَّمِّ مَا يُنَبِّئُ عَنْ اتِّضَاحِ حَالِ الْغَيْرِ، وَتَارِكُ الْوَاجِبِ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ فَالذَّمُّ مِنْ الشَّارِعِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَأَقَلُّهُ أَنَّهُ يُسَمِّيهِ عَاصِيًا، وَهُوَ ذَمٌّ قَطْعًا، وَلَا يُكْرِمُهُ مِثْلَ إكْرَامِ الْآتِي بِهِ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ، إذْ يَسْلُبُهُ مَنْصِبَ الْعَدَالَةِ.

7. وقال الشوكاني: فالواجب في الاصطلاح ما يمدح فاعله ويذم تاركه على بعض الوجوه فلا يرد بالواجب المخير وبالواجب على الكفاية فإنه لا يذم في الأول إلا إذا تركه مع الآخر ولا يذم في الثاني إلا إذا لم يقم به غيره.

8. وقال الفتوحي: قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: أُولاهَا—أي التعاريف—(مَا ذُمَّ شَرْعًا تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا) وَهُوَ لِلْبَيْضَاوِيِّ. وَنَقَلَهُ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ ابْنِ الْبَاقِلاَّنِيِّ. وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الرُّسُومِ، لَكِنْ فِيهِ نَقْصٌ وَتَغْيِيرٌ. وَتَبِعَهُ الطُّوفِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَلَمْ يَقُلْ "قَصْدًا". فَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ "مَا ذُمَّ" خَيْرٌ مِنْ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ "مَا يُعَاقَبُ" لِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ تَارِكِهِ. وَقَوْلُنَا "شَرْعًا" أَيْ مَا وَرَدَ ذَمُّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ فِي إجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَلأَنَّ الذَّمَّ لا يَثْبُتُ إلاَّ بِالشَّرْعِ خِلافًا لِمَا قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ، لأَنَّهُ لا ذَمَّ فِيهَا. وَقَوْلُهُ "تَارِكُهُ" اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ. فَإِنَّهُ لا يُذَمُّ إلاَّ فَاعِلُهُ. وَقَوْلُهُ: "قَصْدًا" فِيهِ تَقْدِيرَانِ مَوْقُوفَانِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ بِالْحَيْثِيَّةِ، أَيْ الَّذِي بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ لَذُمَّ تَارِكُهُ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْحَيْثِيَّةِ لاقْتَضَى أَنَّ كُلَّ وَاجِبٍ لا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الذَّمِّ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَأَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ: أَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِالْقَصْدِ؛ لأَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ؛ إذْ التَّارِكُ لا عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ لا يُذَمُّ. الثَّانِي: أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا مَضَى مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ فِعْلِ الصَّلاةِ ثُمَّ تَرَكَهَا بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَقَدْ تَمَكَّنَ. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذَمَّ شَرْعًا تَارِكُهَا، لأَنَّهُ مَا تَرَكَهَا قَصْدًا. فَأَتَى بِهَذَا الْقَيْدِ لإِدْخَالِ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الْحَدِّ، وَيَصِيرُ بِهِ جَامِعًا، وَقَوْلُهُ "مُطْلَقًا" فِيهِ تَقْدِيرَانِ أَيْضًا مَوْقُوفَانِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الإِيجَابَ بِاعْتِبَارِ الْفَاعِلِ قَدْ يَكُونُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعَلَى الْعَيْنِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمَفْعُولِ قَدْ يَكُونُ مُخَيَّرًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُحَتَّمًا، كَالصَّلاةِ أَيْضًا وَبِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمَفْعُولِ فِيهِ قَدْ يَكُونُ مُوَسَّعًا كَالصَّلاةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُضَيَّقًا كَالصَّوْمِ. فَإِذَا تَرَكَ الصَّلاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا إذْ الصَّلاةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ. وَمَعَ ذَلِكَ لا يُذَمُّ عَلَيْهَا إذَا أَتَى بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ. وَيُذَمُّ إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ جَمِيعِهِ، وَإِذَا تَرَكَ إحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ تَرَكَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لازِمٌ فِيهِ إذَا أَتَى بِغَيْرِهِ. وَإِذَا تَرَكَ صَلاةَ جِنَازَةٍ فَقَدْ تَرَكَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَلا يُذَمُّ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَأَحَدُ التَّقْدِيرَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ "مُطْلَقًا" عَائِدٌ إلَى الذَّمِّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ عَلَى الْمُخَيَّرِ وَعَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَالذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُضَيَّقِ وَالْمُحَتَّمِ وَالْوَاجِبِ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَلِذَلِكَ قَالَ "مُطْلَقًا" لِيَشْمَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرْطِهِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.

وَالتَّقْدِيرُ الثَّانِي: أَنَّ "مُطْلَقًا" عَائِدٌ إلَى التَّرْكِ، وَالتَّقْدِيرُ تَرْكًا مُطْلَقًا لِيَدْخُلَ الْمُخَيَّرُ وَالْمُوَسَّعُ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ. فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لا يَأْثَمُ، وَإِنْ صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا وَكَذَلِكَ الآتِي بِهِ آتٍ بِالْوَاجِبِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ. وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إذَا حَصَلَ التَّرْكُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. وَهَكَذَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُوَسَّعِ. وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا الْوَاجِبُ الْمُحَتَّمُ وَالْمُضَيَّقُ وَفَرْضُ الْعَيْنِ، لأَنَّ كُلَّ مَا ذُمَّ الشَّخْصُ عَلَيْهِ إذَا تَرَكَهُ وَحْدَهُ ذُمَّ عَلَيْهِ أَيْضًا إذَا تَرَكَهُ هُوَ وَغَيْرَهُ.

المطلب الثاني: أقرب التعريفات بالرسم

والأقرب والله أعلم أن أقرب التعريفات بالرسم هو أن نقول:

الواجب: ما يثاب فاعله امتثالا، واستحق تاركه العقاب بلا عذر.

المبحث الثاني: التعريف بالحد، وفيه مطلبان:

المطلب الأول: أقوال الأصوليين في تعريفه بالحد ببيان الحقيقة والماهية

الذي عليه المحققون من علماء الأصول أن هذه الطريقة أدق، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وممن عرفه بالحد:

1. وعرفه ابْنِ عَقِيلٍ، بِأَنَّهُ إلْزَامُ الشَّرْعِ. وَقَالَ: الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَحْكَامُهُ وَمُتَعَلَّقَاتُهُ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: فَحَدُّهُ بِهِ يَأْبَاهُ الْمُحَقِّقُونَ وَهُوَ حَسَنٌ.

2. وقال الآمدي: والحق في ذلك أن يقال الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما. فالقيد الأول احتراز عن الشارع والثاني احتراز عن بقية الأحكام والثالث احتراز عن ترك الواجب الموسع أول الوقت فإنه سبب للذم بتقدير إخلاء جميع الوقت عنه وإخلاء أول الوقت عزم على الفعل بعده وعن ترك الواجب المخير فإنه سبب للذم بتقدير ترك البدل وليس سببا له بتقدير فعل البدل وعلى هذا إن قلنا إن الأذان وصلاة العيد فرض كفاية واتفق أهل بلدة على تركه قوتلوا، وإن قلنا إنه سنة فلا، وبالجملة فلا بد في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلق به من الذم أو الثواب الخاص به، فإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك في الغرض، وربما أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه.

3. وأما الشنقيطي، فعرفه بأنه ما أمر به الشارع أمرا جازما.

المطلب الثاني: أقرب التعريفات بالحد

والأقرب من هذه التعاريف تعريف الشنقيطي رحمه الله.

الفصل الثالث:

التفريق بين الفرض والواجب في اصطلاح علماء الأصول.

اختلف الأصوليون في ترادف الفرض والواجب بعد اتفاقهم على الاختلاف اللغوي في مدلولهما، على رأيين.

المبحث الأول: القول بأن الفرض والواجب متفقان في الاصطلاح

وهذا هو قول جمهور الأصوليين إلا فى الحج، ومستندهم:

1. حَدِيثُ: "قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَاسِطَةً، بَلْ الْخَارِجُ عَنْ الْفَرْضِ دَاخِلٌ فِي التَّطَوُّعِ.

2. قَوْله تَعَالَى ("فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ") أَيْ أَوْجَبَهُ. وَالأَصْلُ تَنَاوُلُهُ حَقِيقَةً وَعَدَمُ غَيْرِهِ، نَفْيًا لِلْمَجَازِ وَالاشْتِرَاكِ.

3. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ—صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ—قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ".

4. وَلأَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا، وَالاسْتِدْعَاءُ لا يَقْبَلُ التَّزَايُدَ. كَجَائِزٍ وَلازِمٍ، وَصَادِقٍ وَكَاذِبٍ. فَلا يُقَالُ: أُجَوِّزُ وَلا أُلْزِمُ؛ لأَنَّهُ انْتَظَمَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ.

المبحث الثاني: التفريق بينهما اصطلاحا

المطلب الأول: القول بأنهما مختلفان في الاصطلاح

وهو قول علماء الحنفية. وقال أَحْمَدَ—رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى—في رِوَايَة: أَنَّ الْفَرْضَ آكَدُ. وَاخْتَارَهَا مِنْ أَصْحَابِه: ابْنُ شَاقِلا وَالْحَلْوَانِيُّ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَصْحَابِه الحنابلة. وَهُوَ مَذْهَبُ َابْن الْبَاقِلاَّنِيِّ. وَلِلْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِ الإمام أحمد قَوْلانِ. والذي في العدة لأبي يعلى أنهما متباينان.

المطلب الثاني: تحقيق قول أحمد في هذه المسألة

نجد أن علماء الأصول يذكرون أن للإمام أحمد روايتان في المسألة، ولكن المنقول عنه—رحمه الله—أنه يفرق بين المصطلحين. قال ابن رجب: وأكثر النصوص عن أحمد يفرق بين الفرض والواجب، فنقل جماعة من أصحابه عنه أنه قال: لا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى، وقال في صدقة الفطر: ما أجترئ أن أقول إنها فرض، مع أنه يقول بوجوبها؛ فمن أصحابنا من قال مراده أن الفرض ما يثبت بالكتاب والواجب ما يثبت بالسنة، ومنهم من قال: أراد أن الفرض ما ثبت بالاستفاضة والنقل المتواتر، والواجب ما ثبت من جهة الاجتهاد وساغ الخلاف في وجوبه، ويشكل على هذا أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين: ليس بفرض، ولكن أقول واجب ما لم تكن معصية؛ وبر الوالدين مجمع على وجوبه وقد كثرت الأوامر به في الكتاب والسنة، فظاهر هذا أنه لا يقول فرض إلا ما ورد في الكتاب والسنة فرضا. وقد اختلف السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هل يسمى فريضة أم لا؛ فقال جويبر عن الضحاك: هما من فرائض الله عز وجل، وكذا روى عن مالك وروى عبد الواحد بن زيد عن الحسن فقال: ليس بفريضة؛ كان فريضة على بني إسرائيل فرحم الله هذه الأمة لضعفهم فجعله عليهم نافلة. وسأله المروذي عن الجهاد: أفرض هو، قال: قد اختلفوا فيه وليس هو مثل الحج، ومراده أن الحج لا يسقط عمن لم يحج مع الاستطاعة بحج غيره، بخلاف الجهاد.

ونقل عنه ابنه عبدالله أنه قال: كل شيء في الصلاة مما وكّده الله فهو فرض، وهذا يعود إلى معنى قوله إنه لا فرض إلا ما في القرآن، والذي ذكره الله من أمر الصلاة القيام والقراءة والركوع والسجود؛ وإنما قال أحمد هذا لأن بعض الناس كان يقول الصلاة فرض، والركوع والسجود لا أقول إنه فرض ولكنه سنة.

وقال الإمام أحمد في رواية المروذي: ابن عمر يقول: فرض رسول الله—صلى الله عليه وسلم—صدقة الفطر، وأنا ما أجترئ أن أقول إنها فرض، وقيس بن سعد يدفع أنها فرض.

وكذا ورد عنه أن المضمضة والاستنشاق واجبان وورد أنهما فرض، وصحح ابن عقيل أنهما الوجوب لا الفرضية.

المطلب الثالث: حجة من فرق بين الفرض والواجب

1. قال أبو زيد الدبوسي: الفرض: التقدير، والوجوب: السقوط، فخصصنا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع؛ لأنه الذي يعلم من حاله أن الله قدره علينا، والذي عرف وجوبه بدليل ظني نسميه بالواجب؛ لأنه ساقط علينا.

2. أن الفرض في اللغة التأثير ومنه فرضه النهر والقوس والوجوب السقوط ومنه وجبت الشمس والحائط إذا سقطا ومنه قوله تعالى فإذا وجبت جنوبها فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا ليوافق مقتضاه لغة ولا خلاف في إنقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون.

المطلب الرابع: الفرق بين الفرض والواجب عند القائلين بالتفريق

واختلف القائلون في الفرق بين الفرض والواجب على أقوال:

القول الأول: أن ما طلب الشارع فعله طلبا حتما إذا كان دليل طلبه قطعيا عرف وجوبه بدليل قطعى موجب للعلم والعمل قطعا بأن كان آية قرآنية أو حديثا متواترا فهو الفرض، وإن كان دليل طلبه ظنيا بأن كان حديثا غير متواتر أو قياسا فهو الواجب.

فإقامة الصلاة فرض لأنها طلبت طلبا حتما بدليل قطعي هو قوله تعالى: (أقيموا الصلاة).

وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة لأنها طلبت طلبا حتما بدليل ظني عندهم هو قوله—صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب). وقال التفتازاني في الحدود: ومن وجه آخر فإن السنة المؤكدة تسمى واجباً ولا تسمى فرضاً مثل سجدة التلاوة.

القول الثاني: فَرَّقَ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ بِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ اللَّهِ وَالْإِيجَابَ يَكُونُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ غَيْرِهِ. يُقَالُ: فَرَضَ اللَّهُ كَذَا وَأَوْجَبَ، وَلَا يُقَالُ: فَرَضَ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا يُقَال: أَوْجَبَ، أَوْ فَرَضَ الْقَاضِي لَهُ كَذَا. ونسبه التفتازاني في الحدود إلى بعضهم دون تسمية.

القول الثالث: الفرض ما ثبت بالقرآن، والواجب ما ثبت بالسنة. وقد نسبه ابن رجب في جامع العلوم والحكم إلى بعض أصحاب أحمد توجها لأقواله وفتاويه.

القول الرابع: حَكَاه الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْفَرْضَ مَا أُجْمِعَ عَلَى وُجُوبِهِ وَالْوَاجِبَ مَا كَانَ مُخْتَلِفًا فِي وُجُوبِهِ. ولم أجد أحدا نسبه للحنفية، فلعله لبعضهم.

المطلب الخامس: مناقشة الجمهور للحنفية

قال الشيرازي في اللمع: والتفريق خطأ لأن طريق الأسماء الشرع واللغة والاستعمال وليس في شيء من ذلك فرق بين ما ثبت بدليل مقطوع به أو بطريق مجتهد فيه. وقال الآمدي في الإحكام: كيف وإن الشارع قد أطلق اسم الفرض على الواجب في قوله تعالى: "فمن فرض فيهن الحج" (البقرة: 197)، أي أوجب. والأصل أن يكون مشعرا به حقيقة وأن لا يكون له مدلول سواه نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ. والذي يؤيد إخراج قيد القطع عن مفهوم الفرض إجماع الأمة على إطلاق اسم الفرض على ما أدى من الصلوات المختلف في صحتها بين الأئمة، بقولهم أد فرض الله تعالى، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وما ذكره الخصوم في تخصيص اسم الفرض المقطوع به فمن باب التحكم، حيث إن الفرض في اللغة هو التقدير مطلقا كان مقطوعا به أو مظنونا، فتخصيص ذلك بأحد القسمين دون الآخر بغير دليل لا يكون مقبولا وبالجملة فالمسألة لفظية.

وقال في المحصول: وهذا الفرق ضعيف لأن الفرض هو المقدر، لا انه الذي ثبت كونه مقدرا علما أو ظنا، كما أن الواجب هو الساقط، لا انه الذي ثبت كونه ساقطا علما أو ظنا، وإذا كان كذلك كان تخصيص كل واحد من هذين اللفظين بأحد القسمين تحكما محضا.

وَقَدْ نُقِضَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَعْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا، وَمَسْحَ رُبْعِ الرَّأْسِ فَرْضًا. وَلَمْ يَثْبُتْ بِقَاطِعٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَجَعَلُوا الْوُضُوءَ مِنْ الْفَصْدِ فَرْضًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِقَطْعِيٍّ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَمَا أَدَّى الصَّلَاةَ، وَالْعُشْرَ فِي الْأَقْوَاتِ، وَفِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.

المطلب السادس: الراجح من الأقوال

قال ابن عثيمين—رحمه الله—في شرح الأربعين، في شرحه لحديث: أَبِيْ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا..." الصواب: أن الفرض والواجب بمعنى واحد، ولكن إذا تأكد صار فريضة، وإذا كان دون ذلك فهو واجب، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

ولم يبين رحمه الله مقصوده من تأكد الأمر، وكأنه أراد أن جمع بين تنظير الجمهور وتطبيهم الفقهي والله أعلم.

الفصل الرابع:

مدى الاتفاق والاختلاف في المدلول الاصطلاحي للفرض والواجب

المبحث الأول: وجه الاتفاق بين مفهومي الفرض والواجب

الفرض والواجب كلاهما لازِمُ الفعل، ومن تركهما أثم. وقد يكون الفرض والواجب سواء عند الجميع في قولهم: صلاة الظهر واجبة وفرض، لا فرق بينهما ههنا في المعنى.

المبحث الثاني: أوجه الاختلاف وثمرة الخلاف

المطلب الأول: أوجه الاختلاف

ذكر كثير من الأصوليين أن الخلاف لفظي، فقد قال الآمدي في الإحكام: وبالجملة فالمسألة لفظية. ومما تقدم نلاحظ أن الخلاف غير لفظي، وله نتائج مترتبة عليه:

النتيجة الأولى: أن من أنكر الفرض كفر، بخلاف الواجب، فالفرضُ ما طلبَ الشرعُ فعلَه طلبًا جازمًا بدليل قطعي، ومن أنكره كفر، ومن تركه يُعاقبُ عليه من قِبَل الله عز وجل. فمن أنكر الوقوف بعرفة، أو أنكر حجاب المرأة فقد كفر، لأنه أنكر أمرًا ثبت عن الشارع بدليل قطعي لا شبهةَ فيه. والواجب ما طلب الشرعُ فعلَه طلبًا جازما ولكنه دون مرتبة الفرض، لأنه ثبت بدليل ظنِّي، كصلاة الوتر، فهذا واجب، ودليلها ظنِّي، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام في أحاديث تحدَّث عن صلاة الوتر، ومن أنكر السعيَ بين الصفا والمروة فإنه لا يكفر، لأن السعي من الواجبات. والقاعدة عندهم أن من أنكر الواجب لا يُعتبَر كافرًا، ومن ترك الواجبَ دون أن ينكره فهو فاسق آثمٌ.

النتيجة الثانية: ترك الفرض سهوا مفسد للصلاة ويجبر ترك الواجب بسجود السهو، إذ الفرض أقوى من الواجب، ففي الصلاة ذهب المفرقون إلى أن من ترك فرضا لا يجبر بسجود السهو؛ ولو ترك سهواً بخلاف الواجب عند الحنابلة، حيث أنهم فرقوا بين الواجب والفرض بالنسبة للصلاة، ومثلوا للفرض بالركوع والسجود، ومثلوا للواجب بالتشهد الأول0

النتيجة الثالثة: أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى الفرض أَكْثَرَ مما يثاب على الواجب.

النتيجة الرابعة: حمل الألفاظ المتضمنة للفظ الفرض والواجب والواردة في الأحاديث والآثار على المعنى الاصطلاحي، كما سيتي في ثمرة الخلاف.

النتيجة الخامسة: أن الزيادة على النص نسخ عند الحنفية، والنص عندهم هو الكتاب والسنة المتواترة، وأما الآحاد فالزيادة عليها مقبولة عندهم. ولذا تجد أن الفرائض عندهم لا تقبل نسخا ولا تخصيصا بخلاف أدلة الواجبات.

المطلب الثاني: الأثر الخلاف في الفروع الفقهية

ينبني على هذه المسألة خلاف كبير بين القائلين بالتفريق والقائلين بالترادف الاصطلاحي بين الفرض والواجب، ومن المناسب أن نستعرض نماذج لتلك المسائل لنرى كيفية استدلال الحنفية بالوجوب وردهم للفرضية.

المسألة الأولى: سجود التلاوة

استدل الجمهور على عدم وجوب سجود التلاوة بما صح عن عمر رضي الله عنه أنه: "قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كان الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: أيها الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه؛ ولم يسجد عمر رضي الله عنه". وزاد نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: "إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء".

وأما الحنفية القائلون بالوجوب فقد سلكوا في ذلك منهجهم في التفريق بين الفرض والواجب، بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب.

المسألة الثانية: صلاة الوتر

استدل الجمهور القائلون بعدم وجوب صلاة الوتر بحديث عليّ—رضي الله عنه—يرفعه إلى رسول الله—صلى الله عليه وسلم—قال: "الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة ولكن رسول الله—صلى الله عليه وسلم—قال: إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن". وحديث ابن عمر—رضي الله عنهما—قال: "كان النبي—صلى الله عليه وسلم—يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت يؤمئ إيماءة صلاة الليل إلاّ الفرائض، ويوتر على راحلته".

قال الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الحديث: (واستدل به على أن الوتر ليس بفرض). نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، وتقدم أن الحنفية يرونه واجبا لا فرضا. وقال الحافظ ابن حجر: (وأجاب من ادعى وجوب الوتر من الحنفية بأن الفرض عندهم غير الواجب، فلا يلزم من نفي الفرض نفي الواجب، وهذا يتوقف على أن ابن عمر كان يفرِّق بين الفرض والواجب، وقد بالغ الشيخ أبوحامد فادّعى أن أبا حنيفة انفرد بوجوب الوتر، ولم يوافقه صاحباه، مع أن ابن أبي شيبة أخرج عن سعيد بن المسبب، وأبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، والضحاك ما يدل على وجوبه عندهم. ونقله ابن العربي عن أصيغ من المالكية ووافقه سحنون، وكأنه أخذه من قول مالك: من تركه أدِّب، وكان جرحه في شهادته).

المسألة الثالثة: الأضحية

ذهب الجمهور إلى سنية الأضحية، وعند الحنفية: الأضحية واجبة وليست بفرض. لأنها ثبتت بدليل ظني وهو ما ورد عن أبي هريرة قال: "‏قال رسول اللّه—صلى اللّه عليه وآله وسلم—من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربن مصلانا‏"‏‏. رواه أحمد وابن ماجه.

المسألة الرابعة: بعض الأفعال والأقوال في الصلاة

ذهب الحنفية إلى عدم ركنية تكبيرة الإحرام، والتسليم من الصلاة، والرفع من الركوع والرفع من السجود، والطمأنينة في الصلاة فهي عندهم من الواجبات لا من الأركان، لأنها ثبتت بأدلة ظنية. وأما الجمهور فكل ما تقدم يعد من الأركان فتبطل الصلاة بتركها عمدا أو سهوا. وتفصيلها في كتب الفروع.

المطلب الثالث: هل التفريق مستعمل في كتب الجمهور

يلاحظ أنّ الجمهور، مع أنهم يردون التفريق بين الفرض والواجب، إلا أننا نجدهم يفرقون في بعض المواطن.

قال الزركشي في البحر المحيط: وَقَدْ فَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فَسَمَّوْا الْفَرْضَ رُكْنًا، وَالْوَاجِبَ شَرْطًا مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَفِي بَابِ الْحَجِّ حَيْثُ قَالُوا: الْوَاجِبُ مَا يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَالرُّكْنُ مَا لَا يُجْبَرُ، وَهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ فَرْقًا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى تَخْتَلِفُ الذَّوَاتُ بِحَسَبِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْضَاعٌ نُصِبَتْ لِلْبَيَانِ.

حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْعَبَّادِيِّ فِيمَنْ قَالَ: "الطَّلَاقُ وَاجِبٌ عَلَيَّ"، تَطْلُقُ. أَوْ فَرْضٌ، لَا تَطْلُقُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُنَافٍ لِلتَّرَادُفِ، بَلْ لِأَنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ اللُّغَةِ الْمَهْجُورِ.

وقال الطوفي: الذي نصره كثير من الأصوليين أن الواجب مرادف للفرض، لكن أحكام الفروع قد بنيت على الفرق بينهما، فإن الفقهاء ذكروا أن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات ومسنونات، وأرادوا بالفروض الأركان وحكمهما مختلف من وجهين:

الأول: أن طريق الفرض منها أقوى من طريق الواجب.

الثاني: أن الواجب يجبر إذا ترك نسيانا بسجود السهو، والفرض لا يقبل الجبر، وكذا الكلام في فروض الحج وواجباته، حيث جبرت بالدم دون الأركان.

الخاتمة

وبعد هذا البحث الأصولي الممتع للباحث، وأملي أن يشارك القارئ الكريم في المتعة والفائدة، والذي حوى حوارات علمية بين من يفرق بين الفرض والواجب ومن يرى أنهما بمعنى واحد، نجد أننا بحاجة إلى عرض أهم نتائج البحث، وهي:

1. أهمية تحرير المصطلحات الشرعية، وتبيين ارتباطها بالمعاني اللغوية.

2. أن الدلالة اللغوية للفرض مختلفة عن دلالة الواجب، وقد تتفق معه في قليل من الصور.

3. أن اختلاف علماء الأصول في تعريف الواجب راجع إلى الطريقة المستعملة في التعريف، فمنهم من عرفه بالحد ومنهم من عرفه بالرسم.

4. أن الجمهور المرجحين للترادف الاصطلاحي للفرض والواجب، احتجوا بنصوص مرفوعة وأقوال الصحابة والتي يظهر منها عدم التفريق بنهما.

5. أن المنصوص عن أحمد أنه يفرق بين الفرض والواجب، وقد لا يكون بالضرورة كتفريق الحنفية، ولكنه يفرق في الجملة.

6. أن من فرق بين المصطلحين رجع إلى الدلالة اللغوية، وإلى عدم التنازع في تفوت المأمورات اللازمة في القوة، فالتفريق حاصل أصلا، وإن حصل التنازع في المصطلح.

7. أن الفرض والواجب متفقان على إلزام العمل بهما وإثم من تركهما بلا عذر إجماعا.

8. للخلاف ثمرة في الأصول، من جهة تكفير من أنكر الفرض دون من أنكر الواجب، ولها أوجه أخرى.

9. أن للخلاف ثمرة في الفروع، ذكر منها بعض المسائل في موضعها من البحث.

10. رأينا أن استعمال التفريق موجود عند من نفي الفرق، وذلك في كتب الفروع مما يقوي التفريق بين المصطلحين.

منقول عن: عبد العزيز بن سعد، من ملتقى الله الحديث


السبت، أبريل 7

سَبّ الدين: ثقافة ووسطية وحرية شخصية

كيف يصبح سبّ الدين...رأي يُحترم وثقافة ووسطية وإيمان حقيقي؟ أقولّك...

أولاً، دخّل على قاموس اللغة كلمة جديدة اسمها "إسلاميين"، ولو ده معناه إن الشخص الواحد منهم حيبقى اسمه "إسلامي"، يبقى أحسن وأحسن عشان هيه دي نفس الكلمة المستخدمة للإشارة إلى "فِكر إسلامي" مثلاً. كده معاك مصطلح مرتبط بالدين، الإسلام بالتحديد، لكن ممكن تلزقه على أي حاجة تانية انت عايزها.

ثانياً، اقنع الناس إن الإخوان والسلفيين مش "مسلمين"، بل "إسلاميين" (الزق عليهم المصطلح الدخيل). مش مهم إزاي، سواء باتهامات بالنفاق، أو تحويل قرارات مرحلة إلى عهود، أو بنشر الإشاعات والأكاذيب والمبالغات للبسطاء...ونشر مقالات لها طابع ثقافي وفيها كلمات زي "منظومة". اتصرّف وصدقني...صدقني الناس اللي عندها استعداد عاطفي حتصدق علاطول. وضروري كلامك يتضمن أو ينتهي بتعبيرات دينية مثل "لكِ الله يا مصر" أو "حسبنا الله ونعم الوكيل". كده أصبح العداء لل"إسلاميين" تديّن ووعي ديني ووسطية وثقافة، عكس النفاق والتخلف والتشدد والرجعية.

ثالثاً، قُول كلمة حقّ وهيه إن لا الإخوان ولا السلفيين يمثلوا الإسلام كله، مش عشان الإسلام مفيهوش حاجة اسمها إن أي فرد أو مؤسسة يمثل الدين، لا، وإنما عشان تقنعهم في نفس الوقت إن في الحقيقة في حاجة تانية (انت حاططها في جيبك وهيّا بتسمع كلامك) ينفع تمثل الإسلام، زي الأزهر مثلاً. والناس برضو حتصدقك، عشان هما مش فاهمين أصلاً إن مينفعش أي فرد أو مؤسسة كائنة من كانت تمثل الإسلام. وبكده تبقى فصلت ما بين ال"إسلاميين" والإسلام! دُول بقوا حاجة، وده بقه حاجة تانية. مش مهم نقطة إن حتى لو الأحزاب الإسلامية لا تمثل الإسلام نفسه فهي لا زالت تمثل المسلمين، محدش واخد باله من فكرة زي دي أصلاً، بالذات بعد ما انت في الخطوة السابقة علّمت الناس إن أعضاء الأحزاب دي مش مسلمين، بل "إسلاميين".

رابعاً، ابتدي بسبّ الإخوان شوية، والسلفيين شوية، وبالراحة كده خُش على سب ال"إسلاميين". وبعدها، خُش على سب "إسلامي" واحد بس. الناس الي سمعت واقتنعت بالكلام اللي فُوق أكترها حيبقى عنده استعداد يقلّد علاطول، واللي مقلّدش في الأول، مسيره يقلد بعد التشجيع وسلوك القطيع. وبس، استمتع بقه بمشاهدة الناس وهيّه بتسبّ الإسلاميين...والإسلامي. 

وبكده، طالما أصبح ناس (مقتنعين إنهم مسلمين) بيسبّوا ال"إسلامي"، يبقى المهمة تمت بنجاح. وأبشر في أقرب فرصة بالسخرية من عالِم الدين والشيخ والداعية وأي شيء "إسلامي". وزي ما قولنا في الأول، أحلى حاجة إن كلمة "إسلامي" مربوطة تاريخياً بكل ما هو إسلامي...بالمبنى الإسلامي، بالتراث الإسلامي، بالفِكر الإسلامي. فالناس بسبّها للإسلامي (الفرد في الحزب الإسلامي)، أصبحت بتسبّ الدين على الوجه الآخر من العملة...وفي نفس الوقت، مرتاحين ومقتنعين إن سبّ الدين ثقافة...ووسطية...وعين العقل واليقين. وأجمل ما في الموضوع هوه إن كُل ده مرتبط بالإسلامي فقط، يعني بدين الإسلام فقط. وإن بعض المسلمين نفسهم همّا أشطر تلاميذ ليك وأحسن مؤيدين لفِكرك...فكر الثقافة والوسطية بالعداء للدين وسبّ الدين.

عيش حرية وعدالة اجتماعية وثقافة ووسطية...بسَبّ حزب الحرية والعدالة وكل الأحزاب الإسلامية. وافتكر...دُول مش مسلمين زيّك، بل "إسلاميين"...حقيرين خائنين لا يستحقوا الرحمة أو اللين. الإسلامي...يستحق سَبّ الدين. مش كده ولّا إيه؟

مشاهد من مسرح كراهية الإخوان

{المشهد الأول}

مواطن مُنْفَعِل: "شِيل الحكومة دي—اسحب الثقة!"

الإخوان: "صبراً. مبقلناش شهر على بعضه في البرلمان؛ حنهاجم ونعمل أعداء من دلوقتي؟"

مواطن متبرمج: "أكيد متواطئ وعامِل صفقة معاهم!"

{المشهد الثاني}

مواطن مُنْفَعِل: "شِيل أمّ دي حكومة—اسحب الثقة منها!"

الإخوان: "صبراً. إحنا مش في ثورة وميدان، إحنا في برلمان، ومش لوحدنا كمان—نص البرلمان مش إخوان؛ كلّم التانيين كمان. وشهرين مش فترة كافية للحُكم."

مواطن متبرمج: "آه طبعاً، ما انت عامل صفقة معاهم ونايم مع المجلس العسكري!"

{بعد شهر آخر}

الإخوان: "هذا الأداء الفاشل من الحكومة لم يعد يمكن السكوت عليه، وتجاهل المجلس العسكري لقرارات وطلبات البرلمان لم يعد يمكن السكوت عليه!"

مواطن متبرمج: "إيه ده، انت بتتبرّى من ابنك غير الشرعي مع المجلس العسكري؟ ها. ها. ها. أنا بأضحك عشان الموقف مضحك قوي. الصفقة بتاعتك مع المجلس العسكري خلصت؟ ها. ها. ها."

الإخوان: "هوّه مش ده اللي انتوا كنتوا بتطلبوا نعمله من كام أسبوع؟"

مواطن متبرمج—بوجه أحمد شفيق: "إيه؟"

الخميس، أبريل 5

العلاقة بين الإسلام والسياسة، بقلم العوّا

كتب الدكتور محمد سليم العوّا:

"العلاقة بين الإسلام والسياسة  كالعلاقة بين الإسلام وأي شأن آخر من شئون الحياة، لأن للإسلام قولا في كل مايهم الناس في حياتهم (من شئونهم الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والتربوية)، وله قول في شئونهم السياسية؛ لكن ليس معنى أن للإسلام قولا في الشأن السياسي أن يتحول الشأن السياسي إلى دين!

الشأن السياسي شأن مصلحة، وشأن منفعة الناس ومضرتهم، وشأن ما يصلح به الناس ومالا يصلحون به، ولذلك قال العلماء: (السياسة ما كان فعلا يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح). 

فكل فعل مسئول من حاكم، أمير، ملك، أو سلطة سياسية، يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح فهو سياسة عادلة؛ وكل فعل يكون الناس معه أقرب إلى الفساد فهو سياسة باطلة أو سياسة جائرة أو غير مقبولة؛ والإسلام يزكي السياسة العادلة ويجعلها جزء من شريعته.

ويقول ابن قيم الجوزية في مفتتح كتابه، الطرق الحكمية: (إن هذه السياسة العادلة هي مالا يخالف الشرع)، لأن أوضاع السياسة لا تنتهي والشرع محصور فيما نزل من القرآن الكريم وما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الأحاديث الصحيحة، وما وراء ذلك ملايين المشكلات والمسائل التي يجب أن يتعرض لها الناس.

كيف يتعرضون لها؟ يتعرضون لها على أساس تحقيق المصلحة ودفع المفسدة، وعلى أساس فتح ذرائع الصلاح وسد ذرائع الفساد، وهذا الذي نطالب به إسلاميا.

نقول اجعلوا هذه السياسة مستمدة مما أمر به الدين من إصلاح الدنيا، مستمدة مما أمر به الدين من العدل، مستمدة مما أمر به الدين من الشورى بين الناس، من ألا يجور غنيٌ على فقير، ولا قوي على ضعيف، ولا طاغية على مستضعف—هذا الذي نقوله.

نحن لا نقول اجعلوا السياسة في أيدي علماء الدين المتخصصين، ولا اجعلوها جزءا من الدعوة الإسلامية، لكن الداعية الإسلامي عليه أن يبصّر الناس بالعمل السياسي الجيد والمعنى السياسي الجيد، وهذا ما يقوم به الدعاه على مدى التاريخ، وما كان يقوم به العلماء على طول العصر الإسلامي 15 قرن.

وأقول إن هذا ما يقوم به علماء الدين في كل دين، ليس في الإسلام فقط!

أنظر في كتاب بيانات الآباء الكاثوليك، الصادر عن الفاتيكان؛ ماهي بيانات الآباء الكاثوليك؟ بيانات عن الصراع المسلح في أوروبا، بيانات عن الحرب العالمية الثانية وما جرى فيها من مجازر، بيانات عن استعمال الأسلحة النووية، بيانات عما يسمونه السلام في الشرق الأوسط، بيانات عن حق الدول في العيش المتكافيء.

هل هذا سياسة أو دين مسيحي؟ هذا سياسة وفي صلب السياسة!

وأنظر لما يجري في دولة إسرائيل؛ أليس باسم الدين اغتُصبت أرضنا، وانتُهكت أعراض بناتنا، وهُدِمت بيوتنا؟ أليس هذا كله باسم الدين اليهودي!؟

مسألة إفراغ العمل السياسي من قاعدته الدينية، من أصله الديني، من أساسه الديني، مسألة لا ينادي بها أحد إلا في بلاد المسلمين، ولا ينادي بها أحد إلا في وجه المسلمين، أما أصحاب أي عقيدة أخرى فمتاح لهم أن يقولوا ما شاءوا في السياسة."

—د. محمد سليم العوا