بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
رسالة مدونة في سجل لأخ ما
منذ قليل، شاء الله أن أجد بدون سابق نية--رسالة مدونة باللغة العربية هنا في سجل من سجلات موقع بلوجر. كاتب الرسالة أخ مصري، وللأسف مسلم، ويستخدم مصطلحات في حديثه مثل "برجوازي" و"بروليتاريا"، محاولاً أن يعطي طابعاً ثقافياً وفكرياً لسخريته من الغير. ولكن قبل أن أعلق، وبدلاً من أن أحكي ما قاله الأخ، هاهي الرسالة التي كتبها:
بالصدفة البحتة، خضت اليوم و البارحة نوع من النقاشات كنت قد توقفت عنها منذ فترة، يبدو أن روح رمضان "الإيمانية" قد تغلغلت في الشعب المصري. اليوم الأول كان أحد زملائي في العمل يحاول إقناعي بأهمية عمرو خالد وأمثاله من شيوخ البرجوازية الفضائية ودورهم الإيجابي في إصلاح المجتمع المصري. أما اليوم الثاني فكان مع صديق حول أن إيماني ناقص طالما أوالي غير المسلمين و أحبهم.
قد اقتنعت الآن أكثر من أي وقت مضي أن المشكلة الحقيقية ليست في البروليتاريا الجاهلة، بل تلك المخلوقات القشرية التي قرأت قشور الدين والثقافة والأدب وتمتلك إحساس عالي بالرضا عن النفس، وأنها قد عرفت كل أسرار الكون وقد تستطيع الإفتاء في الفلك والطب والهندسة وكرة القدم والنسوان والموسيقى.
الرسالة كما هي، لم أغير فيها إلا بعض الأخطاء الإملائية. واضح تماماً أن هذا الأخ المصري يشعر أنه مثقف جداً، من اختياره للألفاظ وأيضاً اهتمامه بالشعر والذي كان واضحاً في بقية سجله. إنه أيضاً يظن أن المشكلة في بلادنا هي في ما سماه بالمخلوقات القشرية، مشيراً بذلك إلى السطحيين في تدينهم. ولكن المحزن في الأمر، هو أن المشكلة في بلادنا تصل جذورها إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير، وأن هذه الجذور انتشرت، ومن ثمارها الآن هي هذا الأخ نفسه. فالمشكلة ليست فقط مشكلة جهل ثقافي أو سطحية، بل إن هذا الأخ قارئ كما هو واضح، ولكن ماذا يقرأ ولماذا يقرأ؟ وما هي نتيجة قراءته؟ النتيجة أنه يسخر ممن هم أقل منه في المال والعلم، ويدعوهم باسم طبقة "البروليتاريا"، وأنه لا يعجبه أيضاً من هم أغنى منه، فيسخر منهم ويدعوهم باسم "البرجوازية". والأدهى في الأمر هو أن ما فعلته هاتين الطبقتين مع الأخ لم يكن أي شيء غير النصيحة في الله، فإن هذا الزميل في العمل كان يحاول إقناعه بأهمية دور عمرو خالد في نهضة المجتمع، وهو كلام يتفق عليه كل منصف وعادل ومحب لدينه ووطنه، وعمرو خالد نفسه لم يطلب منه أن يعمل في مصنعه أو لم يعلن عن وظائف بأجور زهيدة، بل فقط نصحه ونصح الملايين غيره في الله. فهل هذا جزاء الفقير وجزاء الغني لأنهم نصحوا في الله؟ وهل هذه هي نتيجة الثقافة وقراءة الشعر العربي؟
ليس وحده كذلك
وهذا الأخ ليس وحده في قبر التشاؤم والسخرية وسوء الظن، فقد قابلت أحد المصريين منذ أسابيع أيضاً على الإنترنت، وأخذت أحاول أن أبين له الجوانب المشرقة في الحياة في الدول المسلمة--لما يقرب من الساعة. كان الأخ من الذين لا حلم لهم في الحياة سوى السفر إلى الغرب، وأن يعيش في الغرب. وكان مليء بالكراهية لدول الخليج والخليجيين أيضاً. حاولت أن أشرح له أني كنت أيضاً أرغب في ترك مصر منذ أعوام، وفاض بي الكيل هناك. ولكن عندما عشت في أوروبا بضع سنوات، ورأيت بنفسي ما هو شكل الحياة هنا، تغيرت طريقتي في النظر إلى الأمور. أيضاً عندما تكلمت مع إخوة مصريين متفائلين، تغيرت مشاعري أكثر وأكثر. واكتشفت أن المسألة مسألة إحساس داخلي. ومسألة مع من تخرج ومن تصاحب.
الكون انعكاس لما تراه عينك
إسقاط لما يراه عقلك
أنت إن أردت أن ترى الجوانب المشرقة في الدنيا، في أي مكان في العالم، فسوف تراها. إن أردت أن يعاملك الناس بطريقة حسنة، سواءً كانوا من الخليج أو الغرب أو أوروبا، سيعاملونك بطريقة حسنة. كل ما في الأمر أنك أنت نفسك كشخص، تتوقع داخلياً أن تذهب إلى الخليج مثلاً، فيكون "حظك" مع خليجي لا يخاف الله في التعامل مع الناس، خاصة من يعملون تحت يديه. وبالفعل، الكون لا يخيب توقعاتك أبداً، ويقع حظك، عفواً لا يوجد شيء اسمه حظ، نصيبك وقدرك—الذي اخترته بنفسك—مع خليجي لا يخاف الله. وعلى الجانب الآخر، عزيزي المتشائم، تتوقع أنك عندما تذهب إلى الغرب أو أوروبا، ستكون معاملتهم في منتهى الرقي والأدب، وبالتالي تذهب وأنت متفائل ووجهك يشع بشاشة وود صادق، حتى أنك قد لا تلاحظ أن مسئول الجوازات ينظر إليك بارتياب واحتقار، بل ولو لاحظت لاختلقت له الأعذار: "يمكن أن يومه كان عصيباً"؛ بل قد تلوم العرب ولا تلومه، فتقول أن العيب ليس فيه بل فينا إذ أننا الذين جعلناهم يعاملوننا بهذه الطريقة! وعندما تخرج إلى الناس، بنفس التفاؤل والبشاشة، الناس تعاملك بالمثل—وهذه طبيعة البشر في كل مكان، فتتأكد نظرتك السوداء للحياة في بلاد الإسلام ونظرتك البيضاء للحياة في الغرب. وجوهر الحقيقة هو أنك بمنتهى البساطة صانع حياتك ومخرج قدرك، أنت الذي صممت وأخرجت حياتك بهذه الطريقة. أنت وأنت وحدك المسئول. فإن الله هو كاتب قدرك وحياتك، ولكنه شاء أن يكون كل منا هو المخرج الذي يتحكم فيما يحدث، فقد اختار الله أن يعطينا بإذنه حرية الاختيار دائماً، إلى أن نموت.
المرء على دين خليله
ومصداقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنك أيضاً ترى الدنيا بنفس الطريقة التي يراها أصدقاؤك. فانظر من تصاحب، استمع لما يقولونه. هل ليس على لسانهم سوى السباب واللعن في الناس والدنيا؟ هل لا يستطيعون أن يكملوا جملتين كاملتين بدون حشر كلمة بذيئة في إحداهما؟ هل لا يتحدثون سوى عن المصائب والمشاكل واليأس من الحياة في المكان الذي يعيشون فيه؟ إذن فكيف تتوقع أن تنظر أنت إلى الحياة بأمل وتفاؤل؟ إن المثل المصري يقول: "الزن على الأذن، أمر من السحر!" وهذا صحيح، طالما هؤلاء السلبيون والمتشائمون "يزنون" على أذنك ليلاً نهاراً بهذه الكآبة، فكيف تتوقع أن تتنفس الصعداء أبداً؟
ما الخطأ الذي ارتكبه عمرو خالد؟
وهل السطحية في التدين فقط هي المشكلة؟
ورجوعاً للأخ الذي بهت الأستاذ عمرو خالد، وحقر—بطريقة غير مباشرة—من المجهود الذي يبذله هو والمئات، بل الآلاف، من العاملين معه الآن في المشاريع الخيرية والبحوث الدراسية والدعوة والإعلام، أرجع فأتساءل: ما الذي لا يعجب هذا الأخ في الأستاذ عمرو خالد؟ ما الذي فعله بالضبط عمرو خالد حتى ينتهي به الأمر لأن يدعوه شاب—يظن أنه مثقف—"بالبرجوازي"—سواءً أكان يعني الثراء أو المادية. هل يعرف هذا الأخ، في الأصل، ما هي البرجوازية؟ أشك في هذا جداً، وإلا لما وصف الأخ عمرو خالد بهذا أبداً. أغلب الأمر أنه قرأها في كتاب من كتب الدكتور مصطفى محمود—وهو كاتب له وزنه—أو غيره من المثقفين والمفكرين في بلادنا، وهم لا يعتد بهم كمفكرين إسلاميين بالضرورة، ويرددها الآن على كل من يراهم من طبقة راقية، أو أغنياء المجتمع ومشاهيره. وقد يكون الدافع الرئيسي هو الغيرة، لا أكثر. ولكن لماذا لا يجتهد ويتعب من أجل الوصول إلى القمة في مجال ما، بدلاً من الحسد والغيرة وتحقير إنجازات الآخرين؟ وكي أضع يدي على بيت القصيد في هذه النقطة، فإن الأخ يظن المشكلة فقط في السطحية في تلقي الدين والحياة بالدين. ولكن المشكلة ليست في هذا فقط، بل هي أيضاً في "عدم التدين" على الإطلاق. فإن هذا الأخ قد يكون ممن يذهبون إلى المسجد في رمضان ويصلي بين الحين والآخر، ولكن هذا لا يعني أبداً أنه حقاً مؤمن أو مسلم يحبه الله. قرأنا كثيراً عن رجال صلوا لمدة أعوام وأعوام، واكتشفوا في النهاية أنه لم تقبل لهم صلاة واحدة! هذه مصيبة، وقد وصلتنا هذه الأحاديث كي نعتبر، فليت أمثال هذا الأخ يعتبرون.
إن من يعيب عليهم هذا الأخ لم يخطئوا
إن عمرو خالد لم يخطئ عندما بدء طريقاً منذ أكثر من عشرة أعوام، نصفهم على الأقل بعيداً عن الأضواء تماماً، محاولاً أن ينصح غيره في الله، ويعيد الشباب إلى دينهم، ومحاولاً أن يجعل صوته مسموعاً إلى أكثر عدد ممكن من الشباب. وزميل هذا الأخ في العمل لم يخطئ عندما دافع عن عمرو خالد. إن هذا واجب وأي واجب. بل لقد كان—من الأصل—واجباً على هذا الأخ أن "يلتمس لأخيه—عمرو خالد—سبعين عذراً"، وإن لم يجد، فيعلم أن العيب فيه. وإن صديق هذا الأخ لم يخطئ عندما قال له أن إيمانه ناقص إن كان يوالي غير المسلمين أو يحبهم أكثر من المسلمين. ما قد لا يعرفه هذا الشاب—الذي يحسب نفسه مثقفاً—هو أن كل علماء الدين يقولون بهذا، كل علماء الدين يتفقون بلا استثناء على أن من يوالي غير المسلمين أو يحبهم، فإن الإيمان في قلبه ناقص. وفي الحديث الشريف: "المرء يحشر مع من يحب". فإن أحببت مارادونا أو توم كروز أو مايكل جاكسون أكثر من حبك لأي مسلم، فأبشر، ستحشر مع من تحب يوم القيامة! وأنا لا أدعو هنا إلى كراهية غير المسلمين، لا أدعو حتى إلى كراهية اليهود جماعةً. فإن ليس كل يهودي يعيش في—أو يحتل—فلسطين المحتلة، هناك يهود في كل دول العالم تقريباً. وليس كل يهودي يمول الاحتلال لأرض فلسطين. أنا دائماً أدعو إلى الدقة في اختيار الألفاظ والتفرقة بين كل لفظ ولفظ، فإننا—للأسف الشديد—في عصر اختلط فيه الحابل بالنابل، وأصبح الناس لا يعرفون ما الفرق بين المتطرف والأصولي، وبين الإرهابي والوهابي، وبين الإسرائيلي واليهودي، وبين الصهيوني والإسرائيلي، إلخ، سواء كبرت أم صغرت الاختلافات؛ فإن الدقة شديدة الأهمية في كل شيء. وباختصار، أنا لا أدعو إلى كراهية أحد، فإن الكراهية شعور سلبي، يمكث في القلب فلا يحرق إلا صاحب هذا القلب نفسه فقط. ولكني أدعو إلى موالاة الخير وحب الحق، بالذات الأفعال نفسها، ثم الناس أنفسهم بعد ذلك. وحتى وإن فعل غير المسلمين الخير أحياناً، فإن هذا لا يدعو إلى حبهم أو موالاتهم. نعم، نتعاون معهم فيما لا يخالف ديننا، نعم لا نكرههم ولا نحب لهم الشر، ولكن هذا لا زال لا يعني الحب والموالاة. فإن غير المسلم، مهما كان دينه، إن كان لا يقبل الإسلام، فإنه لابد ولا شك يحب أن يراك ترتد عن دينك—وهذا موجود في القرآن. فما حسبك بشخص في قلبه ولو شعيرة رغبة في أن يردك عن دينك الذي هو عصمة أمرك ونجاتك يوم القيامة، نجاة أبدية، من خسارة أبدية؟
إن هذا الأخ يحتاج أن يقرأ بعض القرآن، بدلاً من الشعر. ويقرأ بعض كتابات ابن تيمية وابن القيم والغزالي والقرضاوي والألباني وسيد قطب، بدلاً من القراءة للمحسوبين على الثقافة والفكر في بلادنا، المتنطعين والمتفلسفين في الدين—في الجرائد العربية.